هناك قصة حب كبيرة بين الإنسان والكتب، وتطور ذهني ومعرفي وعاطفي يدين به الإنسان للكتب، وفي كتابها «13 طريقة لترى الرواية» تقول جاين سمايلي: «نحن نشعر بشعور أفضل في حضرة الكتب»، أما عالم النَفس جيمس هيلمان فيرى – كما ورد في كتاب «تاريخ القراءة» لألبيرتو مانغويل – أن الأطفال الذين يقرأون في سن مبكرة من العمر، أو الذين يُقرأ عليهم في هذه المرحلة من العمر، يكونون في وضع نفسي أفضل، ويستطيعون أن يطوروا قدرتهم على التخيّل، أكثر من أولئك الأطفال الذين تُروى عليهم الأقاصيص والحكايات في سن مبكرة.

محبو القراءة يعرفون جيدًا كيف يمكن أن يكون للقراءة تأثير علاجي، أنت تجد نفسك داخلًا عالمًا موصوفًا في صفحات كتاب، وتعايش وتتأثر بشخصياته، نحن دائمًا ما نعثر على فكرة ما، أو نكسب وجهة نظر جديدة بعد انتهائنا من الكتاب، وهذا هو الغرض الأساسي من العلاج بالقراءة أو «الببليوثيرابيا»، والتي تعني استخدام الكتب بناءًا على محتواها أو موضوعها بشكل مُوجَه في برنامج ممنهج لمساعدة الشباب كي يتغلب على مشاكل الحياة، وإرشاده لحل مشكلاته بشكل تفاعلي، وعامل مساعد في بعض الأمراض النفسية إلى جانب العلاج.

Embed from Getty Images

مبدئيّا دعنا نتفق أنه لا يمكن للقراءة أن تكون بديلًا للعلاج الدوائي، أو السلوكي، فهي مجرد وسيلة مساعدة في حالات معينة إلى جانب العلاجات الطبية، وفكرة القراءة كعلاج، أو «الببليوثيرابيا» ليست مستحدثة؛ فقد صاغ قدماء الإغريق مصطلح «الببليوثيرابيا»، والتي تنفسم إلى: «ببليو» بمعنى كتب، و«ثيرابيا» بمعنى علاج.

أما رمسيس الثاني – ملك مصر – فقد كان يمتلك غرفة خاصةً بالكتب، دَوّن على بابها جملة «بيت العلاج الروحي». بينما أدرج سيجموند فرويد الطبيب النفسي النمساوي الشهير، الأدب في التحليل النفسي، في نهايات القرن التاسع عشر، وقد نصح الأخصائيون النفسيون مرضاهم بالقراءة كعامل مساعد في العلاج. وقد دخلت «الببليوثيرابيا» إلى المصحات النفسية في أواخر عام 1940.

تاريخ القراءة: كيف تغيرت منذ عصر الإغريق وحتى الآن؟

«الكتاب كوصفة دوائية»

العلاج بالقراءة هو مجال واسع المدى، من يحبون القراءة سوف يحصدون منافع من هذه الطريقة العلاجية، ويلمسون قوة المواساة والتغيير التي تحملها الكتب. تساعدك روشتة العلاج بالقراءة على فهم نفسك، والتحكم في أدائك، وتُختار الكتب بواسطة متخصص في علم النفس، مُعايش للحالة. أما بالنسبة للشباب أو المراهقين فيُفضل اختيار كتاب، أو رواية تمرّ شخصياتها بمشكلة مقاربة للشخص في الحقيقة. في المرحلة التالية حينما يتورط الشخص مع شخصيات الرواية، ويستطيع التعبير عن مشاعره المكبوتة، وبمساعدة المدرّس أو المتخصص ستضيء له الرواية الحل لمشكلته.

عام 2003 أجري في المملكة المتحدة برنامج مهمًا بعنوان «الكتاب كوصفة دوائية»، وذلك بعد ارتفاع معدل الإصابة بالأمراض النفسية، كان البرنامج يهدف إلى مساعدة المرضى الذين لا تتوفر لهم رعاية صحية مناسبة، وكان نواة لكل برامج «الببليوثيرابيا» التي أجريت بعده.

