لم يكن واهِما أو مُبالغا أو مزايدا أو قصيرَ النظر المفكر الأمريكي، ناعوم تشومسكي، عندما قال من قلب عاصمة الكنانة، القاهرة، بعد مرور نحو سنة فقط على ثورة 25 يناير المصرية، إن الولايات المتحدة تخشى قيام أي ديمقراطية حقيقية تعكس الرأي العام للشعوب في منطقة الربيع العربي، وأردف المفكر الذي “هاجم” في كثير من محاضراته ومقالاته الولايات المتحدة والغرب على “خشيتهم” من أن تحُول الديمقراطية في البلدان العربية بينهم وبين “ثروات” هذه البلدان، بأن الأمر الأخطر بالنسبة للولايات المتحدة سيكون “التحركات تجاه استقلالية القرار في منطقة الشرق الأوسط”.

تشومسكي يُكذّب..

ذاك ما قاله مفكر ومنظر أمريكي في محاضرات أكاديمية ومقالات علمية ونقدية، لكن يبقى ذلك رأيا قابلا للنقاش، حتى وإن صدر عن هرم اسمه “تشومسكي” باتت آراؤه يُعتد بها لدى صناع القرار في البيت الأبيض وفي مراكز البحث (Think tank)، ويُستشهد بها من لدن الباحثين والإعلاميين وحتى السياسيين حتى أنه صُنف من بين عشرة هُم الأكثر استشهادا بأقوالهم في العالم.

زعماء غربيون

وبعيدا عن التنظير والكتابات النقدية يقول الواقع إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقف إلى جانب الشعوب العربية التي خرجت عن بكرة أبيها قبل أزيد من ثلاث سنوات مطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة؛ وعلى الرغم من أن “تحفّظ” الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بعض دول الغرب على نتائج الثورات العربية التي أطاحت بأنظمة ديكتاتورية كانت موالية للغرب بمن فيه أمريكا، كان يُقرأ من بعض المتفائلين على أنه موقف مؤقت في انتظار أن تنكشف الأجواء التي خلفتها سُحب الثورات العربية، إلا أن الولايات المتحدة سرعان ما عادت لتبدي غير قليل من “الدعم” لاستمرار “الأنظمة الشمولية” في البلاد العربية، تحت مسميات وشعارات مختلفة؛

توالي تصريحات المسؤولين الأمريكيين، على مضض، بأن واشنطن تدعم “التحولات الديمقراطية” في مصر، حتى بعد أن أزاح العسكر الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، لا يحتاج إلى كثير عناء لمعرفة “النوايا” الأمريكية إزاء الأوضاع “الجديدة” التي حملتها ثورة 25 يناير؛ وهي النوايا التي فضحها كتاب وباحثون أمريكيون بنو جلدة ساسة واشنطن.

مخططات أمريكية..

في هذا الصدد أشار أستاذ العلوم السياسية المتقاعد في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، نيكوس ريتسوس، في تصريحات سابقة له، نشرتها كل من صحيفتي “تليجراف” البريطانية و”ديلى ستار” اللبنانية باللغة الانجليزية، إلى ما سمّاه “المخطط الأمريكي لإجهاض الثورة المصرية” بالتعاون مع المؤسسة العسكرية.

وتحدث الباحث عن وجود شراكة بين العسكر في مصر والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من أجل إعادة إنتاج نظام “مبارك” بمسميات تتلاءم مع الربيع العربي”.

أوباما مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك

ولعل تعاطي واشنطن مع الحكام الجدد في القاهرة، حاليا، يسقط ورقة التوت الأخيرة التي ظل المسئولون الأمريكيون متخفين وراءها، بحيث اختلف المتتبعون عما إذا كان كانت واشنطن مع أو ضد الثورة المصرية؛ وبعدما صدرت تصريحات سابقة عن البيت الأبيض تفيد أنه جمد التعاون والدعم العسكريين مع مصر، في انتظار اتضاح الرؤية بعد عزل الرئيس مرسي، ها هي واشنطن تعود لتستأنف تعاونها العسكري مع القاهرة، لكن تحت يافطة عريضة وفزاعة فضفاضة اسمها “الإرهاب”.

وستقوم الولايات المتحدة إلى جانب إرسال 10 طائرات الأباتشي، لمحاربة “الإرهاب” في صحراء سيناء، بالإفراج أيضا عن جزء من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر البالغ قيمتها 1.3 مليار دولار، والتي كان قد تم حجبها في أكتوبر الماضي، وكلها مساعدات متعلقة بمكافحة الإرهاب.

