ارتبطت النازية بأمور كثيرة سيئة السمعة مثل العنصرية، القتل، صناعة السلاح، جنون هتلر، رواية 1984، أفلام عبرت عن تلك الحقبة، استخدام الإعلام في تعبئة الشعب الألماني، رجال الحزب النازي، لكن أن ترتبط بأمر محبب مثل الموضة وصناعة الأزياء، فهذا ما قد يتعجب منه أي قارئ إذا ما عرف عن تورطات مؤسسي شركات أزياء وملابس عالمية مثل (أديداس، بوما، هوجو، كوكو شانيل) في أمور تصل مع بعضهم لدرجة تصنيع السلاح للحزب النازي.

1- هوجو بوس: مصمم الملابس العسكرية للحزب النازي


في عام 2013 وخلال حفل أقامته مجلة GQ المتخصصة في أخبار الموضة الرجالية لتوزيع جوائزها على رجال العام، تحدث الممثل الكوميدي راسل براند في كلمته حول ممولي الحفل، وبالأخص شركة هوجو بوس الألمانية، مذكرًا بتاريخها مع الحزب النازي في ألمانيا.

 

قال براند أمام جمع المشاهير والسياسيين: “إذا كان أحد يعلم ولو القليل عن التاريخ والموضة، فبالتأكيد يعلم أن شركة هوجو بوس كانت تصمم ملابس النازييين، وللحقيقة فهم كانوا يظهرون بمظهر متأنق أثناء قتلهم للناس بناء على دينهم وجنسهم. طُرد براند من الحفل بعدما تبادل مع أحد محرري المجلة كلمات غاضبة قال فيها المحرر: “ما فعلته إزاء شركة هوجو بوس كان مهينًا جدًّا”، ورد براند بنفس اللهجة: “ما فعلته هوجو بوس تجاه اليهود كان مهينًا جدًّا”.

 

وبرغم عدم تعليق الشركة على الحدث فإن قياداتها كانوا غاضبين بلا شك، خاصة وأن الحفل الذي كانت ترعاه الشركة كان قد كلفها قرابة الـ250 ألف يورو، ولم تجن الشركة من ورائه تلك التكلفة سوى المزيد من الإساءة العامة للشركة. وبالطبع فإن ما ذكره براند ليس بجديد فالكثير من الماركات والشركات العالمية تعرضت لمثل تلك الإشاعات، ولكن شركة هوجو تعرضت للمزيد من تلك الأمور مؤخرًا والتي تربطها بالحزب النازي، ومنها أن الشركة قد صممت الزي الأسود لفرق SS.

 

وفي الحقيقة فإن هذا الزي من التصميمات الروسية العسكرية الأصلية، وظل الزي في تطور منذ نشأة فرق الـSS عام 1925 وحتى حلها بعد عقدين من الزمان، وكان الزي الأسود قد بدأ استخدامه منذ عام 1932 وقيل إنه من تصميم فنان وضابط كبير في فرق الـSS يدعى كارل دايبيتش، والذي عمل بالتعاون مع مصمم يدعى والتر هيك. ولم يذكر أن عملا هذان المصممان لدى شركة هيوغو بوس. ولذلك فإن إشارات البعض ومنهم راسل براند بأن الشركة صممت ملابس للنازيين هي على خطأ على الأرجح، ولكن إن قصدوا بذلك تصنيع الشركة للملابس فهم بذلك على حق.

 


 

وللتأكد تاريخيًّا من تلك الشائعات فيجب ذكر بعض المعلومات الهامة عن هوجو بوس مؤسس الشركة، فهو مواليد عام 1885 لوالديه اللذين يملكان محلًا لبيع الملابس الداخلية النسائية والكتان في بلدة صغيرة في ميتزينجن على بعد 20 ميلًا من شتوتجارت. وبعد خدمته في الجيش خلال الحرب العالمية الأولى أسس بوس مصنع الملابس الأول الخاص به عام 1924، والذي كان ينتج الملابس التقليدية.

 

وكان من بين العملاء الأوائل لدى بوس موزع أقمشة يدعى رودلف بورن، هذا الرجل الذي عقد صفقة مع هوجو بوس لإنتاج قمصان بنية لمنظمة تدعى “الحزب الوطني الاشتراكي” والذي أصبح فيما بعد يعرف بالحزب النازي. وبعد أن أصبح الحزب النازي عميلًا كبيرًا لدى هوجو بوس لم ير الأخير سوى المصلحة التجارية، حتى أصبح بوس ينتج أزياء العديد من المنظمات بما فيها الشرطة والبريد، فلم يفكر بوس في ذلك سوى في مصلحته المالية بعيدًا عن السياسة. وفي أول أبريل عام 1931، اتخذ بوس الخطوة التي جعلت اسمه مرتبطًا بالحزب النازي إلى الأبد، وذلك عندما انضم للحزب.

 

وكانت خطوة بوس في الانضمام للحزب النازي لها سببان: الأول أنه كرجل أعمال وبحسه التجاري يحتاج لتلك الخطوة، فهو بذلك يسهل حصوله على عقود مع النازيين الذين أصبحوا متوغلين في كل أجزاء ألمانيا وفي كل المجالات، والسبب الآخر هو إيمان هوجو بأن هتلر هو الرجل الوحيد الذي يمكنه إخراج ألمانيا من ركودها الاقتصادي.

 

ومثل هذا التصرف الذي اتخذه هوجو لم يكن استثنائيًّا، ورغم ذلك فكان هناك رجال أفضل رفضوا العمل لصالح الحزب، ولكن بوس كان سعيدًا بتوقيعه عقودًا مع النازيين، وعلى الأغلب فإنه لم يكن نازيًّا مسعورًا ولكنه كان براجماتيًّا.

2- كوكو شانيل: العميلة المزدوجة


إنها المرأة التي كانت صناعة الأزياء إخفاءً لجوانب حياتها المظلمة، ففي العام الماضي ظهرت وثائق تثبت أن مصممة الأزياء الفرنسية شانيل كانت جاسوسة لصالح الحزب النازي في ألمانيا، وشاركت أحد أكبر ضباط البوليس السري الألماني (جيستابو) الفراش، وحاولت إقناع بريطانيا بهدنة لإنهاء الحرب.

 

وأن الحزب النازي كان قد اختارها للتفاوض على هدنة مع البريطانيين بسبب علاقة الصداقة التي جمعتها برئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، ويمكن أن تكون تلك الصداقة هي الشيء الوحيد الذي أنقذها من انتقام المقاومة الفرنسية بعد انتهاء الحرب. فقد كشفت الأوراق الرسمية للحزب النازي الموجودة في أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية أن شانيل تم تجنيدها من قبل قسم التخابر العسكري النازي وكانت تحمل رقم F-7124.

 

كانت شانيل كعميلة سرية لها اسم حركي هو “ويستمينستر” وذلك في إشارة لعلاقتها الغرامية مع دوق ويستمينستر قبل تجنيد الألمان لها بعشرين عامًا. وقد قال عنها المؤرخ الأمريكي هال فوجان الذي عاش في فرنسا وكتب كتابًا عن علاقة شانيل بالحزب النازي: “شانيل لم تكن مؤمنة بشيء سوى الأزياء، فهي آمنت بالملابس الجميلة، وآمنت بعملها ولم يكن يهمها هتلر أو السياسة أو النازية.. شانيل كانت انتهازية بمهارة، وقد كان انجذابها للنازية استغلالًا لتلك السلطة، وهو الشيء الذي يفضل الناس تنحيته عند شرائهم لمجوهرات وملابس شانيل”.


 

كانت شانيل وقت الاجتياح النازي لباريس تعيش في جناح فخم في فندق الريتز والذي كان المقر الفرنسي للقوات الجوية الألمانية، وعلى الفور شرعت شانيل في علاقة غرامية بضابط رفيع المستوى من البوليس السري الألماني (جيستابو) يدعى بارون هانس فون دينكلايج، وكان هذا الضابط قد تم تكريمه من هتلر ومسؤول الدعاية النازي جوزيف جيوبيلز، وبالرغم أن شانيل في ذلك الحين كانت تبلغ من العمر 57 عامًا إلا أنها أوقعت الضابط الأصغر منها بـ13 عامًا في غرامها، لتستمر قصة حبهم النفعية لمدة عشر سنوات، حيث بعد انتهاء الحرب سافرا إلى سويسرا.

 

في عام 1943، سافرت شانيل إلى مدريد في مهمة تجسس سرية بعدما عرضت على مسؤول فرق الـSS هنريك هملر أن تكون عميلة مزدوجة، في ذلك الحين كان بعض رجال النازية يريدون التخلي عن هتلر بعدما أصبحت الحرب مصعبة على ألمانيا، وكانوا هؤلاء الرجال مع التفاوض على هدنة مع بريطانيا. في تلك الأثناء تعرفت شانيل على رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل بصفتها عشيقة لهوغ جروسفينور أغنى رجال بريطانيا. ولكن خطة شانيل حول تشرشل لم تنج بسبب عدم تجاوب الأخير معها.

3- أدولف، ورودولف داسلر: حين صنعت شركتا أديداس وبوما الأسلحة بجانب الكوتشيهات


 

حفر العداء الأمريكي جيسي أونز اسمه في قائمة بطولات العدو في الألعاب الأولومبية في برلين وكان أفضل العدائين في وقته بعد تخطيه للرقم القياسي في جري الـ100 متر وبعد فوزه بالميدالية الذهبية في أولومبيات 1936، رحل الأمريكي إلى بلاده من برلين بأربع ذهبيات، أهدى منها اثنين للأخوين الألمانيين أدولف ورودولف داسلر لأنهما من صنعا له أحذيته الرياضية التي حملته للفوز بتلك الميداليات.


 

كانت مدينة هيرزوجينيراخ في بافاريا الألمانية هي مقر صناعة الأحذية الممتازة ولذلك حين فكر الأخوان داسلر في تأسيس أول مصنع للأحذية الرياضية عام 1922 كان مقره هو تلك المدينة، ليحصل بفضل أحذيتهم في أولومبيات 1932 بلوس أنجلوس عداء ألماني كان ينتعل حذاء داسلر على برونزية إلا أن حذاء العداء الأمريكي أونز هو ما جلب لأحذية داسلر شهرتها العالمية، وهو ما قاد كل منهما للاستقلال في طريقه الخاص، وأسس كل منهما أكبر شركة في صناعة الأحذية الرياضية حول العالم وهما: أديداس وبوما.

 

انضما الأخوان داسلر للحزب النازي عام 1933، وقد كان موقفهم في مساندة النازية واضحًا للغاية، فمصانعهما التي انتجت حذاء أونز الرياضي هي نفسها بعد أربع سنوات التي تم فيها إنتاج “راهبة الدبابات” تلك الصواريخ التي استخدمتها ألمانيا بشكل جيد ضد دبابات قوات التحالف.

 

وكانت تلك الأسلحة التي طلب الجيش الألماني صناعتها من الأخوين داسلر هي المقابل الألماني للبازوكة الأمريكية، وهي عبارة عن أنبوب معدني يُحمل على الكتف يزن 9.3 كجم، وبطول 164 سنتيميترًا ويصل مداها حوالي 180 مترًا، حيث الصاروخ الذي تطلقه تلك الأسلحة يمكنه اختراق درعًا سمكه 20 سنتيميترًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد