في إحدى محاضرات «تيد TED» المميزة، تحدث رئيس الوزراء البوتاني عن تجربة بلاده، فيما يخص اعتبارها السعادة سابقة على النمو الاقتصادي، كما شارك الحضور تجربة بلاده أيضًا في تطبيق المعايير العالمية الخاصة بالحفاظ على البيئة.

قد لا يعلم الكثيرون منا ما هي هذه الدولة أساسًا، ولا أين تقع، لكن تجربتها فيما يخص البيئة والحفاظ عليها تستحق التوقف أمامها كثيرًا.

دولة بوتان

ليست معبدًا كبيرًا يضم بعضًا من الرهبان السعداء كما يتوقع الكثير من الناس، لكن مملكة بوتان، وهذا هو اسمها الرسمي، هي دولة حبيسة تقع في جنوب آسيا، وتحديدًا في نهاية الحد الشرقي لجبال الهيمالايا. تحدها من الشمال دولة الصين، ومن بقية الاتجاهات تحصرها الهند.

حتى أوائل القرن الـ17، كانت بوتان مكونة من خليط من الإقطاعيين المتحاربين، ليتمكن بعد ذلك أول «لاما» وزعيم ديني تبتي من توحيد المنطقة، وتكوين الشخصية البوتانية المستقلة. وفي بدايات القرن العشرين تواصلت بوتان مع الإمبراطورية البريطانية، كما أبقت على علاقات ثنائية قوية مع الهند بعد استقلالها.

وتتميز بوتان بارتفاعها الكبير عن سطح البحر، حيث توجد بها مناطق ترتفع لمسافة سبعة آلاف متر. وتبلغ مساحتها الكلية 38,4 ألف كيلومتر مربع. يبلغ إجمالي عدد سكان المملكة الصغيرة 770 ألف نسمة، وتدين الدولة بالديانة البوذية الفاجريانا، وهي أحد مذاهب البوذية التي تتميز بنظامها المعقد متعدد الأوجه، كما تحتل الهندوسية المرتبة الثانية في البلاد.

في عام 2008، انتقلت بوتان من نظام الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، وعُقدت أول انتخابات عامة في البلاد. وبوتان هي دولة عضو في كل من الأمم المتحدة ورابطة دول جنوب آسيا للتعاون الإقليمي. وقد بلغ إجمالي الدخل القومي للفرد الواحد بها 8196 دولارًا أمريكيًّا سنويًّا، لتكون في المركز رقم 115 في ترتيب أكبر دول العالم دخلًا بالنسبة للفرد.

في عام 2006، واستنادًا إلى دراسة استقصائية عالمية قامت بها مجلة بيزنس ويك (Business Week)، احتلت بوتان الترتيب الأول كأسعد دولة في آسيا، وثامن أسعد دولة على مستوى العالم كله.

031616_1045_1.jpg

منازلها ذات طابع معماري متميز

التوازن

وبالعودة إلى رئيس الوزراء البوتاني، تشيرينغ توبغاي، فقد ذكر أن ما يميز بلاده هو محاولة ملوكها النهضة بها، لكن عبر إحداث توازن بين النمو الاقتصادي في مقابل التنمية الاجتماعية، وما أطلق عليه اسم الاستدامة البيئية، بالإضافة إلى الحفاظ على الثقافة. رئيس الوزراء أوضح أن كل هذه التوازنات تحدث من خلال إطار حكومي جامع. ويطلق البوتانيون على هذا الهدف الجامع اسم «السعادة القومية الكلية» (GNH).

ويذكر أحد أبرز ملوك دولة بوتان السابقين عبارة مميزة جدًّا، تقول: «السعادة القومية الكلية، أفضل من إجمالي الناتج القومي». وقد أصبح كل ما يتعلق بالتنمية في بوتان يدور حول مفهوم السعادة القومية الكلية، والتي وصفها رئيس الوزراء بأنها رؤية رائدة تهدف إلى تحسين السعادة والشعور بالرضا عن النفس لجميع أفراد الشعب.

بالطبع فإن الكلام سهل لكن التنفيذ ليس بهذه السهولة، عندما ننظر إلى دولة لا يتعدى إجمالي الناتج القومي لها ملياري دولار. هذا المبلغ يعتبره البعض إجمالي ما يربحه بعض الأفراد في عام.

مميزات كبرى

رغم صغر حجم الدولة وقلة إمكانياتها، فهي تتميز ببعض الصفات التي قد لا تجدها في أعظم وأغنى دول العالم. التعليم في بوتان مجاني بالكامل، وجميع المواطنين لديهم مدارس حكومية مجانية، وبعض ممن يجتهد اجتهادًا أكبر يحصل أيضًا على تعليم جامعي مجاني.

الرعاية الصحية يحصل عليها جميع المواطنين أيضًا بالمجان، سواء الاستشارات الطبية أو الكشوفات أو حتى العلاج، كل هذا توفره الدولة دون أدنى مقابل.

ويذكر رئيس الوزراء البوتاني أنهم يستطيعون تقديم هذه الخدمات المجانية، نتيجة لتمكنهم من إدارة مواردهم المحدودة بعناية كبيرة واهتمام بالغ، بالإضافة إلى نظرتهم التي لا تحيد عن رؤيتهم المميزة، السعادة القومية الكلية، والتي يشرحها قائلًا، إنها «التنمية جنبًا إلى جنب مع القيم».

ولا يعني هذا أن الشعب والحكومة البوتانية لا يكترثون للنمو الاقتصادي، ويرون أنهم جيدون بما هم فيه حاليًا. إنهم يؤمنون بأن التنمية الاقتصادية، أحد الأمور الأساسية التي يجب الاعتناء بها، لكنه نمو لا يجب أن يتسبب في مسح ثقافتهم أو تدمير بيئتهم.

031616_1045_2.png

موقع وخريطة بوتان

في بوتان ثقافة مميزة وبيئة طبيعية خلابة ومزدهرة، وما يزال البوتانيون يحافظون على احتفالاتهم بثقافتهم وفنهم وعمارتهم وحتى طعامهم، وما يزال المواطنون مهتمين بمهرجاناتهم، كما أن لرجال الدين والرهبان هيبتهم التقليدية. هذه الأشياء لا يمسها أي تغيّر مُرتبط بالتطور في بوتان.

وقد ظهر اعتزاز وفخر البوتانيين بثقافتهم، بوضوح شديد من خلال ظهور رئيس وزرائهم في مؤتمر «تيد» بالزي الرسمي، معلنًا أنه يمثل جزءًا من ثقافة بلاده الفريدة. رئيس الوزراء وصف رداءه بأنه «جيب كبير» في إشارة إلى شكله المميز وتصميمه الفريد، الذي يجعله يستطيع وضع العديد من الأغراض الشخصية فيه، وقد وصل الأمر إلى إمكانية وضع طفل صغير به.

بيئة لا مثيل لها

تغطي الغابات ما نسبته 72% من إجمالي مساحة بوتان. الأهم والفريد هنا، هو أن نسبة الغابات مذكورة في الدستور البوتاني الذي ينص صراحةً على أن الحد الأدنى لنسبة الغابات التي يجب وجودها في البلاد دائمًا هي 60%!

هل لك أن تتخيل أن الشعب البوتاني لم يطالب بأي شكل من الأشكال بالديمقراطية، لم يسع إليها أو يحارب من أجلها أو حتى يطلبها. لكنهم كانوا محظوظين في وجود ملك أصر على تضمين الأسس الديمقراطية في الدستور. ليس هذا فحسب لكن الملك أصر عبر الدستور أن يسعى الشعب إلى التشكيك في ملوكهم ورفع الدعاوى ضدهم إذا تطلب الأمر. أضف إلى هذا أن الدستور يحدد سن معاش للملك.

نعم فالملك يجب أن يتنحى عن الحكم بمجرد وصوله إلى سن الخامسة والستين. وبالفعل، فملكهم الرابع على المعاش منذ عشر سنوات ماضية على الرغم من شعبيته الجارفة، كونه الملك الذي وضع الدستور الديمقراطي المميز، والذي وضع أسس السعادة القومية الكلية.

031616_1045_3.png

الملك والملكة

وبالعودة إلى الغابات، فعليك أن تعلم أن جميع الغابات الموجودة في بوتان هي غابات أصلية وبدائية، لم تمتد يد الإنسان لتغير منها. هذا الأمر جعل بوتان واحدة من أهم مناطق العالم ذات التنوع البيولوجي، وهو ما جعل بوتان دولة متعادلة من حيث انبعاثات الكربون.

الأمر ليس بهذه البساطة التي تتخيلها، هل يمكن أن تتخيل وجود دولة في هذا العالم الذي يعاني من تغير مناخي واسع، ما تزال انبعاثات المواد الكربونية فيها كما لو كنت تعيش منذ ألف عام مضت. بوتان هي الدولة الوحيدة حول العالم التي يطلق عليها هذا الوصف «دولة حيادية الكربون carbon neutral country». لكن رئيس الوزراء فجر مفاجأة كبيرة خلال حديثه، قائلًا إن بوتان ليست دولة حيادية أو متعادلة بالنسبة لانبعاثات الكربون، لكنها في الحقيقة دولة سالبة الانبعاثات.

فدولة بوتان بكاملها تنتج حوالي 2,2 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون، لكن في المقابل فإن الغابات الموجودة يمكنها أن تعادل وتستهلك 3 أضعاف هذه الكمية. وهذا يعني أن بوتان يمكنها أن تستوعب حوالي أربعة ملايين طن إضافية من غاز ثاني أكسيد الكربون.

بوتان تنتج الكهرباء من خلال مصادر الطاقة المتجددة، وتحديدًا عبر أنهارها سريعة التدفق. ويصل الأمر إلى أنها تصدر كميات منها إلى الدول المجاورة. هذه الطاقة النظيفة يمكنها أن تعادل حوالي ستة ملايين طن من غاز ثاني أكسيد الكربون، التي تقوم الدول المجاورة بإطلاقها لو لم تحصل على هذه الطاقة النظيفة من بوتان. وخلال عام 2020، فإنها ستقوم بتصدير كمية من الطاقة المتجددة التي تعادل انبعاث 17 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون. لكن هذا لا يمثل سوى حوالي نصف ما يتمنون الوصول إليه. البوتانيون يسعون لإنتاج طاقة كهربية توازي انبعاث 50 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون كل عام، وهي كمية أعلى مما ينبعث من مدينة عملاقة مثل نيويورك.

التغير المناخي

وعلى الرغم من كل ما تتميز به هذه الدولة، فإن ظواهر التغير المناخي العالمي وصلت إليها، نتيجة تأثرها بالعالم من حولها بالطبع. هناك منحدرات جليدية بدأت في الذوبان مسببة فيضانات وانزلاقات في التربة، ما أدى إلى كوارث طبيعية تضررت منها المنازل والطرقات.

هناك بحيرات بدأت تتكون نتيجة ذوبان الثلوج. إحدى هذه البحيرات لم يكن لها أي أثر على سفح أحد الجبال منذ 20 عامًا فقط. لأنها كانت عبارة عن بحيرات متجمدة بالكامل. منذ سنوات قليلة تسبب ذوبان بحيرة جليدية في فيضانات عارمة دمرت عشرات المنازل، فهل لك أن تتخيل ما سيحدث إن ذابت جميع البحيرات المتجمدة في بوتان والبالغ عددها 2700 بحيرة؟

دولة بوتان لم تساهم ولو بأقل القليل في الاحتباس الحراري العالمي، لكنها مع هذا تتأثر تأثرًا شديدًا بتبعات هذا الاحتباس وما أحدثه من تغيرات مناخية. لاحظ أن بوتان كانت قد أعلنت في قمة المناخ عام 2009، أنها ستظل دولة حيادية بالنسبة لانبعاثات الكربون، لكن لا يلاحظها أحد وهي تطلق هذا الوعد. وفي قمة المناخ الأخيرة في باريس، عادت بوتان لتعلن أنها ستظل حيادية، لكن هذه المرة سمعها العالم وبدأ يهتم بالفعل بما تفعله.

الحكومة البوتانية تمد الفلاحين بما يحتاجونه من كهرباء بالمجان. لماذا؟ حتى لا يستخدم الفلاحون الخشب في إعداد الطعام والتدفئة. بوتان تستثمر في وسائل المواصلات صديقة البيئة، كما أنها تدعم السيارات الكهربائية، والمصابيح الموفرة للطاقة، بالإضافة إلى إطلاقها برنامجًا وطنيًّا لتقليل استخدام الأوراق، وأطلقت برنامج آخر لزرع الأشجار في كل مكان ممكن.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد