داخل «التراث الشعبي» والتاريخ الشفاهي، يمكننا أن نجد الكثير من الحكايات والقصص، لها سند تاريخي، حتى وإن خالفت بعض تلك السير الشعبية السردية الرسمية في مضمونها، تاركة وراءها شواهد تصلح للمقارنة ما بين التاريخ المكتوب والخيال الشعبي. لعل من أشهر تلك الحكايات التي تتقاطع مباشرةً مع التاريخ هي «المواويل» التي تغنى بها الأهالي قبل قرن من الزمان عن الأبطال الشعبيين أمثال أدهم الشرقاوي وياسين في موال «بهية وياسين» وغيرهم ممن اعتبرتهم السلطات والتقارير الرسمية مجرمين عتاة ولصوص. ومن وحي تلك المواويل والسير نتناول في السطور التالية العلاقة الشائكة والمرتبكة ما بين ما تراه السلطة جريمة، وما تناقله التراث الشعبي على أنه بطولة، ونبحث معًا لاستكشاف الجزء الخفي لـ«تاريخ الصعاليك».

«أدهم الشرقاوى».. مجرم أم بطل شعبي؟

في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1920، نشرت جريدة «اللطائف المصورة» خبرًا بعنوان «مصرع الشقي أدهم الشرقاوي»، وقد تناول الخبر صورة للشرقاوي وبعض الصور لرجال الشرطة المصرية الذين تمكنوا من قتله وهم متنكرون في ثياب الفلاحين. كان الخبر يتناول حادثة مقتل الشرقاوي بين حقول الذرة؛ إذ تنكر رجال الشرطة وبينهم الجاويش محمد خليل كفلاحين يعملون في الأراضي، واختبأوا بين عيدان الذرة بالقرب من الشرقاوي بعد أن وشى به أحد أعوانه، وهناك أطلقوا عليه رصاصتين أردته قتيلًا.

(صورة حقيقية لأدهم الشرقاوي)

كان الخبر يسرد سيرة أدهم الشرقاوي كشخص تجلت عنده النزعة الإجرامية منذ نعومة أظفاره؛ فيشير إلى أن أدهم كان تلميذًا مشاغبًا كثير التعدي على زملائه، حتى اضطر أبوه إلى إخراجه من المدرسة في السنة الرابعة، كما أنه بحسب الخبر قد ارتكب جريمة قتل عام 1917، إذ كان أحد أعمامه وهو «عمدة» زبيدة – القرية التي كان يقطن بها وهي إحدى قرى مركز إيتاي البارود في محافظة البحيرة – من شهود الإثبات، وفي سجن «ليمان طرة» بينما كان الشرقاوي يقضي مدة عقوبته التي وصلت إلى سبع سنوات قابل قاتل عمه الآخر الذي كان يعتز به، فغافل أدهم السجين الآخر وضربه بهراوة على رأسه شقته نصفين، وحكم عليه حينذاك بالأشغال الشاقة المؤبدة.

بالنسبة إلى التقارير الرسمية، كان أدهم الشرقاوي مجرم عتيد الإجرام، يأخذ الإتاوات من الأعيان والتجار، ولا يتردد في أن يؤجر من أجل القتل ويرتكب جرائمه في وضح النهار؛ إذ هرب من «الليمان» وكون عصابة من الأشقياء، بحسب المصادر التاريخية الرسمية، وأخذ يرتكب الجرائم على أمل أن يقتل يومًا ما عمه عمدة زبيدة، عبد المجيد الشرقاوي، الذي شهد ضده في قضية القتل الأولى؛ إلا أن القدر لم يمهل لأدهم الشرقاوي الفرصة ليأخذ بهذا الثأر الأخير؛ إذ قتل قبل أن يتمكن من ذلك. لكنه خلال فترة حياته، قد جعل من الإغارة على الأعيان، والوجهاء، والسطو، والنهب، طريقة يحرج به عمه المسؤول عن القرية.

(موال أدهم الشرقاوي)

حين قتل الشرقاوي لم يكن يتجاوز ال 23 عامًا، وعلى الرغم من الصورة المخيفة التي رسمتها له التقارير الرسمية والصحف حينذاك، إلا أن سيرته التي خُلدت في الحكي الشعبي والمواويل قد أتت مختلفة تمامًا عن ذلك، فيتناول «موال أدهم الشرقاوى» قصة شاب يُقتل عمه غدرًا قبيل ثورة 1919، كأحد قصص البطولة، إذ يعتمل الغضب في صدر البطل نظرًا لتقاعس الشرطة المتحالفة مع المستعمر عن القبض على المجرم قاتل عمه، فيجتمع حوله الأهالي، ويثور هو وأتباعه على الشرطة والتي تمثل من وجهٍ آخر المستعمر، إلا أنهم ينجحون في النهاية في اغتياله بطريقة درامية.

«جت الحكومة وقالتله: يا أخي يا أدهم عملت كدة ليه؟ قال لهم: يا حكومة لما انقتل عمي، عملتي إيه؟» *موال أدهم الشرقاوي

يتناول الموال ملامح البطل بطريقة شديدة التحديد، فهو بطل مغوار في موقف درامي لا يحسد عليه؛ إذ يقف أمام قاتل مجهول، وهو المكلف بالثأر منه، وهو أمرًا كان مرتبطًا بالجاه والمكانة الاجتماعية حينذاك؛ فيقول عنه: «الاسم أدهم لكن نأبه شرقاوى». صور الحكي الشعبي أدهم كأحد الأبطال المقاومين للاحتلال والسلطة التي تمثله، يقاتل من أجل الفقراء، ويحارب الإنجليز والخونة، وعلى الرغم من أن الوثائق الرسمية تنفي كل هذا عن الشخصية الحقيقة لأدهم؛ إلا أن الخيال الشعبي وجد فيه رمزًا لمقاومة السلطة حينذاك والتي كانت رمزًا للقهر.

خبر قتل أدهم الشرقاوي، المصدر: الجزيرة.

«ياسين وبهية».. هذا هو من قتل ياسين

يروي اللواء المصري محمد صالح حرب – شقيق طلعت حرب – في مذكراته حكاية «الشقي ياسين» الذي قتله بنفسه عام 1905، يصفه قائلًا: «كان ياسين أعنف شقي وأجرأ مجرم مشى على أرض مصر في زمنه»، وهي الشهادة التي تمثل أيضًا السردية الرسمية لحكاية ياسين؛ إذ اعتبرته السلطة مجرمًا خارجًا عن القانون، هوايته هي القتل والسلب والنهب؛ واصفين إياه بترويع الأهالي في مديريتي قنا وأسوان، لم تفلح الشرطة، ولا حتى عمدة البلاد، في القبض عليه، حتى وقع في يد محمد صالح حرب بالمصادفة.

كان اللواء المصري ضمن بعثة عسكرية متجهة إلى وادي حلفا لشراء سرب من الجمال عندما قابلت قافلتهم أعرابيًا نائمًا في أحد المغارات، حينها شك محمد صالح حرب في أمره، فقرر أن يتبين من هويته بنفسه؛ وعندما أطلق ياسين عدة طلقات نارية على الغرباء القادمين نحوه، اشتعلت حرب داخل المغارة، حينها لجأ صالح حرب إلى الحيلة من أجل استدراج ياسين خارج مغاراته؛ فتوجه إلى أعلى التلة وألقى حبلًا تتدلى منه حزمة بوص مشتعل، فشعر الشقي ياسين بالاختناق، وما إن غادر ملجأه الآمن حتى أصابته رصاصة في قلبه.

«يا بهية وخبريني ع اللي قتل ياسين»، لم تمضي عدة أيام على مقتل ياسين حتى نظم بعض أبناء الصعيد – بحسب محمد صالح حرب – موال عن حياته كبطل وتغنوا به على الربابة. عن ذلك يقول اللواء المصري إنه عندما أبلغ المأمور بمقتل الشقي ياسين، لم يصدقه حتى رأى جثمانه في جوال. كان ذلك نابعًا من الطريقة التي راوغ بها ياسين الشرطة لفترة طويلة، حتى أن وزارة الداخلية قد شددت النكير على المديرين القائمين على الأمن في مديريتي قنا وأسوان، وأمدتهم بقوات إضافية بهدف القبض عليه دون أن يفلحوا في تعقبه، أو الوصول إليه حتى بمعاونة علي بك، عمدة قبيلة ياسين، الذي حكت المصادر عن أنه قد لاحق ياسين، وعندما عثر عليه في أحد المخابئ، خيره الشقي ما بين حياته أو يتركه وشأنه؛ وبالتالي كانت كل الحيل الأمنية قد فشلت في الإيقاع به.

(موال ياسين وبهية)

تشير المصادر الرسمية إلى أن ياسين قد اختار أن يكون قاطع طريق، وقد اتخذ من القتل حرفة، وهو ما يختلف تمامًا عن الرواية الشعبية التي صورت ياسين رجلًا عظيمًا وبطلًا مقاومًا للاحتلال، فيشير مهدي الحسيني، وهو المسرحي المصري الشهير، إلى أنه قد ذهب إلى القصير بالبحر الأحمر باحثًا في سيرة ياسين وبهية الحقيقية، بهدف كتابة نصًا مسرحيًا عن الواقعة، وهناك زار قبيلة العبابدة، وهي مسقط رأس «الشقي ياسين»، وقابل من تبقى من أسرته في قرية صغيرة اسمها «الحصواية» بمدينة قنا، وسجل الحسيني معهم عدة شرائط صوتية متتبعًا قصة ياسين منذ البداية وحتى مقتله.

كان ياسين يعيش هناك مع زوجته أم أولاده آمنة، إلا أنه عندما ذهب إلى الحدود المشتركة مع السودان لم تذهب معه زوجته ولا أبناؤه، فتزوج من امرأة أخرى تدعى رضية، وهي التي بقيت معه حتى أثناء هروبه في المغارات التي تحصن بها مع مجموعة من المتمردين على الأوضاع في بداية القرن العشرين. عن ذلك يشير مهدي الحسيني إلى أن اتفاقيتي عام 1899، والتي أقيمت على إثرها أول حدود مسلحة بين مصر ودولة السودان هي السبب الذي ثار من أجله ياسين، وما تبعه من المتمردين؛ إذ كانت تعني انقطاع طرق التجارة بين الدولتين، وهو الأمر الذي يعيش منه أبناء هذه القبائل. وكان تمرد ياسين وجماعته قد سبب الكثير من القلق والاضطرابات للسلطات الإنجليزية.

أما بهية فلم تكن سوى من خيال المؤلفين لشخصية زوجة البطل ياسين الحزينة على فراقه، وفي الوقت الذي صور فيه صالح حرب «بهية» كامرأة تزغرد فرحًا بمقتل زوجها دليلًا على الخلاص في روايته، جاءت الرواية الشعبية تصور بهية تزغرد كمدًا على استشهاد رجل شريف، وقد أصبحت رمزًا هي الأخرى للشجاعة والمقاومة، بل رمزًا لمصر كدولة في بعض الأعمال الغنائية والفنية.

بين السير الشعبية والحقيقية.. علي الزيبق وألاعيب الشطار

في السير الشعبية نجد «علي الزيبق»، شاب مصري قد خرج إبان الحكم العثماني من الطبقات الفقيرة وقرر أن يقف في وجه طبقة أمراء المماليك بعد مقتل والده «حسن راس الغول» على يد مقدم الدرك سنقر الكلبي، فهو من جهة يمثل عنصر المقاومة للطبقات المقهورة، ومن جهة أخرى يبغي الثأر لمقتل والده، ولهذا امتاز الزيبق بالخفة، والحيلة، وممارسة الألاعيب للوقوف في وجه السلطة.

لم تكن تلك هي السيرة الوحيدة لشخصية «علي الزيبق» في التاريخ؛ إذ تناولت قصته إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة»، كما ظهر النص الأول للسيرة عام 1888 للشيخ أحمد بن عبد الله المصري، والذي تناولها في خط زمني مختلف إبان خلافة هارون الرشيد، وحكم أحمد بن طولون، وهو خلط واضح للحقب التاريخية ما بين خلافة الرشيد عام 170هـ وحكم أحمد بن طولون لمصر عام 254هـ، وهو ما استدعى أن يصنف البعض السيرة كقصة خيالية تمامًا، لا تمت للتاريخ الحقيقي بصلة، كما يخبرنا مصطفى عبيد في كتابه «هوامش التاريخ»، إذ إن «علي الزيبق» الذي اشتهر في السير الشعبية بسرقة البكوات والأمراء، ونسجت حوله الأساطير عن بطولاته حتى تحولت مغامرات علي الزيبق إلى مواويل يتغنى بها المصريون على الربابة، هو شخصية وهمية لا وجود لها.

بالرغم من ذلك خرجت بعض الكتب التي أكدت أن الشطار وعلي الزيبق وحبيبته زينب ودليلة المحتالة، شخصيات لها وجود واقعي، حتى وإن اختلف الخط الزمني للسيرة عن الواقع، ومنها كتاب «حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي»، فالزيبق قد تزعم فتنة العيارين ببغداد عام 444هـ، وكان أول ذكر له في كتاب «الكامل في التاريخ» المجلد الثامن لابن الأثير الجزري، فيقول عن أحداث السنة 444هـ: «وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة في بغداد وامتنع الضبط وانتشر العيارون، وتسلطوا، وجبوا الأسواق، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال، وكان مقدمهم الطقطقي والزيبق».

فنون

منذ سنتين
«نحاولُ مُلكـًا أو نموتَ فنُعذرا».. حين يزور «شيطان الشعر» الملوك

في التاريخ،كان العيارون والشطار جماعات ذات تكتلات اجتماعية مثلت نوعًا من الميليشيات الشعبية، وكانوا يستغلون فترات الاضطراب السياسي، ويستولوا على الأمور في بغداد، وقد برز العيارون بشكلٍ واضح في القرن الخامس الهجري لينهبوا الأموال، بحسب المصادر التاريخية، وكانت الفتنة بين السنة والشيعة في بغداد هي ما تؤجج تلك الاضطرابات التي انتشر فيها – بحسب المصادر – الخارجون عن القانون، ممن وصفوا باللصوص، وهو الأمر الذي تتناوله السيرة من وجهة نظر مختلفة تمامًا؛ إذ تمثل ألاعيب الشطار، ومن بينهم علي الزيبق حيل لمقاومة استبداد السلطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد