هل تساءلتم يومًا لماذا نرتدي ملابس بعينها في مناسبات معينة؟ أو لماذا يجد الكثير لونًا كالأحمر مثلًا، أو خامة بعينها كالحرير، مثيرة للاهتمام وحتى الإغواء أكثر من غيرها؟

إذا كنتم قد فكرتم في ذلك الأمر من قبل فإن هذا الموضوع ربما يجيب عن بعض أسئلتكم تلك، وإذا لم تكونوا فكرتم فيه – بوصفها عادات – فإنه على الأقل قد يثير اهتمامكم للمعرفة أكثر حول الأمر؛ إذ سنمر على محطات مختلفة في تاريخ البشرية وتعاملها مع الملابس وخاماتها، بدءًا من التقديس والاستخدام الطقسي، ووصولًا إلى غرف النوم المغلقة، رحلة طويلة خاضتها الملابس معنا وما زالت تخوضها لليوم في مقابلات العمل، وفي أحزاننا، وحتى في تمييز المجتمعات لنفسها عن غيرها، سنتعرف إليها أكثر.

الكتان في الحضارة المصرية القديمة

كانت الحضارة المصرية القديمة ذات أبعاد رمزية في الكثير من جوانبها، حتى إن استخدامهم للكتان لم يكن فقط لكونه نوع القماش المتوفر والأكثر شعبية، إنما حملوه دلالات دينية وأبعادًا طقسية. اشتهرت مصر القديمة بإنتاج الكتان ذي الجودة العالية وبكميات كبيرة بين بلدان ما يُعرف بالشرق الأدني القديم (مصر- سوريا- العراق- إيران- تركيا).

كان المصريون القدماء يعتمدون على الأقمشة بمختلف أنواعها في كافة مناحي الحياة تقريبًا، بدءًا من الأسرة في غرف النوم، مرورًا بأشرعة المراكب النيلية وحتى فخاخ صيد الحيوانات، ورغم أنهم قد عرفوا أنواعًا مختلفة من الأقمشة مثل صوف الخراف والماعز، فإن الكتان كان هو المادة الخام المنتشرة والسائدة لإنتاج الملابس، وقد عُرف الكتان منذ عصر المملكتين القديمة حوالي (2686– 2181 ق. م )، والوسطى حوالي (2040- 1782 ق. م)، واستمروا في استخدامه حتى عصر المملكة الحديثة حوالي (1570-1069 ق. م).

على سبيل المثال لا الحصر، يُظهر أحد المناظر على حائط مقبرة «أورارنا»، وهي مقبرة تعود لعصر المملكة الوسطى وتحمل رقم 25 في منطقة الشيخ سعيد- محافظة المنيا الحالية، مصر، يُظهر المنظر أحد العمال وهو يجمع بذور الكتان من المخازن، كما يظهر مشهدًا آخر من المقبرة نفسها، الفلاحين وهم يحصدون أحد المحاصيل.

(حصد الكتان- المصدر ويكيميديا)

تمحورت أهمية استخدام الكتان في البيئة المصرية حول جوانب شعائرية ذات قداسة دينية، أدت إلى استخدام هذا النبات بكثرة نظرًا إلى الأهمية التي احتلها في الحياة اليومية للمصريين القدماء. عن ذلك، ترك لنا المصريون القدماء ما يشبه الكتالوج المصور – إن جاز التعبير – عن رحلة الروح في العالم الآخر، أسماه علماء المصريات الأجانب بـ«كتاب الموتى» بينما أطلق عليه القدماء كتاب «الخروج في النهار»، وربما تخبرنا دلالة التسمية عن رؤيتهم للعالم الآخر.

يروي لنا هذا الكتاب أن الكتان هو القماش المستخدم مثل مفارش لموائد تقديم القرابين للآلهة، وقد عرف المصريون القدماء إنتاج الكتان أحمر اللون بشكل خاص، حتى كانوا يلحقون بالمعابد غرفًا خاصة لنسجه وإنتاجه، وقد أسموه «insy»؛ إذ يخبرنا كتاب الموتى عما يشبه الأنوال الخاصة بإنتاج هذا الكتان في العالم الآخر بالاسم نفسه، كما ارتبط به عدد من الآلهة المصرية القديمة، مثل «سخمت- باستت- رع»، والتي لقبوها بـ«سيدة الكتان الأحمر» وكذلك ارتبط بآلهة أخرى ذات ثقل وأهمية في مجمع الآلهة المصري القديم، مثل «نيت» و«سخمت» وأخيرًا «رع». استخدم المصريون الكتان أزرق اللون أيضًا بوصفه قرابين يقدمها الأفراد للآلهة – ربما لشعبيته – كما كان أثرياء القوم يوزعونه على العمال نوعًا من أنواع المكافأة.

إن من يلقي نظرة خاطفة على حضارة مصر القديمة يدرك كيف كانوا يقدسون الحياة الأخرى، ربما حتى أكثر من حياتهم الدنيا، وانطلاقًا من إيمانهم بأن الروح حين تعود لا بد لها أن تتعرف إلى جسد صاحبها، اهتموا أشد الاهتمام بصيانة الجسد وحفظه بعد الموت، وأنشأوا «علومًا لعصرهم» فيما نعرفه اليوم بعملية التحنيط، التي لم نحط إحاطة تامة بكل مراحلها، لعدم درايتنا الكافية بأسماء بعض المواد المستخدمة، إنها مدونة بالفعل لكننا لا نعرف على وجه الدقة ماهيتها في عصرنا الحالي.

وحتى تعرف الروح جسدها لا بد أن يحفظ الجسد بشكل جيد وكامل، فلم يجدوا أمتن ولا أكثر كفاءة وقداسة بالنسبة لهم من الكتان حتى يستخدموه لفائف للمومياوات، وهل هناك ما هو أفضل وأكثر قيمة من الكتان الذي يستخدمه الآلهة مفارش لقرابينهم الإلهية، بحسب معتقدهم؟

«الجلد».. بين الإثارة والتمرد

نعرف جميعًا الجلد والمنتجات الجلدية، ونستطيع ببعض الجهد التفرقة بين الجلد الطبيعي وغير الطبيعي ببعض الحيل التي تعلمناها منذ الصغر محاولة إشعال النار فيه – بما أن الجلد الطبيعي لا يفترض به الاحتراق والتفحم سريعًا، لكن هل يوجد جانب آخر للجلد؟ تعد الحضارة السومرية من أقدم الحضارات التي عرفت استخدام الجلد، وتلتها الحضارة المصرية القديمة التي عرفت استخدام الجلد لأغراض مختلفة طوال تاريخها.

أما أقدم القطع الباقية الدالة على استخدام الجلد فقد وجدت في دولة أرمينيا ممثلة في حذاء جلدي يعود لحوالي 3500 سنة ق.م، ثم تلتها منطقة سيبريا الروسية بحذاء جلدي يعودي لحوالي 2300 سنة ق. م.

لهذا تأثرت الثقافة الأمريكية بـ«الجلود»

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي عرفت فيها أوروبا أهمية استخدام الدراجات النارية، وقدرتها على حسم المعارك، حتى إن الألمان استخدموا فيالق من الدراجات النارية في احتلال أثينا، فيما عُرف بمعركة اليونان أو عملية «ماريتا» ومثل كل الأشياء التي يتعلمها الإنسان من الحرب، أصبحت الدراجات النارية سائدة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية فيما بعد، وقد ارتدى سائقوها المعاطف الجلدية لتحميهم من مقاومة الهواء الشديد لهم أثناء القيادة، ومن هذا الغرض النفعي المباشر تطورت علاقة الثقافة الأمريكية ككل بالجلود بشكل عام.

في الفترة من 3- 6 يوليو (تموز) 1947 وقعت في مدينة هوليستر بولاية كاليفورنيا الأمريكية ما يُعرف بـ«أحداث شغب هوليستر» أو «احتلال هوليستر»، إذ اجتمعت حينها مجموعة ضخمة من راكبي الدراجات النارية في هذه البلدة الصغيرة التي لم يتعد عدد سكانها 5 آلاف نسمة – آنذاك – من أجل حدث سنوي تنظمه الجمعية الأمريكية لسائقي الدراجات النارية.

لم تكن هناك أي مشكلات، لكن تدفق الأعداد الهائلة من المتسابقين وكذلك هواة الدراجات النارية إلى البلدة الصغيرة قد فاق طاقتها الاستيعابية وحتى قدرة شرطتها على حفظ الأمن، مما أدى إلى حدوث أعمال شغب.

كان هناك الكثير من زجاجات الجعة الملقاة في شوارع المدينة بجانب الواجهات المهشمة للمتاجر، كما تركت التغطية الإعلامية لتلك الأحداث والتي استمرت لثلاثة أيام، انطباعًا كبيرًا من الخوف لدى الجماهير حول الأمر، وحملت صورة غلاف مجلة «Life» الأمريكية الشهيرة وقتها صورة أحد راكبي الدراجات النارية وبجواره الكثير من زجاجات الجعة المهشمة والفوضى تملأ المكان.

(الصورة الشهيرة لراكب الدراجة النارية- المصدر ويكيبيديا)

يجري التأريخ لهذه الحادثة بوصفها حجر الأساس في السمعة التي لحقت بقائدي الدراجات النارية ذوي الملابس الجلدية السوداء بالولايات المتحدة الأمريكية كلها ومن ثم باقي العالم الغربي، وربما من هذه الحادثة بالتحديد ولدت أسطورة ارتباط الجلد أو الملابس الجلدية بما يسميه الأمريكيون «Bad boy» أو الشاب المشاغب، كما أضفت عليه هوليوود فيما بعد صفة «الجذاب» أيضًا في فيلم أنتج في عام 1953 وقام ببطولته الممثل الأمريكي الشهير، مارلون براندو، اسمه «The Wild One»، حينها أضفت هوليوود طابع الإثارة والمغامرة على ذلك المشاغب الذي يرتدي معطفًا جلديًّا أسود ويقود دراجة نارية لمسافات طويلة مع مجموعة من أصدقائه بلا هدف.

ماذا يخبرنا العلم عن علاقة الملابس الجلدية بـ«الجنس» عمومًا و«السادية» خصوصًا؟

كتبت عالمة الاجتماع، ميريديث جي إف ورثن، مؤلفة كتاب «الانحراف الجنسي والمجتمع»، أن مجتمع الملابس الجلدية ظهر لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما واجه الجنود بعد عودتهم من الحرب صعوبة في الاندماج مرة أخرى داخل المجتمع السائد. بالنسبة للعديد من هؤلاء الرجال، سمحت لهم خدمتهم العسكرية باستكشاف الرغبة الجنسية المثلية لأول مرة، بحسبها.

عندما انتهت الحرب، تركت لديهم فراغًا سببه غياب العلاقات الجنسية المثلية والصداقات من الجنس نفسه، ولتعويض ذلك، تستطرد ورثن: «وجد الكثيرون ملاذًا في مجتمعات الدراجات النارية حيث كانت الملابس الجلدية شائعة».

مجتمع

منذ 3 سنوات
في فهم السادية.. رحلة في عقل «الماركيز دي ساد»

كان الرجال الذين ركبوا هذه الدراجات «رموزًا للرجولة» – إذا جاز التعبير – ويستحضرون صورة التمرد الخطير التي كانت تغري العديد من الرجال المثليين الذين سئموا من رؤية أنفسهم مصورين على أنهم «مخنثين»، بحسبها. ومن هنا بدأت رمزية الجلد الجنسية وسط ما يعرف بمجتمعات المثليين الأمريكيين، لكنها سرعان ما انتقلت إلى الممارسات الجنسية بشكل عام ولم تعد حكرًا عليهم.

يُعتقد أن الاستخدامات العسكرية للجلد في الحروب والمعارك، هي السبب وراء أهمية استخدام الجلود في الممارسات الجنسية التي تركز على السيطرة والسادية والمازوخية. وقد اشتهر الفنان والمخرج الأمريكي آندي وارهول باستخدام الملابس الجلدية، مثل السترة الجلدية، أداة للظهور أكثر ذكورية في الفترة من الخمسينيات إلى الستينيات. سعى وارهول لتحويل أسلوبه الشخصي إلى تقديم شخصية تشتمل على نسق أكثر ذكورية وجاذبية يمكن الاحتذاء بها في المجتمع الأمريكي.

(آندي وارهول – المصدر تصوير Paul lovelace photography)

هناك أغراض نفعية للجلد أيضًا، فهو مادة مرنة وقابلة لاستخدامات متعددة، كما أنه متين ولا يسهل إفساده، حلل البعض رمزية استخدام الجلود في الممارسات السادية بأنه بمثابة الجلد الآخر الذي يرتديه الشخص رغبةً منه في التخفي، وأن يصبح إنسانًا مختلفًا غير هذا الشخص التقليدي الذي يكونه في حياته اليومية، وذلك رغبةً في التحرر من النفس ولو لبعض الوقت.

أخيرًا، هناك تحليل آخر لإغواء استخدام الملابس الجلدية في الممارسات الجنسية قد يعود لعملية استخراج الجلود نفسها، فالجلود عادة ما تُستخرج بطرق غير رحيمة من الحيوانات، طرق يتمثل فيها الألم والمعاناة، وربما تكون هذه الطرق المؤلمة تذكير بسطوة الإنسان على كائنات أضعف منه، وهو ما يأخذنا مباشرة لعلاقة السيد والعبد التي تسود الممارسات السادية والمازوخية، وليس أدل على ذلك من شهرة «جلد النمر» في صيحات الملابس النسائية التي تعد «مغرية».

«الحرير».. لهذا يُعرف بقماش الملوك

لنعرف لماذا كان الحرير قماش الملوك، علينا أن نعرف أولًا طريقة صنعه المتفانية والبطيئة، فكثيرًا ما أضفى البشر أهمية معنوية، وبالتالي مادية على الأشياء وفقًا لعملية صنعها، كما تقدم في عملية استخراج الجلود الطبيعية.

يعود تاريخ الحرير إلى آلاف السنين وبالتحديد حوالى 8500 سنة قبل الميلاد بمنطقة جياهو الصينية، وهي موقع يعود للعصر الحجري الحديث، حسب اكتشاف أثري حديث نشرت نتائجه في دراسة علمية في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2016 لمجموعة من الباحثين الصينين، عن وجود بقايا لدلائل حيوية للحرير في هياكل عظمية تعود لحوالي 9 آلاف سنة قبل الميلاد. ولا يزال الحرير يحظى بتقدير كبير حتى يومنا هذا بصفته أحد أكثر الأقمشة قيمة. وبعد كل هذه السنوات، لم يتغير الكثير في طريقة إنتاجه.

على الرغم من التقدم في تقنيات طرق الإنتاج، لا يزال إنتاج الحرير عملية تحتاج إلى عمالة كثيفة وتنطوي على الكثير من العمل الشاق، وبينما توجد الآن مجموعة كبيرة ومتنوعة من أنواع الحشرات المختلفة المستخدمة في إنتاج الحرير، فإن الأنواع الأكثر شيوعًا هي يرقات «Bombyx mori» –  المعروفة بـ(دودة القز). تنتج ديدان القز المذهلة هذه واحدة من أكثر المواد المرغوبة للغاية ويحتوي منتجها على عدد كبير من الخصائص الممتازة.

تضع أنثى دودة القز حوالي 300 إلى 500 بيضة في المرة الواحدة، تتغذى ديدان القز باستمرار على كمية كبيرة من أوراق التوت لزيادة النمو. يستغرق الأمر حوالي ستة أسابيع لتنمو إلى أقصى إمكاناتها (حوالي 7.5 سم). حينها تتوقف الديدان عن الأكل وتبدأ في رفع رؤوسها وهو الوقت عينه الذي تكون مستعدة فيه لتدوير شرنقتها.

تبدأ دودة القز المحاطة بسياج آمن، في غزل شرنقتها الحريرية من خلال تدوير جسمها في حركة على شكل رقم 8 حوالي 300 ألف مرة – وهي عملية مرهقة تستغرق حوالي ثلاثة إلى ثمانية أيام. تنتج كل دودة قز خيطًا واحدًا فقط من الحرير، يبلغ طوله حوالي 100 متر ويجري تثبيت الخيوط معًا بواسطة نوع من العلكة الطبيعية، يسمى سيريسين.

بمجرد أن تغزل ديدان القز شرنقتها، فإنها ستحصر نفسها بداخلها في النهاية، وهو الوقت المناسب لاستخراج خيوط الحرير. توضع الشرانق في الماء المغلي من أجل تليين وإذابة العلكة التي تمسك الشرنقة معًا. هذه خطوة حاسمة في عملية إنتاج الحرير لأنها تضمن عدم حدوث أي ضرر لسلامة كل خيط.

حينها يُلف كل خيط خارج من الشرنقة بعناية فائقة في خيوط طويلة فردية، ومن ثم يجري لفهم على بكرٍ. قد يظل تأثير بعض من علكة السيريسين في الخيوط لحماية الألياف أثناء المعالجة، ولكن غالبًا ما تُغسل بالماء المغلي والصابون لاحقًا.

كانت عجلة الغزل التقليدية دائمًا، جزءًا لا يتجزأ من عملية إنتاج الحرير. على الرغم من أن المصانع الحديثة قد أصبحت الآن قادرة على غزل خيوط الحرير أسرع، فإنها تحاكي ببساطة وظائف عجلة الغزل التقليدية.

وفي النهاية تتم عملية الغزل والنسيج والصباغة حسب التفضيلات المرغوبة وأحدث الصيحات العالمية. هذه العملية شبه اليدوية التي لم تتغير كثيرًا كما أسلفنا، هي السبب عينه الذي جعل من الحرير بضاعة غالية الثمن ومرغوبة من الملوك والأثرياء على مدار التاريخ.

ولأن الشىء بالشىء يذكر، فلطالما كان هناك اهتمام بابتكار طرق لإنتاج حرير أقوى وأكثر مرونة من تلك التي تنتجها دودة القز أو طرق تربية دودة القز التقليدية. تضمنت إحدى المحاولات إدخال جينات حرير العنكبوت في جينوم دودة القز. يُعرف حرير العنكبوت بقوته ومرونته الملحوظة، ولكن لا يمكن إنتاجه بكميات كبيرة عن طريق تربية العناكب.

ليس هناك أدل على قيمة الحرير التاريخية والمادية بالنسبة للأوربيين والغربيين، من أنهم قد أطلقوا اسم «طريق الحرير» على الطريق المؤدي إلى الصين، موطن إنتاج الحرير الطبيعي الفاخر، الذي طالما داعب ملمسه خيالهم ورغباتهم فى التأنق والإغواء.

(صناعة الحرير في الصين – المصدر Chinasage)

ومحطات هذا الطريق الطويل الذي يبلغ طوله حوالي 6.450 كم سافر خلالها المستكشف الإيطالي ماركو بولو (1254- 1324 م) ووصفها بعمق في عمله الشهير، ولكن لم يُنسب إليه الفضل في تسميتها. حيث صاغ كل من المصطلحين التعريفيين لهذه الشبكة من الطرق، الجغرافي والرحالة الألماني، فرديناند فون ريشتهوفن، في عام 1877م، والذي أطلق عليهما اسم «Seidenstrasse» (طريق الحرير) أو «Seidenstrassen» (طرق الحرير).

هل يفضل الإنسان المعاصر «الراحة» أم «الإغراء»؟

إن الملابس القطنية سواء الداخلية أو المنزلية أو للخروج؛ عادةً ما ينظر إليها على أنها ليست ملابس مثيرة للغرائز، وكل امرأة تعرف الفرق بين شراء ملابسها الداخلية قبل أن يكون لها شريك وبعد أن يكون لديها شريك. ربما يعود سبب ذلك في ذهن البشر، لأن الأقطان صحية ومريحة؛ فهي – بالتالي – ليست بالضرورة مثيرة، وذلك لما فرضته الدعايات الضخمة التي عادة ما تستبطن عنوان «هل تفضلين أن تشعري بالراحة أم تكوني مثيرة»؟ بالتأكيد نختار حينها أن نكون مثيرين وجذابين.

في دراسة حديثة أجراها أربعة من الباحثين من جامعة ملبورن – أستراليا نشرت في 11 مارس (آذار) 2020، وجد الباحثون أن النساء تشعر بمزيد من الثقة بالنفس عند ارتدائهن ملابس مثيرة وجذابة، قام الباحثون بوضع مجموعة من المتطوعات عددهن 145 امرأة – جرى اختيارهن عشوائيًّا – تحت الاختبار وعرضوا عليهن ملابس مثيرة لكنها لم تكن ملكًا لهن، فضلت المتطوعات ارتداء الملابس المثيرة التى يملكنها كنوع من أنواع الشعور بالأمان، وفي المقابل كن ينفرن من الملابس الغريبة عنهن حتى لو كانت مثيرة وجذابة.

وجد الباحثون أن النساء اللاتي يرتدين ملابس مثيرة كُنَّ أكثر إشارة لشعهورهن بالحزم والثقة، كما أفاد المشاركون الذين ارتدوا ملابس جذابة أيضًا إلى أنهم شعروا بمزيد من القدرة على المغازلة والانفتاح الجنسي، وأفادوا بأن مشاعرهم عن أنفسهم كانت أكثر إيجابية.

وفي تجربة لاحقة أجراها الباحثون على 40 امرأة متطوعة أخرى، جرى سؤالهن عن مدى شعورهن بالحزم والثقة بالنفس وهن يرتدين ملابسهن العادية حينذاك، ثم حددت جلسة أخرى للمجموعة نفسها بعدها بثلاثة أيام لسؤالهن الأسلئة ذاتها ولكن بعد ارتدائهن ملابس جذابة ومثيرة هذه المرة، وجد الباحثون أن ارتداء ملابس جذابة ومثيرة زاد من تأكيد الذات وكذلك زيادة مشاعر الانفتاح للمغازلة والإغراء.

كما أفادت النساء اللاتى سجلن درجات عالية في مرات زيارة صالونات التجميل عن غيرهن إلى أنهن كن أكثر شعورًا بالرغبة والثقة بالنفس بعد ارتدائهن الزي الجذاب المثير. مما سبق يبدو أن الإعلام والحملات الدعائية الضخمة طوال الوقت لمنتجات بعينها، لها تأثير قوي ليس فقط في رغبتنا الشرائية التي قد لا تتوافق مع قدراتنا أحيانًا، لكنها أصبحت أيضًا حاجة ملحة لإنسان العصر الحديث حتى يبدو جذابًا ومثيرًا وواثقًا من نفسه.

تجدر الإشارة إلى أن الهوس الجنسي بالملابس «فيتيش الملابس» – وهو المصطلح الذي صكه سيجموند فرويد – لا يعد خللًا نفسيًّا يستلزم العلاج بحسب علماء النفس ما دام يمارس في إطار المعقول ولا يؤثر سلبًا في حياة الشخص العملية أو الاجتماعية أو الشخصية، بخلقه الحاجة الملحة لممارسته طوال الوقت.

خلال هذه الرحلة القصيرة التي تناولت موادًا وخامات بعينها يستخدمها الإنسان للملابس ولأغراض أخرى كذلك، نستطيع التماس تطور أفكار البشر واختلافها باختلاف العصور والأزمنة حول أشياء كثيرة، فيما عدا أنهم اتفقوا على أهمية شعورهم بكونهم مثيرين للرغبة والإغراء، هذا الشعور الذي تغذيه وسائل الإعلام في مختلف دول العالم، بتركيزها على أهمية أن نكون «مثيرين».

منوعات

منذ سنتين
منها الهوس بالأقدام.. الدلالات النفسية لأنواع الـ«فيتيش» المختلفة

المصادر

تحميل المزيد