إحدى المسؤولات الأمريكيات وهي رئيسة لجنة المخصصات بمجلس النواب الأمريكي، كاي جرانجر، قالت في تعليقها على الخطوة الأمريكية، أنه “يتعين على الولايات المتحدة التعاون مع الحكومة المصرية ودعم الشعب المصري، في الوقت الذي تتجه فيه مصر نحو المسار الديمقراطي وتشكيل حكومة ديمقراطية”، دون أن تنسى ذكر أن الشعب المصري تواجهه “تحديات أمنية” وهو المرادف الذي يستبدله الساسة الأمريكيون بمصطلح “الإرهاب” لغايات في أنفسهم وبحسب الأحوال والحالات.

استمرارية الأنظمة

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع الرئيس الجزائري عشية انتخاب الأخير رئيسا رغم مرضه

في الجزائر وعشية الانتخابات الرئاسية التي جرت في الجزائر في 17 أبريل/نيسان الماضي، والتي فاز بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بولاية رابعة رغم مرضه وعدم قدرته حتى على إدارة حملته الانتخابية، زار وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، الجزائر، وهو ما قرأت فيه المعارضة الجزائرية “ترحيبا” من واشنطن لاستمرار نظام المؤسسة العسكرية في الحكم، بل وتأييدا لترشيح واستمرار الرئيس بوتفليقة رغم أنه مقعد بسبب مرضه.

المسؤول الأمريكي وهو يدلي بتصريحاته في العاصمة الجزائرية، أراد تلميحا وتصريحا أن يوصل رسالة مفادها أن الأهم بالنسبة لواشنطن وهو “محاربة الإرهاب”، وليس أن يكون هناك رئيس منتخب ديمقراطي، وهو ما عكسه قوله “إننا (أمريكا والجزائر) نمتلك علاقات قوية في المجال الأمني والثقافي والتجاري، وسندفع بحوارنا الإستراتيجي من أجل تعاون أقوى وخاصة في الجانب الأمني”.

وحتى يوضح أكثر وبعد أن قال “إن الولايات المتحدة ستواصل تضامنها مع الجزائر في مكافحتها الإرهاب، وستواصل العمل معها في إطار المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب”، أكد كيري أن “الولايات المتحدة تعتزم تقديم المزيد من الدعم للجزائر في مجال مكافحة الإرهاب”، ولم يقل تقديم المزيد من الدعم لنشر الديمقراطية ومحاربة الاستبداد مثلا..

وفي موريتانيا يبدو أن الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، الذي أعلن عن تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية في 21 يونيو المقبل كما أعلن ترشحه لها في مسعى لولاية ثانية بعد الأولى التي جاء إليها بانقلاب عسكري، في سنة 2008 تلته انتخابات لكسب شرعية الانتخابات في سنة 2009، يبدو أنه يتوفر على ضوء “أخضر” أمريكي للاستمرار على رأس السلطة، لاسيما أنه واحد من قلائل من الحكام الأفارقة الذين قبلوا إقامة قواعد عسكرية أمريكية ببلدانهم لمحاربة “الإرهاب”، بحيث توجد في بلاد شنقيط قوات أجهزة أمريكية تعمل على مراقبة نشاطات “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” في منطقة الصحراء الكبرى.

فزاعة الإرهاب..المفضلة !

انفجار المركز التجاري الأمريكي في أحداث 11 سبتمبر 2001 الدامية

يبدو أن حرص الولايات المتحدة على “استمرار” النظام الحالي في موريتانيا “المتعاون” معها جدا في محاربة “الإرهاب”، تعكسه إشارات واضحة صدرت عن واشنطن، وتكلفت سفارتها في نواكشوط بنقلها إلى مسئولي هذه الأخيرة في ديسمبر من السنة الماضية عندما أجريت الانتخابات البلدية والتشريعية في البلاد؛ وفي وقت رفضت المعارضة الموريتانية نتائج تلك الانتخابات واتهمت الحكومة بتزوير الانتخابات التي فاز بها حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، فإن السفارة الأمريكية بنواكشوط سارعت إلى “مباركة” تلك الانتخابات و”التنويه” بها، وأشارت إلى أن تلك الانتخابات النيابية والبلدية “مثلت مرحلة هامة على طريق التطور الديمقراطي”، بل وعبرت عن “تطلع” الولايات المتحدة إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجري في يونيو المقبل، وهو ما رأى فيه البعض تأييدا مسبقا لبقاء الرئيس الموريتاني الحالي وحزبه في الحكم.

يبدو أن “شماعة” الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية التي لطالما رددتها واشنطن وأحدثت بشأنها “برنامجا أمريكيا للتنمية الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية”، منذ غزو العرق، لم تعد صامدة أمام “فزاعة” الإرهاب التي تؤكد الأيام والأحداث أنها الأقرب والأفضل عند ساسة واشنطن، وبين الديمقراطية والإرهاب تكمن “المصالح الإستراتيجية” التي لن يتنازل عنها هؤلاء وإن أزهر “الربيع العربي” في كل موسم !

عرض التعليقات
تحميل المزيد