في السابع من مارس (آذار) 2016، خرج وزير الداخلية المصري، اللواء مجدي عبد الغفار، في مؤتمر أمام وسائل الإعلام المصرية، للكشف عن المُتهمين في اغتيال النائب العام المصري الراحل هشام بركات، والذي وجه فيه التهمة لجماعة الإخوان المسلمين، وعناصر من حركة المقاومة الإسلامية (حماس). خرجت حينها العديد من الصحف بمانشيتات رئيسية، وملفات، عن حجم الأضرار التي ألحقتها حماس بمصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.

بالتزامن مع تلك الاتهامات عبرت مجموعة من أعضاء المكتب السياسي للحركة (محمود الزهار، وخليل الحيّة، وعماد العلمي، ونزار عوض الله، وموسى أبو مرزوق) معبر رفح، لتنتقل في سيارات تابعة للمخابرات العامة، وتجتمع مع مسؤولين لبحث العلاقات بين الجانبين. أعقب ذلك الاجتماع اتصال هاتفي بين رئيس المخابرات العامة المصرية، خالد فوزي، ورئيس المكتب السياسي بحركة حماس، خالد مشعل.

في ذلك السياق، بدت الزيارة مُفاجئة، كما ترددت أقاويل عن نتائجها سواءً على مصر أو حركة حماس، أو حتى على جماعة الإخوان المسلمين، وبالطبع على منطقة الحدود بين مصر وقطاع غزة المُحاصر، أي شبه جزيرة سيناء.

السعودية.. المفتاح السري في الوساطة

لعبت المملكة العربية السعودية دورًا في الوساطة بين المخابرات المصرية وحركة حماس، وذلك ضمن مساعيها لتوسيع نفوذ تحركاتها في منطقة الشرق الأوسط، وفي سياقٍ سعيها أيضًا إلى توسيع مساحات حركتها تجاه حماس وجماعة الإخوان، كجزء من سياستها الجديدة.

salman-abas.jpg888مسألة وساطة المملكة العربية السعودية لتنظيم هذا اللقاء بين الجانبين، أكدها القيادي في حركة حماس، أحمد يوسف، الذي قال إن تدخلًا  من العاهل السعودي، سلمان بن عبدالعزيز، أسفر عن تنظيم لقاء بين الحركة والمخابرات المصرية، مُتوقعًا أنه قد جرى حديث بين العاهل السعودي، وبين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لتجاوز الأزمة التي حدثت مؤخرًا، بعد اتهام وزارة الداخلية للحركة بالتورط في اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات.

تصريحات قيادي الحركة، تطابقت مع ما قاله أنور عشقي، ضابط المُخابرات السعودي السابق، ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسي والاستراتيجية بجدة، وذلك في تصريحات لـ«ساسة بوست»، عن أنّ المملكة كانت الوسيط في هذا اللقاء بين الطرفين.

وأوضح عشقي أنه خلال زيارة السيسي مُؤخرًا للسعودية، بوجود عدد من زعماء دول عربية وإسلامية، على هامش مناورات رعد الشمال، عجّل العاهل السعودي بضرورة التواصل بين الجانبين (حركة حماس والسلطات المصرية)، وإزالة التوترات بينهما.

«كيف بدأت العلاقات بالتوطد بين حماس والسعودية؟»، يُجيب عشقي عن ذلك قائلًا، إن «العلاقة توطدت في ولاية الملك سلمان، التي كانت مرحلة جديدة ومختلفة في التوجهات الخارجية عن الملك الراحل عبدالله، ثم تلا ذلك قبول طلب زيارة قيادات حماس للمملكة على خلفية تقدير سعودي رسمي لمواقفها حيال الأزمة السورية، وثباتها على مبدئها بخروجها من سوريا، وإدانتها لحملات العنف من قبل النظام، كما أنها (حماس) كان لها موقف جيد في أزمة اليمن بتأييدها الشرعية، والزيارة كانت مجرد جلسة استماع لوجهات النظر فقط».

يرى عشقي، الذي كان مُستشارًا في اللجنة الخاصة بمجلس الوزراء السعودي، أن دور السعودية يندرج تحت سياقٍ أكبر، فبحسب عشقي، «كان الملك عبدالله يُمثل مرحلة التوجه، فيما أن الملك سلمان، يمثل مرحلة أخرى. والسعودية مرت بثلاث مراحل تاريخيًا. المرحلة الأولى مرحلة التأسيس وأبطالها الملك عبدالعزيز والملك فيصل، ومرحلة التمكين والتي تحول فيها الشعب السعودي من الانتماء للقائد إلى الانتماء للنظام، وانتقاله من مرحلة الرعوية السعودية إلى المواطنة السعودية، خلال فترة كل من الملك فهد والملك عبدالله. المرحلة الثالثة في عهد الملك سلمان قائمة على سياسة الاحتواء، وتجميع كافة القوى العربية لمواجهة التحديات الخارجية».

رجوعًا إلى اللقاء بين حماس ومسؤولين في جهاز المخابرات المصرية، كان القيادي بالحركة أحمد يوسف، قد كشف عن كواليس ترتيب اللقاء: «كانت هناك اتصالات من فترة بين موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي بالحركة، ومسؤولين بجهاز المخابرات، كللت باتصال جرى بين رئيس المكتب خالد مشعل، ورئيس المخابرات المصرية اللواء خالد فوزي».

ما وراء الاجتماع

خرجت التصريحات الرسمية لقيادات حركة حماس، عقب الاجتماع المُشترك مع المخابرات المصرية بصورةٍ أقرب إلى الدبلوماسية المُفتقِدَة لأي معلومات متماسكة حول حقيقة ما دار في الاجتماع، من جهة أُخرى لم تُصدر المخابرات المصرية أو رئاسة الجمهورية أي بيان توضيحي أو مُفسر للقاء.

5678584503_c66ab179f7_bما بدا كتجاهل رسمي مصري، لم يكن قاصرًا على الأجهزة الرسمية المصرية بل امتد لكافة وسائل الإعلام المصرية المملوكة للدولة أو الخاصة التي لم تذكر أي خبر عن الاجتماع، بينما كشف مصدر صحافي في إحدى وسائل الإعلام الخاصة، أن «الجميع علم بتفاصيل الاجتماع ودور السعودية في الوساطة بين الجانبين منذ أكثر من أسبوع، لكن هناك تعليمات سيادية بعدم التطرق لهذا الاجتماع سواء بخبر أو تفاصيل».

لكن قياديًّا بالحركة مُتواجد في قطر، رفض ذكر اسمه، كشف لـ«ساسة بوست» عن أبرز ما تضمنه هذا الاجتماع. في البداية أوضح المصدر أن علاقة الحركة بالمخابرات المصرية «علاقة جيدة بامتداد كافة الأنظمة السياسية التي توالت على حكم مصر»، لذا لم يكن من الغريب أن ينعقد هذا اللقاء بين الجانبين، رغم اتهام وزارة الداخلية المصرية. «نحن نعلم أن المخابرات هي صاحبة الكلمة الأولى في علاقتنا مع مصر، لذا كان اللقاء طبيعيًا. نعم انزعجنا من الاتهامات، لكننا كنا نتوقع لقاءً قريبًا مع المخابرات على أي حال»، حسبما قال المصدر.

وفقًا للمصدر القيادي، فإن اللقاء شمل مطلبًا مصريًّا لحماس أن تُعمّق التعاون مع القوات المصرية، لضبط الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء، إلا أن الحركة أكدت صعوبة التنسيق على الأراضي المصرية، وأن دورها سيكون قاصرًا على حماية الحدود بين مصر وقطاع غزة.

هذا، وكانت حماس قد أصدرت بيانًا، عقب اللقاء، تضمن تعهدًا بأن «الحركة لن تسمح بأي حال من الأحوال، أن ينطلق من غزة ما يضر بأمن مصر وشعبها».

هذا المطلب لم يكن الوحيد من الجانب المصري، لكنها قائمة تضمنت أن تقطع الحركة علاقاتها مع حزب الله اللبناني، وأيضًا إيران، بخاصة بعد تصنيف الحزب عربيَا على أنه «منظمة إرهابية»، وأن تعلن الحركة فك ارتباطها التنظيمي بالإخوان المسلمين في مصر، على غرار الإخوان المسلمين في الأردن، وذلك بحسب ما أوضح الكاتب الفلسطيني عدنان أبو عامر، المُقرب من الحركة.

هل تفك حماس ارتباطها بإخوان مصر بالفعل؟

تُعد حركة حماس، فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، إذ تنص المادة الثانية من ميثاق الحركة على أنّها جناح من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين. وتصف المادة الثانية، جماعة الإخوان بأنها «تنظيم عالمي. وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة، وفي باقي مجالات الحياة».

re_1342694927وكانت إحدى مطالب الجانب المصري، أن تفك الحركة ارتباطها بجماعة الإخوان في مصر، إلا أن الحركة تحايلت على هذا المطلب، بحسب المصدر القيادي، الذي أوضح أن الحركة استشهدت بعلاقاتها السابقة مع النظام السوري في الوقت الذي كان يحظر فيه جماعة الإخوان هُناك.

على هذا يُرجح ألا تُقدم الحركة على خطوة فك ارتباطٍ علنية خلال الفترة الحالية، إلا أنها في ذات الوقت، لن تتورط في أي توافق تنظيمي تام مع جامعة الإخوان، خلال الفترة المقبلة.

هذا الأمر يتفق معه الكاتب في صحيفة الرسالة، التّابعة لحركة حماس في غزّة، إبراهيم المدهون، الذي يُوضح أن ارتباط الحركة بالإخوان في مصر، إنما هو ارتباطٌ شكلي، مُدللًا  على ذلك بأن هيكل الحركة يختلف تمامًا عن هيكلية الجماعة.

دلائل أبعد عن صراع الأجهزة الأمنية المصرية

بين اتهام وزارة الداخلية المصرية للحركة، ولقاء أعضاء الحركة مع جهاز المخابرات العامة، دلالات أبعد عن الصراع الدائر بين الأجهزة الأمنية في مصر، وغياب التنسيق فيما يتعلق بالقضايا الأساسية. لكنه في الوقت نفسه مرتبط باستعادة جهاز المخابرات نفوذه الغائب خلال الفترة الماضية، لصالح جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا)، وجهاز المخابرات الحربية، والذي انعكس في تصدرها العديد من القضايا مؤخرًا.

المصدر القيادي للحركة، الذي تحدثت معه «ساسة بوست»، لم يعبأ باتهامات وزارة الداخلية المصرية بشأن التورط في اغتيال هشام بركات: «نعم انزعجنا من هذا الاتهام الفجّ، لكنه ليس أول اتهام من وزارة الداخلية لنا»، مُؤكدًا على أنّ التنسيق يأتي دائمًا مع جهاز المخابرات المصرية، «الذي يعلم الكثير عنّا، ويستوعب أن هذه الاتهامات أمرٌ سياسي ليس له علاقة بالواقع من قريب أو بعيد»، كما قال القيادي المقيم في قطر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد