تعيش حركة فتح الفلسطينية انقسامات كبرى وصراعات داخلية بين جبهتي رئيس السلطة الفلسطينية عباس أبو مازن، والقيادي المفصول من الحركة محمد دحلان بلغت ذروتها باستخدام «أبو مازن» صلاحياته رئيسًا للحركة في فصل عشرات من قيادات الحركة وكوادرها بتهمة التجنّح، وحرمان آخرين من الراتب بتهم الولاء للقيادي المفصول.

الخلافات التي تدور فصولها داخل الحركة التي تنظم مؤتمرها السابع بنهاية الشهر الجاري، يلوح وجهٌ آخر لها بربطها بمساعي عدد من الدول العربية التي ترى في «دحلان» قيادة شابة قادرة على تحقيق مصالحها بتوافق إسرائيلي، وقطع الطرق على حركة حماس من الوصول للسلطة، خصوصًا بعد إظهار استطلاعات الرأي ارتفاع حظوظها، بعد أن بات رجلهم القديم أبو مازن ورقة رهان خاسرة.

قطع الرواتب والحرمان من الوظيفة: أوراق «أبو مازن» لتحجيم سلطات أنصار «دحلان»

في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، سعى الرئيس الفلسطيني لتحجيم نفوذ العناصر الموالية للقيادي المفصول محمد دحلان، إذ صادق على وقف رواتب 528 موظفًا عسكريًا ومدنيًا في قطاع غزة، ممن ورد في التحريات التي تجريها أجهزة السلطة الفلسطينية أنهم على صلة بدحلان، أو حتى كان مشاركًا في مؤتمرات يكون القيادي المفصول أحد محاوره، وذلك في مسعى منه لتوطيد سلطاته على حركة «فتح»، و تصفية أي مراكز قوة تسعى للتحجيم من سلطات أبو مازن.

امتدت القرارات كذلك لتشمل فصل العشرات من قيادات الحركة، بتُهم تتعلَّق بالولاء للقيادي الفلسطيني المفصول، كالنائب «جهاد طمليه» و«نجاة أبو بكر»، بالإضافة للناطق باسم فتح في القدس رأفت عليان وآخرين. ومشاركتهم في اجتماعات دون علم الحركة، كاجتماع مخيم «الأمعري» برام الله، الذي قامت الأجهزة الأمنية بفضه، زاعمة أنه يرتبط بأجندة لها صلة بالقيادي المفصول.

أحد الاجتماعات التي زعمت الحركة كذلك صلتها بدحلان، مؤتمر «عين السخنة» الذي نظمه مركز أبحاث مصري في القاهرة، وثيق الصلة بالأجهزة الأمنية المصرية لبحث مستقبل القضية الفلسطينية، والذي أصدرت بشأنه الحركة قرارات فصل لأعضائها المشاركين فيه.

شملت مساعي أبو مازن لتحجيم نفوذ جبهة دحلان، توسيع صلاحياته رئيسًا للبلاد، كمنحه من جانب المحكمة الدستورية العليا الصلاحية لرفع الحصانة عن أي عضو من أعضاء المجلس التشريعي في غير أدوار انعقاد المجلس، والذي استخدمه لرفع الحصانة عن النائب في المجلس التشريعي «محمد يوسف شاكر دحلان»، وفقًا للأصول والصلاحيات المخولة للرئيس، بموجب القانون.

تزامنت سلسلة هذه القرارات الإقصائية لجبهة دحلان من الحركة، باندلاع مواجهات عنيفة بين محتجين على قرارات الفصل، وأجهزة الأمن التي استخدمت قنابل الغاز الكثيفة لتفريق جموع المتظاهرين، الذين رددوا هتافات تدعو لإسقاط رئيس السلطة محمود عباس. هذه المواجهات مرشحة للتجدد خلال الفترة المقبلة في ظل عدم تراجع أبو مازن عن سلسلة قرارات الفصل، وتجاهله كذلك دعوات القادة المفصولين بتشكيل لجنة لتكون بمثابة الجهة المنصفة التي تعيد القادة والكوادر المفصولين من الحركة، وإنهاء حال التفرد بالقرار.

سعى أبو مازن كذلك لتعزيز سلطاته خارجيًا أمام دعم بعض الدول الخليجية لعودة دحلان، وذلك بزيارة لتركيا لكسب ثقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تلاها زيارة أخرى إلى قطر ولقاؤه برئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ونائب رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، وذلك على خلفية تغيير حماس لهجتها إزاء دحلان، ووصفها له بأنه يمكن أن يكون صاحب خطاب وطني، وذلك بعد أن كان دحلان العدو الأول لحماس.

مؤتمر «فتح» السابع: فلول دحلان خارج أجندة المؤتمر.. وقرارات لتوسيع صلاحيات جبهة أبو مازن

حالة التفكك والصراعات الداخلية التي تعيشها الحركة، يبدو أن انعكاساتها ستطلُّ على مؤتمر حركة فتح السابق، والمقرر له الانعقاد في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري في مدينة رام الله.

وحسب النظام الأساسي للحركة في مادته رقم 43، فالمؤتمر ينعقد في دورة انعقاد عادية مرة كل خمس سنوات بدعوة من اللجنة المركزية، ويجوز تأجيل انعقاده لظروف قاهرة بقرار من المجلس الثوري.

تداعيات الخلافات الكبرى تتجلى في انخفاض عدد المدعوين للمؤتمر السنوي للحركة، والذي سيشارك فيه 1300 من قيادات الحركة وكوادرها، وهو العدد المنخفض إذا ما قورن بعدد آخر مؤتمر للحركة: المؤتمر السادس الذي عقد في بيت لحم في أغسطس (آب) 2009، بمشاركة 2355 شخصًا.

الانخفاض في العدد عزته بعض قيادات الحركة إلى أن غالبية الأسماء الـ1300 التي تضمها القائمة لحضور المؤتمر ستصبّ في التوجه الذي يرغب به الرئيس عباس خلال المؤتمر، في شكلٍ يفتّت أيّ تكتل محتمل لأنصار القياديّ دحلان، يمكن أن يظهر خلال جلسات المؤتمر.

يتجلى كذلك أثر هذه الخلافات على القرارات التي سيخرج بها المؤتمر، والتي يُرجح أنها ستكون محسومة لصالح قيادة فتح الحالية، والتي تميل إلى التخلص من التيّار الآخر (تيّار دحلان)، واستغلال غيابهم في انتخاب الهيئات القيادية، إضافة إلى مناقشة تعديلات عدة ستطرأ على النظام الداخلي للحركة، أهمها تعديل شروط اختيار أعضاء المجلس الثوري في حال وفاة عضو أو شغور المنصب.

بالتوازي مع هذا المؤتمر، يسعى تيار القيادي المفصول دحلان لتنظيم مؤتمر موازٍ لأنصاره، ردًّا على مؤتمر الحركة السابع، في محاولة للحفاظ على نفوذهم، وكسب ثقة أعضاء جدد من الحركة، وتأليب الرأي العام الفلسطيني حيال أبو مازن.

خطة «الرباعية العربية»: دحلان رئيسًا لفلسطين

سعت لجنة تشكلت وراء الأبواب المغلقة بعضوية مصر والأردن والسعودية والامارات، كي تُشكل ورقة ضغط في تحديد هوية رئيس فلسطين المُقبل، من خلال سعيها لطرح اسم دحلان بديلًا لأبو مازن في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

تتجلى هذه الرغبة المستورة في الدفع بدحلان في تحديد اشتراطات بالشروط والمقاييس والمعايير التي تراها اللجنة الرباعية، مُهيأة لمصالح فلسطينية. الشروط التي تعيد المفصولين بزعامة النائب محمد دحلان إلى الحركة الأم، وبين «فتح» في الضفة وحركة «حماس» في قطاع غزة، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.

الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية هي محاولة قوبلت بالرفض والاستهجان من جانب الرئيس الفلسطيني الحالي، الذي أعلن في أكثر من مناسبة رفضه تدخُّل أي دول عربية في القضية الفلسطينية، ومؤكدًا على عدم عودة أي قيادي مفصول.

مساعي الحركة في تغيير القيادة الفلسطينية مرتبطة بتراجع شعبية حركة فتح في أوساط الفلسطينيين، وإظهار استطلاعات الرأي أن الحصَّة الأكبر ستكون من نصيب حركة «حماس» وقوائم المستقلين في الانتخابات المقبلة، وهو الأمر الذي يجد رفضًا واسعًا من هذه الدول المعروفة بمواقفها العدائية حيال جماعات الإسلام السياسي.

حسب عبد الباري عطوان – الكاتب الفلسطيني – «فأي محاولة للدفع بدحلان سيقابلها تمسُّك من جانب عباس بالسلطة، الذي سيجعل من أي محاولة لعزله قضية تدخل خارجي في الشأن الفلسطيني، وسيطلب من تنظيمه والشعب الفلسطيني، الاصطفاف إلى جانبه ودعمه في مواجهة هذا التدخل، ولكن رصيده يظل محدودًا، وحصوله على الدعم ربما يكون موضع شك».

ويضيف عطوان في مقال رأي منشور له بجريدة «الرأي» التي يترأس تحريرها، أن اللجنة الرباعية العربية لا تتحرك بمعزل عن إسرائيل، ودون التنسيق معها، وسمعنا أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي يتحدث عن تغيير القيادة الفلسطينية أكثر من مرة موضحًا أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تغيير رؤوس، وإنما تغيير نهج التعامل مع القضية.

المصادر

تحميل المزيد