خلال الأيام الماضية تصدَّر العناوين خبر إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية على بحر اليابان، ورغم أن خبرًا مثل هذا كان معتادًا قبل ثلاث سنوات، فإن كون هذه الخطوة تحدث للمرة الأولى في عهد الرئيس الأمريكي، جون بايدن، بعد فترة من الهدوء شهدتها العلاقات الأمريكية- الكورية الشمالية خلال ولاية الرئيس السابق، دونالد ترامب، ما جعل منها خطوة ذات أهمية؛ إذ تعد اختبارًا كوريًّا لسياسة الرئيس الأمريكي الجديد، الذي أكد من قبل أنه لن يأخذ بسياسة سلفه في التعامل مع بيونجيانج.

«شهر عسل» ترامب وكوريا الشمالية

«لا تنظر إلى الوميض أو كتلة اللهب لأنها يمكن أن تصيبك بالعمى… انبطح أرضًا وغط رأسك. إذا كان القصف في مكان بعيد عنك، فيمكن أن يستغرق الأمر 30 ثانية أو أكثر حتى تضرب موجة الانفجار هدفها»

هذه النصائح جزء من إرشادات وجهتها «وكالة الأمن الداخلي» في جزيرة غوام الأمريكية، بعدما هددت كوريا الشمالية بقصفها بصواريخ عابرة للقارات إثر تصاعد التوتر مع إدارة ترامب، إلى درجة أن ترامب وجه تهديدًا صريحًا بشن هجوم عسكري على كوريا الشمالية معتبرًا أن «الحلول العسكرية أصبحت جاهزة وقابلة للتطبيق بشكل كامل إذا لم ترتدع»، ومؤكدًا أن على المسؤولين الكوريين «أن يقلقوا جدًّا جدًّا» مما سيلحق بهم إذا فعلوا شيئًا ضد الولايات المتحدة.

استمر التصعيد الأمريكي الكوري، وقال الزعيم الكوري، كيم جونغ أون، تصريحه الشهير بأن «الزر النووي على مكتبه دومًا»، ليرد ترامب بأن لديه «زرًا نوويًّا أكبر وأقوى»، ولكن «عاصفة» التصريحات انتهت بهدوء غير مسبوق، بعدما قررا أن يخطوا خطوة وصفت بـ«التاريخية»، لإنهاء التوتر طويل المدى في العلاقات بين البلدين.

في يونيو (حزيران) 2018، التقى ترامب وكيم جونغ أون في سنغافورة، في أول لقاء من نوعه بين قادة البلدين، ووقَّعا وثيقة مشتركة في ختام القمة، لتتبعها قمة أخرى في العاصمة الفيتنامية هانوي، وصف فيها ترامب الزعيم الكوري بأنه «صديقه»، قبل أن يتكرر اللقاء للمرة الثالثة في أقل من عام، في المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين، حيث خطا ترامب الخط الفاصل بين الكوريتين في دلالة رمزية لبداية عهد جديد.

وأحد أهداف ترامب من هذا التحول في السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية الظهور بشكل مختلف عن سابقه وغريمه، الرئيس باراك أوباما، وركَّز على المخاطر التي تفرضها كوريا الشمالية على الولايات المتحدة. أراد ترامب أن يوصف بأنه «رجل سلام» نجح فيما فشل فيه أوباما، وسط تكهنات بأنه طمح إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام التي فاز بها أوباما عام 2009، وقد اتهم ترامب سلفه بأنه «تركه في وضع كارثي مع كوريا الشمالية كاد أن يقوده إلى الحرب»، معتبرًا أن لإدارته الجديدة دورًا أساسيًّا في نزع فتيل الأزمة، وبشَّر الأمريكيين بأن «بإمكانهم الآن أن يناموا مطمئنين».

من بوش إلى ترامب.. السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية

مثلت خطوات ترامب المتلاحقة للتهدئة مع كوريا الشمالية استثناء في سياسة الولايات المتحدة تجاه ذلك البلد المحاط باثنين من أهم حلفاء أمريكا: كوريا الجنوبية واليابان، وتصاعد عداء واشنطن لبيونجيانج مع تقدُّم الأخيرة في تثبيت قوتها النووية، وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 أعلن الرئيس الأمريكي، جورج بوش، في خطاب له كلًّا من حكومات العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، بأنها تمثل «محور الشر» في العالم.

وبعد إعلان بوش بعام واحد فقط، غزت الولايات المتحدة العراق وأطاحت نظام صدام حسين، ليكون ذلك مثالًا عمليًّا على ما يمكن أن تفعله إدارة بوش لأعدائها، ودقَّت أجراس الخطر في العاصمة الكورية وأسرع النظام الكوري بزعامة كيم جونغ أون في المشروع النووي الذي عده صمام أمان له ولنظامه، وفي 2006 أعلنت كوريا الشمالية انضمامها للنادي النووي وتجاهلت دعوات تفكيك المشروع النووي.

ظلت السياسة الأمريكية منذ عهد بوش وحتى نهاية عهد أوباما مستمرةً في خط واحد: تفرض أمريكا عقوبات على كوريا الشمالية، فتردُّ على واشنطن بالتصعيد، ثم يجلس الفرقاء إلى طاولة المفاوضات ومع فشلها تشدِّد الولايات المتحدة عقوباتها، وسمِّيت إستراتيجية إدارة أوباما مع كوريا الشمالية بالـ«التريث الإستراتيجي»، المعتمدة على سلاح العقوبات لعزل كوريا الشمالية حتى انهيار النظام تحت وطأة العقوبات، ومن ثم سيتمكن الأمريكيون من نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.

كانت تعد ولاية ترامب «شهر عسل» وفترة هدوء نادرة كسرت الجليد بين البلدين، ولكن سرعان ما عادت واشنطن للخط الإستراتيجي القديم: فقد صرح الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، أثناء حملته الانتخابية بأن كيم جونغ أون «سفاح»، وشبهه بالزعيم النازي أدولف هتلر، مؤكدًا أنه لن يقابله إلا إذا وافق على تقليص قوته النووية، وردَّت كوريا بأول مناوراتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة، بتجربة صاروخية وصفها بايدن بأنها انتهاكٌ لقرارات مجلس الأمن الدولي وحذَّر كوريا الشمالية من ردِّ الفعل إذا قررت التصعيد.

Embed from Getty Images

كيم جونغ أون يتحدى بايدن

رغم الهدوء الدبلوماسي بين البلدين في فترة ترامب، انتقدت بعض دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث الأمريكية سياسة ترامب، ورأت أن نتائج القمم المتعاقبة «فشلت» في التوصل إلى اتفاق يقلص من القدرات النووية الكورية، وعمليًّا منحت المزيد من الوقت لكيم جونغ أون ليسرِّع تصنيع أسلحته النووية.

وقد تأكدت هذه التقديرات بعدما قامت كوريا الشمالية بخطوتها الأخيرة؛ إذ أطلق الجيش الكوري ما وصفه بـ«صواريخ تكتيكية قصيرة المدى تجاه بحر اليابان»، بعد توقف نحو عام عن إجراء مثل هذه الاختبارات، وهذه أول تجربة خلال حكم الرئيس الأمريكي الجديد، الأمر الذي أثار انزعاج جيرانها الآسيويين، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية واليابان معتبرين الصواريخ تهديدًا جديًّا.

وجاءت الخطوة الكورية الشمالية، بعد أسبوع من انتهاء التدريبات العسكرية المشتركة بين الجيش الأمريكي ونظيره الكوري الجنوبي، وبعد أيام من انتقاد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، لـ«انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة وواسعة النطاق» في كوريا الشمالية، وتعهده بالعمل على نزع سلاحها النووي، وذلك أثناء زيارة أجراها إلى سيول رفقة وزير الدفاع، لويد أوستن، وهو ما عدته الجارة الشمالية استفزازًا فقررت الرد بلغة الصواريخ.

اقتصر الرد الأمريكي حتى الآن على الإدانة الكلامية والتهديد بـ«الرد» إذا واصلت الأخيرة تجاربها الصاروخية، وأكد مسؤولون أمريكيون أن سياسة الولايات المتحدة تجاه كوريا «تحت المراجعة» حاليًا، ودعت واشنطن لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة إلى الانعقاد فيما يبدو أنه عودة إلى السياسة القديمة التي لم تنجح حتى الآن في تحقيق هدفها الأهم: إسقاط النظام الكوري من جراء الضغط الاقتصادي الهائل الذي تفرضه العقوبات.

دولي

منذ سنتين
الشقيقة الصُغرى.. المرأة التي تحكم كوريا الشمالية من وراء الستار

المصادر

تحميل المزيد