Embed from Getty Images

لماذا يجب علينا أن نقرأ؟

لأن القراءة والحكي والكتابة الإبداعية تُحسن القدرة على توصيف وتفسير المشاعر، وتزيد من القدرة على التسامح مع الآخرين. إذ يمكن استخدام «الببليوثيرابيا» لفرد أو لمجموعة من أجل حاجة معينة، فيستخدم المتخصص الكتب بعد تحديد المشكلة؛ سواء فَقد، أو قلق، أو بطالة، أو رغبة في تغيير المهنة. ويطلب من المريض أن يقرأ المادة أو تُقرأ له، ثم يعود لمناقشتها مع المدرّس أو الأخصائي المساعد، ويُطلب منه أن يكتب تعليقًا أو تقريرًا بخصوص ما قرأه، أو يتحدث إلى مُسجّل صوتي.

خلال هذه العملية يطلق الشخص لمشاعره العنان، ويقلل الضغط الواقع عليه كأنه يحكي عن قصته، بالإضافة إلى أن قراءة الأدب تزيد من تعاطفه ومواساته وتسامحه مع الآخرين، وتفهمه لشؤون الحياة. وعلى نفس المنوال إذا استُخدمت «الببليوثيرابيا» لمجموعة من الناس، فإنهم سيتشاركون في المناقشة، وسيشعرون بوحدة أقل، وأن مشاكلهم ليست فريدة، بل يمكن حلها بالمشاركة.

«الببليوثيرابيا».. سلاح في وجه العزلة

«ملاذ نكوسي» تلك المنظمة غير الحكومية، في منطقة جواهنزبرج بجنوب أفريقيا، والتي تدعم المصابين بفيرس الإيدز (HIV)، أسست برامج تفاعلية لـ«الببليوثيرابيا» من أجل كسر عزلة المصابين بفيروس الإيدز، ولكي تزيد وعيهم بالمرض، وتحسّن حالتهم النفسيّة.

الأطفال في مأوى نكوسي محاصرين عاطفيًا وجسمانيًا، ومن هنا تجيء أهمية الكتب التي توسع لهم الأفق، وتمنحهم المتعة. أحد الأطفال في المأوى، وعمره ست سنوات، سُئل بماذا تشعر عندما تقرأ؟ قال أشعر بالسعادة. لكن «الببليوثيرابيا» ليست حلًا للمشاكل النفسية المتجذّرة، ولا تصلح لمن يعانون من الديسليكسيا أو عسر القراءة، هذه المشكلات تتطلب طرقًا أخرى مكثفة للعلاج.

هكذا يكون العلاج بالقراءة

يقول ألبيرتو مانوغويل: «في البداية حَدد مشكلة الشاب أو المراهق، ثم وصله بالكتاب المناسب الذي يتناول مشكلته، سواء عن الطلاق، أو الموت. مع مراعاة أن يكون الكتاب في مستوى فهم الشخص، وبه قدر من المتعة. اختر ثيمة مناسبة له، وتجَنب موضوعات تتضمن جريمة، أو تناول المخدرات مثلًا. حفزّه أثناء القراءة أن يطرح أسئلة، اطلب منه تلخيص ما قرأه، اشتركا في المناقشة، بطرح فكرة القصة، ونقاط القوة والضعف في الشخصيات، اطلب منه رسم أحداث القصة، كما يمكن إعادة تمثيل القصة دراميًا، تناقش معه في إيجاد نهاية للقصة، أو حلول مطروحة؛ لأن كل كتاب يمكن أن يكون سيرة ذاتية للقارئ».

Embed from Getty Images

«الببليوثيرابيا» في السجون

لعبت القراءة في السجون والإصلاحيات دورًا مهمًا منذ نشأتها؛ ففي أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل التاسع عشر، كان يُعطى للمساجين كتب دينية لإعادة تأهيلهم، كما أن العلاج بالقراءة مهم للغاية في تجمعات المساجين من أجل كسر عزلتهم. إذ تُختار مادة معينة، وتُقرأ على المساجين، ثم تُناقش بعد ذلك. وقد أجريت برامج للعلاج بالقراءة في المملكة المتحدة، تحت رعاية «جامعة ليفربول»، بتكوين مجموعات للقراءة داخل سجون الرجال، والنساء، وفي المصحّات النفسية، ومصحّات علاج الإدمان، ودور إيواء المشردين، وكبار السن المصابين بالخِرف.

«بوكتيوب».. هل سيكون مستقبل القراءة من خلال يوتيوب؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد