منذ الحقبة الملكية والرياضة في مصر هي ذراع سياسي في يد حكامها، فيروي الكاتب ياسر أيوب كيف أن الملك فؤاد كان حريصًا على توديع الوفد المصري المشارك في دورة أمستردام الأوليمبية بنفسه، وذلك بعد معرفته أن إحدى المباريات ستكون بين الفريق المصري والفريق التركي، حيث كان الشحن والحماس وقتها على آخره، لدرجة أن الأهرام نشرت في صفحتها الأولى وقتها تطالب المصريين بالدعاء للفريق المصري للانتصار على الفريق التركي.

وهكذا استمر الحال في عهد فاروق، حيث حاول الملك فاروق ترسيخ فكرة كونه الملك الرياضي، وذلك بحضوره لكثير من المباريات الرياضية، ولدرجة طلبه من حيدر باشا وزير الحربية وقتها ورئيس نادي الزمالك بأن يغير اسم نادي الزمالك لنادي فاروق.

لتأتي ثورة الضباط الأحرار حيث انتقل التحكم السياسي بالكرة المصرية من أسرة محمد علي لطبقة ضباط الجيش، فكان الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجى قائد القوات البرية في حرب اليمن رئيسًا للنادي الأهلي، ومن قبله الفريق أول صلاح دسوقي، وتولى حسن عامر، أخو الفريق أول عبد الحكيم عامر رئاسة نادي الزمالك، بخلاف بقية مجلس قيادة الثورة والذين تقلد أغلبهم رئاسة اتحادات رياضية وأندية مختلفة.

 

وليتجلى استخدام الكرة كوسيلة إلهاء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، هذا الرئيس الذي ترك مئات الجثث الناتجة عن غرق العبارة السلام 98 وذهب في اليوم التالي لتلك الحادثة ليشاهد مباراة مصر في كأس الأمم الأفريقية.

 

 

إلا أن تقريرنا ليس عن علاقة الكرة بالسياسة من خلال رؤية السياسيين والحكام، ولكن عن علاقة الكرة بالسياسة من خلال لاعبين الكرة المصريين، وكيف تتباين آراؤهم ومواقفهم منذ ثورة الـ25 من يناير.

1- أحمد عبد الظاهر ورفعه لعلامة رابعة

 

بحسب “طاهر أبو زيد” وزير الرياضة المصري حينها فإن عبد الظاهر – 30 عامًا- لاعب النادي الأهلي قد بدا لمسؤولي اتحاد الكرة المصري بأنه “يخلط الرياضة بالسياسة”، وذلك بعد أن رفع اللاعب أصابعه الأربعة بعد إحرازه لهدفه الثاني في شباك نادي أورلاندو بيراتس في نهائي بطولة دوري أبطال أفريقيا في نوفمبر 2013، حيث تم اعتبار إشارة اللاعب دالة على تأييده لجماعة الإخوان المسلمين الذين فضت قوات الشرطة والجيش اعتصامهم بالقوة؛ مما تسبب في قتل قرابة الـ1000 شخص في ميداني رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013.

وحينها قررت إدارة النادي الأهلي تحويل اللاعب للتحقيق، وقررت معاقبته بإيقافه لمدة ثلاثة أشهر محليًّا، ولمدة عام دوليًّا من تاريخ الواقعة، وكانت تلك القرارات قد صدرت بعد التحقيق مع اللاعب، ولكن قبل إتمام التحقيق كانت إدارة الكرة بالنادي قد اتخذت قرارات تعسفية ضد عبد الظاهر تتمثل في عرضه للبيع وحرمانه من مكافأة الفوز ببطولة دوري أبطال أفريقيا، واستبعاده من قائمة اللاعبين المشاركين في بطولة كأس العالم للأندية.

وبالفعل فقد انتقل اللاعب لنادي الاتحاد الليبي منذ يناير 2014 ولمدة ستة أشهر، وبعدها عاد لصفوف النادي الأهلي المصري، مع توارد أنباء عن اقترابه من الانتقال لنادي إنبي خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية.

2- عمر جابر ومذبحة الدفاع الجوي


ربما لم يكن موقف عمر جابر هنا سياسيًّا بقدر ما كان إنسانيًّا، فقد رفض ظهير أيمن نادي الزمالك عمر جابر -23 عامًا- خوض مباراة فريقه أمام إنبي في 8 فبراير 2015 بعد ما رآه من اعتداء من قبل قوات الأمن على مشجعي القلعة البيضاء المعروفين برابطة وايت نايتس، وهو ما أسفر عن وفاة أكثر من 20 مشجعًا وإصابة العشرات فيما يعرف بـ”مذبحة الدفاع الجوي” نسبة لاسم الإستاد الذي لعبت عليه المباراة.

ليكون رد مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك على تصرف جابر سريع، بإيقافه لأجل غير مسمى دون أن يعلن تحويل اللاعب للتحقيق، ولكن بعد مطالبات من أعضاء الفريق بعودة جابر قررت إدارة الكرة في النادي عودته للمران واللعب مرة أخرى في 14 فبراير 2015.

3- محمد أبو تريكة اللاعب الذي يعشقه المصريون


واحد من أكثر اللاعبين المحبوبين اجتماعيًّا في الشارع المصري، وذلك بفضل مواقفه التي تلاقي إعجاب الكثير من المصريين، فنشاهد “أبو تريكة” عام 2006 وهو يظهر “تيشرت” تحت قميصه في مباراة مصر وكوت ديفوار مكتوبًا عليه “نحن فداك يا رسول الله”.

وفي 2008، وحيث القصف الإسرائيلي على غزة، وفي مبارة السودان رفع أبو تريكة قميصه مرة ثانية لنشاهد تحته عبارة “تعاطفًا مع غزة”.

ليكون موقفه السياسي الأبرز بعد ثورة يناير هو رفضه لمصافحة المشير طنطاوي والذي كان في استقبال لاعبي النادي الأهلي العائدين من إستاد بورسعيد بعد المجزرة التي حدثت في عهد المجلس العسكري وراح ضحيتها 72 مشجعًا من مشجعي النادي الأهلي في مطلع نوفمبر 2012، حيث صرح أبو تريكة حينها بأنه غير راضٍ عن إدارة المجلس العسكري لحكم البلاد وأنه يديرها “بيد مرتعشة ولا أدري سببًا في عدم قدرته على التصدي للبلطجية” على حد تعبيره.

وجدد اللاعب عضو نادي مئوية الفيفا بـ105 أهداف، خلافاته مع السلطة بتجنبه مصافحة وزير الرياضة “طاهر أبو زيد” وعدم تسلم ميداليته منه بعد تتويج الأهلي بكأس دوري أبطال إفريقيا في 10 نوفمبر 2013، أي بعد فض قوات الأمن لاعتصام أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية بالقوة وقتل مئات المدنيين. وكان أبو زيد قد تولى المنصب في الوزارة التي تشكلت بعد قرارات عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع حينها بإبعاد الرئيس محمد مرسي وتولية المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا الحكم مؤقتًا في يوليو من نفس العام، وانتقد حينها الإعلاميون المصريون “أبو تريكة”، وبدأت توجه له اتهامات بانتمائه لجماعة الإخوان وبتمويله لاعتصام رابعة العدوية، خاصة وأنه كان قد صرح في وقت سابق بدعمه للدكتور مرسي في انتخابات الرئاسة التي فاز بها. إلى أن قرر أبو تريكة اعتزال الكرة في نوفمبر عام 2013.


ثم أخيرًا جاء قرار قضائي في مطلع مايو 2015 بالتحفظ على أموال “أبو تريكة” وشركة سياحية مملوكة له بعد زعم الحكومة المصرية وجود معلومات عن علاقة الشركة بتمويل جماعة الإخوان، وقد قدم أبو تريكة طعنًا في هذا القرار ونظر القضاء في الطعن منذ يومين ليقرر إحالته لهيئة مفوضي الدولة.

4- أحمد حسن ومشاركته في 30 يونيو


لا تعتبر مواقف اللاعب المعتزل أحمد حسن السياسية صريحة كمن سبقوه في تلك القائمة، وقد يكون منصبه الذي تولاه بعد اعتزاله عام 2013 كمدير الكرة لمنتخب مصر لكرة القدم هو السبب وراء تلك المواقف.

فقبل أن يتولى ذلك المنصب دعم أحمد حسن بشكل صريح في مقطع فيديو النزول إلى الميادين يوم 30 يونيو للإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وطالب النظام بمراجعة أخطائه في حق الشعب، وطالب الشعب بعدم تصنيف بعضه البعض لفلول وإخوان وثوار.

وفي تعليقه على أحداث إستاد الدفاع الجوي أكد أن الخطأ ليس عودة الجماهير للمدرجات وإنما الآلية في التعامل معهم، وطالب بإيجاد حلول لتلافي سقوط ضحايا آخرين من صفوف المشجعين، كما هاجم حسن اللاعب محمد صلاح بسبب مطالبة الأخير بوقف النشاط الكروي حتى انتهاء التحقيقات في مذبحة الدفاع الجوي ومعرفة الجاني، وتساءل حسن مستنكرًا أو ساخرًا من تعليق صلاح في تغريدة على تويتر حول موقف صلاح من التوقف عن اللعب مع النادي الإيطالي المحترف به حتى يعود حق الشهداء؟ وهو ما جعل والد أحد شهداء المذبحة يستنكر موقف أحمد حسن في مداخلته مع إحدى القنوات التلفزيونية.

وفي لقاء له على إحدى القنوات الفضائية في أواخر مايو من العام الجاري أكد أحمد حسن أن أحداث 25 يناير وما بعدها ظلمت الجيل الحالي من اللاعبين، بسبب تدهور النشاط الرياضي وتأثره بأحداث الثورة.

5- نادر السيد: من نادى بسقوط العسكر في التحرير


كان حارس مرمى المنتخب المصري وناديي الأهلي والزمالك السابق نادر السيد من المواطنين الذين نزلوا إلى ميدان التحرير يوم 26 يناير للمطالبة بإسقاط نظام مبارك، ولعل ذلك قد يناقض موقفه من علاء مبارك نجل الرئيس الأسبق عندما ظهر مع الإعلامية رولا خرسا في برنامجها ظالم ومظلوم على قناة صدى البلد في أغسطس 2012 واصفًا علاء مبارك بالمظلوم إنسانيًّا.

وكان السيد أحد المرشحين في مجلس الشعب الأول بعد ثورة يناير عن حزب الوسط، ولكنه لم يفز بالمقعد، وأكد حينها على أنه لا يمكن فصل الرياضة عن السياسة ويمكن عن طريق البرلمان مناقشة القضايا الرياضية التي تصب في صالح مستقبل الرياضة في مصر، وهو ما عاد نادر السيد ليناقضه بموقفه من اللاعب أحمد عبد الظاهر بعد رفع الأخير لشعار رابعة على أرض الملعب، مطالبًا بأهمية فصل كرة القدم عن السياسة.


وعن علاقة السيد بنظام مرسي فهو كان أحد الحاضرين للمؤتمر الجماهيري الأول لحزب الحرية والعدالة في يونيو 2011، وبعد إعلان مرشحي الرئاسة أعلن السيد من أمام لجنته الانتخابية عن الإدلاء بصوته للدكتور “عبد المنعم أبو الفتوح”. لكن بعد فوز مرسي بالرئاسة أصبح نادر من المعارضين لحكم نظام الإخوان المسلمين، ووصف الدستور الذي أقر في عهد مرسي بدستور العدالة الانتقامية، وانتقد مرسي في الكثير من لقاءاته التلفزيونية، وفي أحداث الاتحادية في ديسمبر 2012 كان نادر السيد أحد المتواجدين في الميدان ويهاجم جماعة الإخوان واصفًا الأحداث بالمكملة لثورة 25 يناير، وأن جماعة الإخوان تعمل لمصالحها الشخصية. وقد كتب على صفحته الرسمية على الفيس بوك بالتزامن مع أحداث فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013 ليؤكد أنه لم يساند الإخوان في الاعتصام، ولكنه ضد سفك دماء المصريين. وفي فبراير 2014، ظهر نادر تلفزيونيًّا في أحد البرامج ليصف أي مؤيد للرئيس مرسي بأنه منتمي لجماعة الإخوان المسلمين.

وبالرغم من هتاف نادر السيد في ميدان التحرير في فبراير 2012 “يسقط حكم العسكر” إلا أنه في يوليو 2013 أيد قرارات عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع حينها بعزل مرسي قائلًا إن تلك القرارات كان يجب أن تتخذ من عام، وأنه يرى أن ذلك يعيد الجيش إلى مكانه الصحيح بحماية البلاد وليس إدارتها.

6- محمد بركات وتأييده لشفيق


لم ينجُ بركات بتاريخه الكروي الطويل من الوقوع في فخ التصريح بالآراء السياسية، فكان بركات من مؤيدي الفريق أحمد شفيق أحد رجال نظام مبارك في أول انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير، حتى أن بركات ذهب في زيارة شفيق في منزله قبل إعلان نتائج التصويت بساعات مؤيدًا وداعمًا له، مما جعل العديد من رموز الثورة وجماهير اللاعب ومحبيه ينتقدونه رغم انتصاراته الكروية وإنجازاته في الملاعب داخل وخارج مصر.

 

7- سيد عبد الحفيظ وتصويره في رابعة


لاعب النادي الأهلي ومدير الكرة في النادي كانت له تصريحاته ومواقفه أيضًا، فبعد أن التقطت له صور وهو في ميدان رابعة العدوية ظهر في أحد البرامج التلفزيونية  في نوفمبر 2013 ليفسر المناسبات التي التقطت فيها تلك الصور، بأن منزله في شارع مكرم عبيد بالقرب من الميدان والتقطت له الصورة وهو متوجه للمسجد في الميدان لأداء الصلاة، نافيًا ما يتردد على لسان الكثيرين بأنه أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين.


وفي أزمة عبد الظاهر لاعب الأهلي الذي رفع شعار رابعة على أرض الملعب، قرر عبد الحفيظ بصفته مديرًا للكرة بالنادي تحويل عبد الظاهر للتحقيق معه في الواقعة، واستنكر عبد الحفيظ ما قام به اللاعب، مناشدًا كل اللاعبين بالاحتفاظ برأيهم السياسي لأنفسهم وعدم التصريح به إعلاميًّا.

8- الميرغني وتجميد لعبه بسبب «بوست» على الفيس بوك


هكذا كان سبب تجميد مشاركة اللاعب أحمد الميرغني: “بوست” على صفحة اللاعب على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، هاجم فيه الميرغني الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، متهمًا إياه بـ”الفشل”، ومحملًا إياه مسئولية دماء الجنود في سيناء.

حيث أصدر مجلس إدارة نادي وادي دجلة برئاسة الناقد الرياضي حسن المستكاوي قرارًا عقب كتابة اللاعب لهذا “البوست” بتجميد الميرغني بشكل رسمي بدعوى خروجه عن النص. حيث أكد النادي في تصريحات مختلفة لمسئوليه أنهم يرفضون خلط الرياضة بالسياسة، وأن نادي دجلة ينظر للمصلحة العامة، وأن هذا التوقيت لا يتطلب إلا الدعاء لجنود مصر الأبرياء.

ليحاول اللاعب تبرئة نفسه من الانتماء لأي تيار سياسي وذلك بظهوره في أحد البرامج مؤكدًا أن كتابته لهذا الكلام كان تحت وطأة القلق والحزن على جنودنا الذين قتلوا في سيناء، ونافيًا انتماءه لأي جهة سياسية، ومؤكدًا على حبه وتقديره للجيش المصري. لتوجه له في حلقة ببرنامج المذيع المصري وائل الإبراشي الكثير من الاتهامات ممن يُحسبون على النظام المصري، ومنهم مرتضى منصور والذي سب اللاعب سبابًا عنصريًّا.

الأمر الذي دفع الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي للتضامن مع الميرغني عبر هاش تاج “#ادعم_الميرغني”.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد