في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2008 نشرت صحيفة «Los Angeles Times» تقريرًا صحفيًّا بعنوان «خدع من الأراضي المقدسة» حول أحد الاكتشافات المرتبطة بعلم الآثار التوراتي، والتي اعتُقد أنها تحوي رفات القديس «يعقوب البار» (جيمس) المعروف بكونه «أخو الرب»، بحسب التسمية المسيحية، والخدعة المذكورة كانت صندوقًا من الحجر الجيري، عليه نقش باللغة الآرامية يحمل عبارة «يعقوب بن يوسف أخو يسوع».

ظهر صندوق عظام جيمس للعالم لأول مرة عامَ 2002، وقدمه للجمهور هيرشيل شانكس، وهو محام أمريكي وناشر لمجلة تختص بالآثار التوراتية، وعقد هيرشيل مؤتمرًا صحفيًّا عرضته قناة «ديسكفري» بالتعاون مع جمعية علم الآثار التوراتية، وقُدم الصندوق بصفته أولَ دليل أثري على الوجود التاريخي للسيد المسيح، ثم ألَّف شانكس كتابًا حول الصندوق، وباع حقوقه ليتحول إلى فيلم سينمائي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2003 نظم هيرشيل معرضًا في متحف أونتاريو الملكي بكندا، وانتظم عشرات الآلاف من الأشخاص في طابور أمام المتحف لمشاهدة الصندوق، وكانوا متحمسين للغاية حتى إن بعضهم كان يؤدي صلاة صامتة.

صندوق جيمس، المصدر: ويكيبيديا

في العام نفسه ظهر اكتشاف آخر من «السوق السوداء» غطى على أخبار صندوق عظام جيمس، وكان عبارة عن لوح من الحجر الرملي عليه نص منقوش زُعِمَ أنه أول دليل أثري لـ«هيكل سليمان».

كان الحجر الملقب بلوح «يوآش»، يحتوي على 16 سطرًا من النقوش حملت كلمات مشابهة لمقطع في العهد القديم، يشير إلى الإصلاحات التي أجريت على الهيكل، لكن لم يعرض هذا اللوح رسميًّا بل كان بحوزة عميل سابق للمخابرات الإسرائيلية، يعرضه على المؤمنين المتحمسين لرؤيته فقط.

وأثناء اشتعال الجدل الدائر حول لوح يوآش، تدخلت السلطات الإسرائيلية للتحقيق في صحة اللوح، بالطبع بسبب إمكانية توظيف الحجر اللوحي في حربها على التاريخ مع الفلسطينيين، واستمرت التحقيقات حول صندوق عظام القديس جيمس ثلاث سنوات، فيما استمرت تحقيقات لوح يوآش سنة كاملة، لتكون نتيجة كليهما واحدة، وهي أنَّها «مزيفة وخدعة كبيرة».

مجتمع

منذ سنتين
معركة «أصحاب السبت» في إسرائيل.. هل ينتصر الشيكل على التوراة؟

لم يتوقف مسلسل اكتشاف الخدع هنا، بل أعلن متحف الكتاب المقدس الأمريكي بالعاصمة واشنطن في مارس (آذار) 2020، زيف مجموعته الكاملة من مخطوطات البحر الميت الستة عشرة، والتي كانت معروضة ضمن الطابق الرابع من المتحف في قاعة مخصصة لها، وكانت الشكوك طالت صحة النسب التاريخي لهذه المخطوطات، منذ اكتشاف زيف خمس مخطوطات من المجموعة عينها بالمتحف عام 2018.

أحبطت هذه النتائج المؤمنين بوجود الآثار التوراتية، وكذلك المتحمسين لفكرة وجود دلائل مادية ملموسة على المصداقية التاريخية للأحداث المذكورة في الكتاب المقدس، ولكن هذا لم ينهِ تلك الأهمية التي توليها الهيئات المختصة في الغرب لمثل تلك المكتشفات، حتى لو كانت مزيفة، ويخبرنا هذا بالكثير عن أهمية علم الآثار التوراتي وتأثيره؛ فهو لا يمثل فقط مجموعة من المكتشفات الأثرية التي تثبت مصداقية واقعة ما من الكتاب المقدس، ولكنه علمٌ يستغلُّ سياسيًّا ويوظَّف، للضغط بـ«الدليل الأثري» لتغيير الأمر الواقع، خصوصًا في ملفات حساسَّة، مثل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المسجد الأقصى والمقدَّسات الدينية في القدس.

سنتعرف في هذا التقرير إلى ملامح علم الآثار التوراتي، والأهداف السياسية التي يوظف فيها، وأِشهر قصصه، والشخصيات المهمة المؤثرة التي آمنت به، وسنتعرف إلى آراء الأساتذة والمتخصصين في علوم الآثار والتاريخ القديم حول نشأة هذا العلم وتأثيره.

هل تثبت الآثار مصداقية المصادر التوراتية؟

منذ أن غزت الحملة الفرنسية مصر، بقيادة نابليون بونابرت، في 1 يوليو (تموز) 1798، تفتَّحت عيون أوروبا والغرب على حضارة عريقة، الحضارة المصرية القديمة، وبعد 24 عامًا من انطلاق الحملة، نجح العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون في فك رموز حجر رشيد، فأصبحت أسرار مصر القديمة في متناول الدارسين والباحثين الأجانب، ليولد علم جديد اسمه «علم المصريات».

كانت مصر خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين هي الوجهة الأولى لعلماء الآثار والمغامرين الغربيين، ولعل أشهر هؤلاء العلماء، وأكثرهم اتصالًا بعلم الآثار التوراتي، هو عالم المصريات الإنجليزي وليم فلندرز بيتري (1853– 1942).

ولد بيتري لعائلة إنجليزية عريقة عام 1853، وكان جده واحدًا من أهم مكتشفي الساحل الأسترالي، نشأ بيتري الصغير في منزل مسيحي متدين، وتلقى تعليمًا منزليًّا على يد والده الذي كان يعمل مهندس كهرباء، وعلمه الفرنسية واللاتينية واليونانية في سن صغيرة، فضلًا عن تعليمه كيفية إجراء المسح الجغرافي بدقة.

كان بيتري أول من ترأس كرسيًّا أكاديميًّا لعلم المصريات في بريطانيا، وله إسهامات مهمة أدخلها على علم الآثار، مثل التصوير الأثري باستخدام الكاميرات، ونظام تصنيف الحقب التاريخية بناءً على أسلوب صناعة الفخار والسيراميك الخاص بكل مرحلة، وما زالت هذه الآليات تُستخدم حتى الآن في البحث الأثري بمختلف دول العالم.

وفي مطلع 1882 ذهب بيتري إلى مصر، ليجري مسحًا جغرافيًّا لهرم الجيزة الأكبر، نيابةً عن والده الذي كُلف بالمهمة ولكنه لم يستطع السفر نظرًا إلى تقدمه في العمر، وهكذا وضع بيتري الصغير قدمه على أرض مصر التي نقب في معظم مناطقها من سيناء إلى الأقصر وأسوان، مرورًا بالدلتا والصعيد.

ترك بيتري مصر بعد سنوات طويلة من العمل والتنقيب بعد حصول مصر على استقلالها المنقوص بعد ثورة 1919، متوجهًا إلى فلسطين، إذ كان يفضل العمل في البلاد الخاضعة كليًّا للاحتلال الإنجليزي، حسب تعبيره في رسالة إلى أحد أصدقائه، ولكنه خلَّف وراءه اكتشافات أثرية مهمة وعديدة، لعل أهمها لوحة نصر الملك مرنبتاح، وتعرف أيضًا بلوحة «إسرائيل»، التي اكتشفها في مدينة الأقصر جنوب مصر عام 1896.

لوحة مرنبتاح، المتحف المصري بالتحرير، المصدر ويكيبيديا

وهي لوحة تذكارية من حجر الجرانيت للملك مرنبتاح، الذي حكم بين 1213- 1203 ق. م، وترصد انتصار الملك مرنبتاح على الليبيين وحلفائهم، وطبقًا لنقوش معبد الكرنك فقد سيَّر الملك حملة عسكرية عام 1208 ق. م ضد الليبيين في السنة الخامسة من حكمه، بينما تتحدث الأسطر الثلاثة الأخيرة من أصل 28 سطرًا عن حملة أخرى لمرنبتاح في كنعان، فلسطين التاريخية، التي كانت جزءًا من المملكة المصرية في ذلك الوقت، واللوحة محفوظة الآن بالمتحف المصري بالتحرير.

وتمثل هذه اللوحة أقدم إشارة نصية «للعبرانيين» والمرجع الوحيد عنهم في مصر القديمة، فلا غرابة إذًا إن اعتبرها بيتري نفسه أهم اكتشافاته الأثرية على الإطلاق، ورغم تقديم ترجمات بديلة لاسمها، ما زالت اللوحة تعرف باسم «لوحة إسرائيل»، لأن غالبية العلماء يترجمون مجموعة من الحروف الهيروغليفية في السطر 27 باسم «إسرائيل».

وفي فلسطين بدأ بيتري رحلة أخرى استمرت منذ عام 1926 حتى وفاته في القدس عام 1942، وشارك في تأسيس «صندوق اكتشاف فلسطين»، ووضعَ الأسس العلمية لـ«علم الآثار التوراتي» الذي أصبح فيما بعد الأب الروحي له.

دكتور عماد عبد العظيم أبو طالب، أستاذ تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآداب في جامعة الفيوم، في حديث مع «ساسة بوست» قال إنَّ: «جمعية صندوق اكتشاف فلسطين أُسست عام 1864 تحت رعاية الملكة فكتوريا ملكة إنجلترا، ودعمت وزارة الحرب البريطانية الصندوق وعمل بعض ضباطها في خدمته، وخصوصًا المهندسين».

وأعلن الصندوق أنه مؤسسة تهتم بالبحث الدقيق والمنظم في الآثار والطوبوغرافيا والجيولوجيا والجغرافية الطبيعية والتاريخ الطبيعي، وعادات وتقاليد الأرض المقدسة، بهدف «التوضيح التوراتي» وحسب أبي طالب، فإن هذا التوضيح يعني أن البحث العلمي وُظِّف في خدمة «الأهداف التوراتية».

ولفت أبو طالب إلى أن الدراسات التي أصدرها الصندوق بيَّنت أن هدفه هو «الاستعادة»، أي استعادة مجد فلسطين في عهد هيرود، واستعادة بلاد داود، ثم استعادة أسماء المدن التي دمرها القائد يوشع بن نون، واستعادة مكانة القدس ومجدها، واستعادة أسماء الأماكن المذكورة في التوراة.

وأكد أبو طالب أنه حتى عام 1883، كان النشاط الأثري لمختلف الجاليات الأجنبية في القدس لا يزال «مطبوعًا بدمغة الهواجس الدينية»، وإثبات صحة المواقع المقدسة التقليدية المتعلقة بالتوراة، ومدفوعًا بحماسة الجمهور العام من متديِّني إنجلترا وأوروبا وأمريكا لاكتشافات دينية، في مقدمتها قبر السيد المسيح.

أسطورة «الكأس المقدسة».. علم الآثار التوراتي والنازية

إذا كنت تعرف النجم الأمريكي هاريسون فورد، فلا بد أنك شاهدت ضمن سلسلة أفلامه فيلم «Indiana Jones and the Last Crusade»، الذي أُنتج سنة 1989، وتدور أحداثه حول الوصول إلى «الكأس المقدسة»، التي تهب الحياة والشباب الأبدي، وظهر في الفيلم ضابط نازي كبير (في شخصية البطل الشرير) الذي يبحث عن الكأس المفقودة.

لم تكن شخصية الضابط في الفيلم مُختلقة، بل كانت تجسيدًا لشخصية نازية حقيقية كانت تبحث بشكل محموم عن الكأس، وهو القائد النازي هاينريش هيملر وزير داخلية ألمانيا النازية، المشهور بتوسعة قطاعات القوات الخاصة المعروفة باسم «SS».

Embed from Getty Images

القائد النازي هاينريش هيملر

بحث هيملر عن الكأس لم يكن فكرة مجنونة طارئة، فلطالما تكهن العلماء حول أصول فكرة «الكأس المقدسة»، مشيرين إلى احتوائها على عناصر مجازية مماثلة للاعتقاد المسيحي بحدوث القربان المقدس، دم المسيح، والذي ارتبطت به الكأس، التي يُعتقد أن السيد المسيح شرب منها في «العشاء الأخير»، ونظرًا إلى كون العهد الجديد يعدُّ جزءًا من «الكتاب المقدس»؛ فقد عُدت الكأس من الآثار التوراتية.

وقد انطلق هيملر، في مهمة سرية في زمن الحرب العالمية الثانية إلى إسبانيا، بحثًا عما يعتقد أنه الكأس، حسب كتاب صدر بالبرتغالية عام 2010 اسمه «The Desecated Abbey»، من تأليف مونتسيرات ريكو جونجورا، وهي صحافية وكاتبة إسبانية متخصصة بالتاريخ، عملت مستشارًا تاريخيًّا لوثائقيات «National Geographic» و«BBC» حول الكأس المقدسة.

وزار هيملر دير مونتسيرات الشهير بالقرب من برشلونة، وهو المكان الذي اعتقد أنه سيجد فيه كأس العشاء الأخير؛ إذ اعتقد النظام النازي، حسب المؤلفة، أنه إذا حصل على الكأس، فسيساعد ذلك ألمانيا على الفوز في الحرب وسيمنح الألمان قوى خارقة للطبيعة.

أجرت المؤلفة لقاءً مع راهب متقاعد كان يخدم في ذلك الدير، اسمه أندرو ريبول نوبل، وقد أخبرها بأن رؤساءه أمروه بتحية هيملر خلال زيارته للدير عام 1940، وبما أنه كان الراهب الوحيد الذي يعرف الألمانية عيَّنوه مساعدًا لهيملر خلال بحثه المضني عن الكأس، وأذيع فيلم وثائقي عام 2012 عن رحلة بحثه تلك بعنوان «Himmler and the Holy Grail»

الكاتب الألماني وعضو الحزب النازي «أوتو فيلهم ران»، كان من أشد المتحمسين أيضًا لفكرة وجود الكأس، فاستأجره هيملر للعثور عليها مانحًا إياه كل الصلاحيات والمساعدات اللازمة، ولكن مع ذلك ظل السؤال الرئيسي قائمًا: ما هي بالضبط «الكأس المقدسة»؟

فالمسألة الرئيسية في أي بحث عن الكنوز المفقودة هي أن يعرف الشخص ما يبحث عنه، ولكن على عكس ذلك يشمل مصطلح «الكأس المقدسة» قائمةً طويلة من العناصر التي تشكلت وتداخلت على مر القرون، وتراوحت تلك المفاهيم ما بين الكأس التي استخدمها المسيح في العشاء الأخير، إلى الحجر السحري الذي يحتوى إكسير الشباب والحياة الأبدية، وظلَّت الكأس المقدسة التي خلبت عقول الأوربيين والأمريكيين، أشهر «أثر» لم يُعثر عليه خلال 1180 عامًا، ولم تتوقف محاولات البحث عنها حتى الآن.

«هيكل سليمان».. السياسة في ثوب العلوم

البحث عن الكأس المقدسة لا يختلف كثيرًا عن البحث عن «هيكل سليمان»، أو ما يسمى بـ«الهيكل الأول»، ففي واقع الحال لا توجد مصادر غير توراتية تذكر شيئًا عنه، ولا يوجد وصف تاريخي له من قبل أي من المؤرخين الذين عاصروا زمن تأسيسه، وعليه ظلت الرواية التوراتية هي المصدر الوحيد.

وحسب ما يرد في الكتاب المقدس، في سفر الملوك الأول إصحاح 5-6، بنى سليمان الهيكل إتمامًا لعمل أبيه الملك داود، بأمر من الله، وكان داود هو الذي نقل تابوت العهد والألواح المنقوش عليها شريعة موسى إلى مدينة أورشليم، بعد أخذ اليبوسيين لها.

وحسب هذه الرواية، بنى الملك سليمان الهيكل في أورشليم، ووضع فيه التابوت والأحجار وجعل المكان معبدًا لله، ويذكر سفر الملوك الأول، الإصحاح 6-9، أنَّ بناء الهيكل استمر 16 عامًا، «من السنة الرابعة بعد توليه العرش وحتى السنة العشرين»، واستعانوا بحيرام، ملك صور الفينيقي، الذي باعهم الأخشاب وأرسل كبار صناعه.

وما زال مكان الهيكل الحالي على أرض فلسطين غير معروف بدقة، حتى إنَّ أطلال المباني والقلاع التي يفترض أنها تماثل الأسلوب المعماري للهكيل المزعوم، أصبحت موضع شك بين الباحثين فى كونها تنتمي للفترة المذكورة في التوارة، ولكن بعض باحثي علم الآثار التوارتي يزعمون وجوده أسفل مسجد قبة الصخرة بالقدس، وحتى اليوم لم تثبت صحة أيٍّ من هذه الافتراضات.

صورة متخيلة لما قد يكون عليه شكل «هيكل سليمان» حسب التقليد التوراتي، المصدر: ويكي

البحث عن «هيكل سليمان» ليس مسألةً علمية بريئة؛ لأن إثبات الرواية التوراتية، التي لا دليل على صحتها حتى الآن، سيؤكد الرواية الإسرائيلية عن فلسطين، وسيعزز شرعية احتلال القدس، ولذا سعى الاحتلال الإسرائيلي بشكل مكثَّف لتوظيف علم الآثار التوراتي في البحث عن الهيكل، وإثبات المصداقية التاريخية للأحداث التوراتية.

ظلت فكرة وجود الهيكل مهيمنةً على الوعي الأوروبي والأمريكي، حتى إن متحف «المتروبوليتان» بنيويورك أعدَّ في العام 2019 فيديو تخيليًّا ثلاثي الأبعاد، عن شكل «هيكل سليمان»، بناءً على الرواية التوراتية ونظريات علم الآثار التوراتي.

مقطع تخيلي وثلاثي الأبعاد على شكل الهيكل، من إنتاج متحف «المتروبوليتان»، مبنيٌ بحسب الرواية التوراتية ونظريات علم الآثار التوراتي

الكاتب والمؤرخ دكتور محمد رأفت عباس، مدير عام إدارة البحث العلمى بمنطقة آثار الإسكندرية،  يؤكد لـ«ساسة بوست» أنه «كان هناك رغبة واضحة في سياسات حكومات الاحتلال الإسرائيلي، لتحقيق تفوق ملحوظ في دراسة علوم الآثار، نظرًا إلى ما قد يمثله هذا من ترويج تاريخي وسياسي لفكرة امتلاكهم لأرض الميعاد المزعومة».

وحسب عباس، فإن «علم الآثار التوراتي Biblical Archaeology أصبح مدرسة علمية مستقلة في علوم الآثار، لها مقالاتها الغزيرة والمتنوعة، وينتمي لها باحثون حول العالم، ومعَ تطور أعمال الحفر الأثرية على يد الإسرائيليين أو الجامعات الغربية داخل أراضي فلسطين التاريخية، المسماة بأرض كنعان، زادت الدراسات والرؤى والنظريات المرتبطة بهذا العلم».

ويقول رأفت عباس إن «أرض فلسطين كانت حقلًا خصبًا للعديد من الاكتشافات الأثرية المهمة حتى من قبل نشأة دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وكان الكثير من علماء الآثار الغربيين ينظرون إلى هذه الأرض نظرة خاصة، نظرًا إلى تاريخها الذي احتوى الكثير من الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسانية جميعًا، فالبعض كان يسعى وراء الحقائق التاريخية وآخرون تأثروا بتفسيرات العقائد الدينية».

وتضم قائمة «الآثار» التوراتية المفقودة كذلك ما يعرف بـ«تابوت العهد»، وهو التابوت الذي حمله الملك داود إلى القدس، حسب الكتاب المقدس، وهو عبارة عن صندوق خشبي مغطى بالذهب، حُفظ بداخله لوحان من ألواح النبي «موسى»، ووُضع داخل «هيكل سليمان» لكنه فُقد، حسب الرواية التوراتية، بعد تدمير «الهيكل» ولا يعرف له مكان، إلا أنه ظل من أولويات متخصصي علم الآثار التوراتي.

ولكن في مكان غير متوقع، هو كنيسة «ماري ابنة صهيون»، بمدينة أكسيون الإثيوبية، يقبع صندوق خشبي مغطى بالذهب، بمواصفات قريبة من تابوت العهد، وهو تحت حماية بطريرك الكنيسة الإثيوبية شخصيًّا؛ إذ تزعم الكنيسة أن هذا التابوت هو «تابوت» العهد، وأحضره إلى إثيوبيا أحد ملوكها الذي كان ابنًا للملك سليمان من زوجته ملكة سبأ، إلا أنه بسبب عدم عرض «الأثر» المذكور على علماء الآثار لفحصه أو دراسته، بحجة قدسيته، لم يثبت حتى الآن فيما إذا كان هو تابوت العهد الحقيقي أم لا.

وفي 21 يناير 2021 تناقلت وكالات الأنباء خبر مقتل 800 شخص على الأقل في إثيوبيا، لحماية ما يقول المسيحيون هناك إنه تابوت العهد المقدس، من هجوم المليشيات المحلية على الكنيسة، وذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية أن المعركة بين الجنود الإثيوبيين والمقاتلين المتمردين وقعت في خريف 2020، ولكن لم يُبلغ عنها إلا مطلع العام الحالي.

ورغم هذا العدد من القتلى، ليس هناك أي دلائل على أن ما يوجد في الكنيسة هو «تابوت العهد» الذي يجري البحث عنه على مدار تاريخ طويل وحتى الآن، ليدخل ضمن قائمة طويلة من المحاولات المستميتة لإثبات المصداقية التاريخية للأحداث التوراتية، وهي محاولات أخذت في البداية طابع القداسة الممزوجة بالمغامرة، ولكنها اكتسبت زخمًا معرفيًّا خلال القرن العشرين لتصبح تخصصًا أكاديميًّا يوظَّف سياسيًّا لصالح إسرائيل، التي تسعى لدعم روايتها عن فلسطين بكل السبل الممكنة ولكن يبدو أنها ستحاول طويلًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد