7,009

(1)

في فبراير (شباط) 2015 م، كانت كتيبة 371 مشاة ميكانيكي، المتمركزة في مارينبرج، تشترك في تدريبٍ لحلف الناتو في النرويج. انتشرت الأنباء سريعًا عن أن الكتيبة، وهي جزء من قوة التدخل السريع التابعة للحلف، عانت من نقصٍ في المسدسات ونظارات الرؤية الليلية. أدى نقصٌ في البندقيات الآلية إم جي 3  (MG3) إلى أن تُدهن بعض العصي باللون الأسود وإدخالها الخدمة لمحاكاة البندقيات.

كشفت تقارير فيما بعد عن أن الوضع كان أسوأ من ذلك: كان على كتيبة 371 مشاة ميكانيكي استعارة 14.371 قطعة من المعدات من إجمالي 56 ألف وحدة أخرى من البوندسڨير، ورغم ذلك ظل ينقصها معدات.

إذا كانت وحدة تابعة للناتو مكلفة بمهمة ذات أولوية عالية ينقصها أكثر من 14.000 قطعة من المعدات، فإن ذلك يلقي بظلالٍ من الشك حول مدى عمق النخر في الجيش الألماني (البوندسڨير)، والتزام ألمانيا نحو الحلف.

(2)

في العام 1945م كانت أربعة جيوش كبيرة على أطراف برلين، الجيش الأحمر على حدودها الشرقية بينما الحليفين الأنجلو-أمريكي ومعهم فرنسا على حدودها الغربية، عُرفت عملية قصف العاصمة النازية بوصفها أكبر عملية قصفٍ جماعيٍ عرفها التاريخ، وقُدرت القذائف بنحو مليوني قذيفة، خربت 90% من بُنى المدينة التحتية.

كان الألمان على وعي كامل بأي الأعداء أشد وطأة وأكثر بأسًا عليهم إذا ما ولغ المدينة، ولذلك تمترسوا بقوة على الحدود الشرقية، لم يريدوا للجيش السوفيتي أن يتمكن من رقابهم، فهم على علم تام بما فعله جيشهم النازي في ستالينغراد، حيث قتل من السوفييت ما يقارب المليوني نسمة.

كانت ستالينغراد بداية النهاية للجيش النازي، إذ أراد من خلالها شطر الاتحاد السوفيتي لنصفين لتعبيد الطريق أمامه إلى القوقاز الغني بالنفط والمناطق السوفيتية الجنوبية الصناعية، لكن عزيمة الروح فاقت عزيمة السلاح الهتلري، ودعايا النازية لم تُفلح في اقتلاع المقاومة من نفوس السوفييت، وانتهت بها أسطورة الفيرماخت الذي لا يُهزم.

الخوف يدفعهم لتقليم أظافر الجيش الأقوى في أوروبا

فُرضت على ألمانيا بُعيد الحربين الأولى والثانية قيود صارمة لئلا تتوحش مرة أخرى، لكن الحقد الذي ملأ قلوب الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، جعلهم ينتقمون ويُذيقون العالم ويلات الحروب مرة أخرى، مما نبّه العقل الأمريكي لضرورة تبني سياسات الاحتواء بديلًا، فكانت خطة مارشال.

الجيش الألماني

دفعهم لهذا المسلك الاحتوائي للألمان الظرف العالمي القاسي في ظل الحرب الباردة، وكما كانت أمراض الفقر والبطالة والتخلف الاجتماعي سببًا كافيًا لانتشار الشيوعية في بلدان العالم بعد الحرب من وجهة النظر الأمريكية، حرصت الولايات المتحدة على إظهار الكرم لدول غرب أوروبا لتكون حائط الصد في وجه الشيوعية السوفيتية، واقتضت الخطة دعم السوق الأوروبية بنحو 13 مليار دولار، ذهبت جميعها في مجالات الصناعة والتجارة وعادت على الولايات المتحدة بالنفع الكبير، بفتح سوق جديدة لمنتجاتها، وكذلك ضمان الولاء الأوروبي (التائه) بعد الحرب المدمرة.

بقيت ألمانيا في السنوات التالية للحرب بلا جيش إلا من بعض العناصر الرمزية لحماية الحدود، حتى سمح الحلفاء بتسليحها وتأسس جيشها في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1955، أي بعد قرابة العشر سنوات من الحرب العالمية الثانية، وكان الإعلان عنه مثيرًا للجدل في الأوساط الأوروبية، كيف يكون لألمانيا جيش نظامي بعد هذه الحقبة الدموية من حياة أوروبا؟

كان الجيش الألماني قبيل الاتحاد (1990) يبلغ قوامه 495 ألف مقاتل ونصف مليون من جنود الاحتياط، إلا أن اتفاقية 4+2 (اتفاقية الاتحاد بين الألمانيتين والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وكل من فرنسا وبريطانيا) اشترطت ألا يزيد قوام الجيش الاتحادي الألماني عن 370 ألف جندي مقاتل وهو ما يزال محل التزام إلى اليوم.

الجيش الديمقراطي بديلًا

تخشى أوروبا أن تدور الدائرة الألمانية عليهم ثانيةً لذلك حرّموا على ألمانيا أن تحمل السلاح، لكنهم في المقابل لن يتحملوا عنها عبء الحماية؟ إذن ليسبق الشرط الأوروبي بناء الجيش الألماني، فكيف تحقق ذلك؟

الجيش الألماني

فككت ألمانيا الاتحادية جيش ألمانيا الشرقية وأحالت جنرالاته للتقاعد، خشية أن يتوغل الشيوعيون والموالون لهم في قيادة ألمانيا، وكان الجيش الشرقي قوامه 90 ألفًا لم يُدمج منهم سوى قرابة الـ 20 ألف، بعد فحصٍ دقيقٍ لأوراقهم، وتخلصت الحكومة الألمانية من النصيب الأكبر من أسلحة وذخائر الجيش الشرقي إما بإعدامها أو ببيعها لدول صديقة كتركيا وإندونيسيا، وكانت هذه أولى خطوات التهذيب التي أقرتها الدولة الألمانية الجديدة على جيشها الوليد، تزامنًا مع التقليص التدريجي لتعداد الجيش الاتحادي ونفقاته عملًا باتفاقية الاتحاد سالفة الذكر.

في العام 1994م طلب الحلفاء في أوروبا من ألمانيا الاتحادية الانخراط معهم في عمليات تدعيم السلام في مناطق العالم المختلفة، وهنا أضفت المحكمة الدستورية الألمانية شرعيتها على أي تدخل خارجي للجيش ضمانةً لئلا يتغوّل، بعدما كان الدستور يمنعه من المشاركات الخارجية، بشرط ألا تكون خارج إطار المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وحلف الناتو، وأن تسبق موافقة البرلمان تحركات الجيش، وبهذا صارت الديمقراطية الألمانية نفسها حارسًا على الجيش، لكن لم يكن التشريع وحده العائق أمام المشاركات الألمانية، فانعدام الجاهزية كان التحدي الأكبر، ولعل المشاركة الألمانية في أفغانستان كانت دليلًا على ذلك.

بدأ البوندسڨير في إرسال قوات إلى أفغانستان، وهناك اكتُشف أن البندقية (جي 36) تفقد دقة التصويب أثناء القتال. أصبحت بنادق جي 36 غير دقيقة بعد إطلاق النار المستمر – وهي مشكلة لم تكن واضحة للجيشٍ في وقت السلم – لكن ما يزال من الصعب تفهم كيف لم يُلاحظ ذلك الخلل في وقتٍ أقرب، وبعد الاعتراف بأن البندقية غير دقيقة، أعلنت وزيرة الدفاع، أورسولا فون دير لاين، أن البندقية ليس لها مستقبل في البوندسڨير، في الحقيقة كان غياب التطوير والصيانة بحق الأسلحة لأسباب تعلقت بالتمويل العسكري الهزيل.

بالأرقام.. كيف تحول الجيش الألماني إلى جيش ضعيف؟

«كل ما نريده بتأسيس حلف شمال الأطلسي هو أن نُبقي روسيا خارجًا والولايات المتحدة شريكًا بينما ألمانيا عليها أن تبقى أسفل السلم العسكري الأوروبي»، كان هذا تصريحًا لهاستينغز إسماي، الأمين العام الأول لحلف الناتو (1952 -1857).

وعليه جرى تقليص موازنة الدفاع الألمانية سنويًا بشكل منتظم، حتى أنها انكمشت من 3.2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي الألماني لعام 1983 لـ 1.2 بالمائة لناتج عام 2014، ما أثّر سلبًا على إعداد الجيش، ليصير في الأخير غير قادر على مجابهة التحديات الإقليمية والمشاركة في البعثات الأجنبية بشكل فعال، ما استدعى مؤخرًا تعاطف السيد يانوش أونيشكيفيتش، وزير الدفاع البولندي الأسبق، والذي قال: «لقرون ظل قلقنا الأكبر أن يكون للجار الألماني جيشٌ قوي، أما اليوم فإن أكثر ما يخيفنا هو الضعف العسكري الألماني، ونخشى من اليوم الذي يُقال فيه إن ألمانيا لا تتحمل مسؤولياتها بجدية تجاه الحلفاء في الناتو».

والحقيقة أن كلام الوزير البولندي لا يجانب الصواب إذا ما قورن بشهادات ضباط الجيش الألماني أنفسهم، ففي شهادة لثلاثة مفتشين تابعين للجيش أمام لجنة الدفاع في البوندستاج (البرلمان الألماني)، في سبتمبر (أيلول) للعام 2015، تأكد أن هناك 42 طائرة مقاتلة ألمانية فقط من أصل 109 كانوا في حالة جاهزية إبان التفتيش، وكذلك كانت عشر مروحيات هجومية من أصل إحدى وثلاثين، وكانت كذلك ثلاث طائرات هليكوبتر فقط من طراز (سي كينج الـ 21)، وأربع من مروحياتها من طراز (سي لينكس الـ 22)، و 16 من طائراتها الهليكوبتر المخصصة للنقل الـ 83.

كشف تقرير المفتشين أمام البوندستاج عوارًا كبيرًا في قدرات الجيش الألماني غير الملائمة لأكبر اقتصاد أوروبي، وهذا العوار يعود بالأساس لغياب التطوير، فالجيش الألماني يمتلك ترسانة أسلحة فتاكة مقارنةً بغيره من الجيوش، لكنها تحتاج للتطوير وتلافي ما بها من نقص، والصيانة الدورية.

صحيح أن أغلب حلفاء الناتو الكبار خفضوا تدريجيًا من نفقاتهم العسكرية لكن ليس بالانخفاض القاسي الذي التزمت به ألمانيا مع انتهاء الحرب الباردة (فرنسا من 6 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي لـ 1980 لـ 3.5 بالمائة من الناتج الإجمالي لعام 2014، وكذلك الولايات المتحدة، وبريطانيا، غير أن بريطانيا يتكلف مشروعها النووي حسابًا ضخمًا نوعًا ما.

كيف تسعى ألمانيا الآن لبناء جيش قوي؟

صافرات إنذار تدوي لإثارة انتباه ألمانيا بأن عليها إعادة التموضع العسكري من جديد، وأن يتناسب الدور الذي تلعبه مع حجمها الحالي، ففي الوقت الذي كانت ألمانيا صاحبة الاقتصاد الأقوى أوروبيًا تخفض إنفاقها العسكري، كانت روسيا تزيد (على ما بها من عجز اقتصادي) نفقاتها العسكرية، وكان احتلالها للقرم ولعبها في سوريا (التي أغرقت أوروبا باللاجئين) جرس إنذار إيذانًا بدورها المتعاظم في ظل رعونة الحلفاء الأوروبيين، ولهذا أوقفت ألمانيا الخفض السنوي في موازنتها العسكرية بدايةً من العام 2015، بل وبدأت منحنى الصعود بزيادة الموازنة العسكرية في 2015 بنحو 8.4 بالمئة، أي ما يعادل 10.4 مليار دولار، ليزيد في العام التالي إلى ما يقارب 6.4 بالمائة، في محاولة ألمانية لإعادة التموضع على الخريطة العسكرية.

كانت القارة الأوروبية معتمدة لحفظ أمنها على مرتكزين، هما فرنسا وبريطانيا، القوتان النوويتان في أوروبا، واليوم صارت بريطانيا خارج الاتحاد باستفتاء أغسطس (آب) 2016 م، لتترك الساحة الأوروبية الأمنية فارغة إلا من الوجود الفرنسي، ولعل المستشارة ميركل تلقّت هزيمة لوبان في انتخابات الرئاسة الفرنسية في مايو (آيار) الماضي بكثير من التفاؤل بأن ثمة فرصة لاستعادة الأمل الأوروبي.

كذلك كان حلف الناتو صمام أمان لأوروبا، وكما ذكرنا فإن الغرض منه على لسان هاستينغز إسماي، الأمين العام الأول لحلف الناتو، أن يُبقي أمريكا حليفًا ومدافعًا عن المصالح الأوروبية، وهو ما يقابل تخوفات كثيرةٍ اليوم، في ظل الإعراض الترامبي وفك الارتباط التاريخي بالحلفاء أيًا كانوا، وفي القلب منهم الأوروبيون. المطالبة الأمريكية الدائمة للحلفاء في الناتو لدفع المزيد ثمنًا لحمايتهم، يشعرهم باستمرار بأنهم مهددون، كذلك الانسحاب الأمريكي من اتفاقية المناخ قبل أيام، لا يرسم في الأذهان إلا صورة الرجل الأمريكي غير الآبه بمصير من دونه.

وهذا الخذلان الأمريكي المتزايد، ظهر تارةً عندما رفض الرئيس السابق أوباما التدخل في سوريا لحل الصراع الذي أغرق أوروبا باللاجئين، وتارة أخرى في تصريحات ومساعي الرئيس الحالي دونالد ترامب غير المهتم بمصائر غير الأمريكيين، وكان الموقف الأمريكي الأخير من اتفاقية باريس للمناخ، المتشكك في جدواها إنذارًا لا يدع للريبة مجالًا في قلوب الأوروبيين من أن الولايات المتحدة لم تعد الشريك المأمون والذي يمكن الاعتماد عليه في أغراض الحماية والسيطرة الإقليمية.

فكان أن صرحت المستشارة الألمانية ميركل، في لقائها برئيس وزراء الصين لي كيشيانغ الشهر الحالي، بأن الصين تجمعها بألمانيا شراكة استراتيجية شاملة، وكان ما يعكر صفو العلاقات الصينية الأوروبية، المنافسات الاقتصادية غير العادلة من وجهة النظر الصينية، والحديث الأوروبي المتكرر عن حقوق الإنسان. في ظل المعطيات الجديدة يبدو أن المستشارة في طريقها لتفعيل شراكات صينية أوروبية واسعة، تعتمد مبدأ احترام مصالح الطرفين، هذه الشراكات من شأنها أن تفتح للصين سوقًا جديدة لطالما حامت حولها، وربما ترفع أوروبا حظر تصدير السلاح للصين، في تحدٍ صريح للمصالح الأمريكية العليا.

هذه الإنذارات وغيرها، تجعل من الضروري لأوروبا أن تعيد ترتيب حساباتها الأمنية بقيادة ألمانيا، وهو ما حاولت المستشارة إثارته، بأن على أوروبا ألا تعتمد على أحد بعد الآن، وعلى ألمانيا وفرنسا أن يأخذا بزمام المبادرة، البعض يعزو حديث المستشارة الجريء للمعركة الانتخابية القادمة وما يمكن للحديث القومي أن يزيد من رصيدها لإعادة الانتخاب، لكن بغض النظر عن هكذا حديث، فإن ألمانيا بات عليها أن تتحسس موطن القوة العسكرية بما يتناسب مع حجمها الاقتصادي.