قبل ساعات قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، البيت الأبيض وتنصيب بايدن رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة؛ رفعت الأجهزة الأمنية الأمريكية حالة التأهب القصوى في محيط كافة المنشآت الحكومية في جميع الولايات الأمريكية؛ مع التركيز بشكل كبير على نشر أفراد الحرس الوطني في العاصمة الأمريكية واشنطن.

ومنذ أقل من 24 ساعة، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» رسمًا تخطيطيًّا لعملية تأمين قوات الحرس الوطني شوارع واشنطن؛ والمفاجئ في الأمر أن الحرس الوطني اعتمد في خريطة تأمين واشنطن على بروتوكول المنطقة الخضراء والمنطقة الحمراء، الذي كان يطبق في تأمين تجمعات الجيش الأمريكي والأماكن الحيوية في بغداد أثناء غزو العراق.

«الكونجرس يشبه المنطقة الخضراء في بغداد، واليوم نملك قُوات في واشنطن أكثر من أفغانستان» *النائب الأمريكي سيث مولتن عن خريطة تأمين واشنطن

وتشير المنطقة الحمراء إلى المساحة التي يُحظر فيها السير مطلقًا لأي شخص غير أفراد قوات الحرس الوطني، بما في ذلك المسئولون الحكوميون، وضمت هذه المنطقة حتى الآن مبنى المحكمة الدستورية الأمريكية بالإضافة إلى معظم محطات قطارات الأنفاق القريبة من البيت الأبيض والمنشآت الحكومية.

أما المنطقة الخضراء فيسمح فيها بالحركة للمقيمين في المباني السكنية الواقعة فيها؛ فضلًا عن الأفراد الذين يعملون في مبانٍ ومؤسسات واقعة داخل المنطقة، وشملت حتى الآن هذه المنطقة البيت الأبيض ومبنى الكونجرس الأمريكي.

وتحاط كل منطقة بحراسة شديدة ونقاط تفتيش، ويفصل بينها سياج قوي أعلاه يوجد أسلاك شائكة وخلفها وأمامها يحميها مجموعة من أفراد الحرس الوطني الأمريكي المُكلف بعمليات التأمين ضد العنف المحتمل.

خريطة تأمين واشنطن وتوضح المناطق الخضراء والحمراء، مصدر الصورة «واشنطن بوست»

وفي سياق متصل، صرح الضابط المتقاعد ستانلي مكريستال، قائد العمليات الخاصة سابقًا بالعراق وأفغانستان، مُعلقًا على اقتحام الكونجرس: «لقد رأيت ديناميكية مماثلة في تطور القاعدة بالعراق، حيث كان هُنالك جيل من الشباب العربي الغاضب ومحدود الأفق، يتبع قيادة توعدهم بأنَّهم سيذهبون إلى مكانٍ أفضل. وقد جعلهم هذا القائد يتبنون أيديولوجية تبرر استخدامهم للعنف. هذا ما يحدث الآن في أمريكا». 

أنصار ترامب يثيرون الذعر.. والوضع الأمني في على المحك!

نجاح المتظاهرين في اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي يوم اعتماد الكونجرس نتيجة الانتخابات لصالح بايدن؛ كان يعد خطوة فعالة تجاه توحيد أصوات الجماعات المتطرفة التي أيدت دونالد ترامب؛ مما دفع الأجهزة الأمنية الأمريكية إلى تقصي أدنى نوع من أعمال العنف المحتملة خلال الأيام المقبلة، وبالتأكيد في يوم تنصيب بايدن.

فقد حذرت كافة وكالات الاستخبارات والأمن الأمريكية من هجوم محتمل يشمل البيت الأبيض، حيث سوف يجري تنصيب بايدن ونائبته كاملا هاريس، فضلًا عن حدوث اشتباكات أو تكرار مشهد اقتحام مبنى «الكابيتول» الذي يضم مجلسي الكونجرس (الشيوخ والنواب)، كما حدث في هجوم السادس من يناير (كانون الثاني) الجاري.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم على نظام الحكم الفيدرالي؛ الذي يسمح لكل ولاية أمريكية بتكوين سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية خاصة بها، لذلك بالإضافة لمبنى الكابيتول في العاصمة واشنطن، يوجد 50 مبنى آخر بالاسم نفسه واحد في كل ولاية يضم بداخله مجلسي الشيوخ والنواب الخاص المحليين.

Embed from Getty Images

أشتباكات الكابيتول في 6 يناير الماضي

وأشارت التقارير الأمنية إلى أن احتمالات حدوث اقتحام أو هجوم على كافة مباني «الكابيتول» في مجمل الولايات المتحدة الأمريكية. ففي ولاية أوكلاهوما التي يسيطر الحزب الجمهوري، الذي يمثله ترامب، على ناخبيها؛ طُلب من أعضاء الكونجرس المحليين عدم الحضور إلى مبنى «الكابيتول» بالولاية في نهاية هذا الأسبوع بسبب مخاوف بشأن احتجاجات محتملة.

أما ولاية أريزونا التي تحولت من التصويت للجمهوريين إلى الديمقراطيين في انتخابات 2020، شددت الحكومة الحراسة حول مبنى «الكابيتول» بدافع من الحذر الشديد، وفي جنوب الولايات المتحدة؛ طلبت شرطة ولاية أوريجون الدعم من قوات الحرس الوطني بسبب الخوف من حدوث شغب كبير يفوق قدرة شرطة الولاية في السيطرة عليه.

ومنذ ساعات قليلة تجمع عدد من المتظاهرين المؤيدين لدونالد ترامب في زي عسكري حاملين أسلحة في محيط مبنى «الكابيتول» في ولاية فيرجينيا الأمريكية، ولكن حتى الآن لم يحدث أي اشتباك مع قوات الحرس الوطني في الولاية.

أنصار ترامب في زي عسكري يحملون السلاح  في ولاية فيرجينا، مصدر الصورة «سي إن إن»

على جانب آخر، لا تعتقد الأجهزة الأمنية أن مباني «الكابيتول» أو المباني الحكومية الأخرى سوف تكون وحدها أهدافًا محتملة يوم تنصيب بايدن أو في الأيام المقبلة؛ بل يتوقع أن يحدث هجوم متعمد تجاه الأقليات العرقية، والدينية والصحافيين، وأعضاء «مجتمع الميم».

ورصدت التقارير الأمنية أنه منذ هجوم «الكابيتول»، تصاعد الخطاب العنيف على الإنترنت بشأن التجمهر والتظاهر يوم التنصيب المُنتظر، واستغل البعض حدوث إصابات ووفيات أثناء الاقتحام نتيجة للاشتباك مع الشرطة كي يطالبوا بالتظاهر يوم تنصيب بايدن لتحقيق «العدالة» لمصابي وقتلى هجوم «الكابيتول».

ففي أحد المنتديات الإلكترونية التي تتبعها المحققون، أشار تقرير أمني إلى أن مجموعة تطلق على نفسها اسم «أمريكان باتريوتس نيشن وايد» تنظم مظاهرة عنيفة في واشنطن ابتداء من يوم 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، وأنها تخطط لاستخدام أعضائها لتطويق مبنى «الكابيتول»، والبيت الأبيض والمحكمة العليا، والسماح بدخول الأشخاص الذين يحددهم ترامب فقط.

كما حدث في العراق وأفغانستان.. أعضاء الحرس الوطني تحت المجهر

قوات الحرس الوطني التي تملأ شوارع العاصمة الأمريكية في الوقت الحالي تخوفًا من حدوث هجوم آخر أثناء تنصيب بايدن؛ هي جزء من قوات الجيش التي تقوم بحماية الولايات الأمريكية، وهم لا يعملون بشكل دائم؛ بل معظمهم يعمل في وظائف مدنية بالولايات التي يعيشون فيها، ويلتزمون بأداء الخدمة العسكرية لمدة يوم واحد في كل شهر، ويجري استدعاؤهم في حالات الطوارئ فقط، كما هو الوضع حاليًا.

Embed from Getty Images

وليست المرة الأولى التي يجري استدعاؤهم فيها لتأمين العاصمة الأمريكية؛ فأول مرة كانت عام 2001 عقب هجمات سبتمبر (أيلول) التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وفي يونيو (حزيران) 2020، استدعاهم دونالد ترامب إلى واشنطن أثناء أعمال الشغب التي صاحبت صعود حركة «حياة السود مهمة»، التي ازدهرت عقب موت المواطن الأمريكي، جورج فلويد، تحت أقدام أحد عناصر الشرطة الأمريكية.

ويجري استدعاء عدد كبير من قوات الحرس الوطني الأمريكي في كل مرة يحلف فيها رئيس جديد اليمين الدستورية، ليسيروا أمامه عقب أدائه القسم الدستوري في مسيرة استعراضية حتى يصل إلى بوابة البيت الأبيض.

استدعت حكومة واشنطن المحلية في الأيام الأخيرة حوالي 25 ألف فرد من كافة الولايات المتحدة من أجل حماية واشنطن أثناء مراسم تنصيب بايدن ونائبته كاملا هاريس في يوم 20 يناير 2021. ويخضع الآن جميعهم للتحقيق والفحص؛ لأن وكالة الأمن والاستخبارات الأمريكية تخشى حدوث هجوم داخلي يقوم به أفراد الحرس الوطني بأنفسهم.

جدير بالذكر أن شروع الحكومة الأمريكية في فحص الحرس الوطني المشارك في تأمين واشنطن؛ جاء لأن التحقيقات أشارت إلى أن أحداث اقتحام مبنى «الكابيتول» يوم 6 يناير الجاري، شارك فيها 30 ضابطًا من الحرس الوطني، وألقي القبض على بعضهم بالفعل مِمَن اقتحموا المبنى أو اشتركوا في أعمال العنف التي جرت في محيطه.

وعلى الرغم من أن بول مورفي، رئيس وكالة المباحث الفيدرالية الأمريكية (FBI) وصف ما يحدث بأنه فقط إجراء احترازي لمضاعفة مقاييس الأمان والحماية؛ فإن تطبيق فحص جنود أمريكيين لا تحدث إلا في ساحات الحروب مثلما حدث في العراق وأفغانستان.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ هجوم «الكابيتول»، لم تحدث أي أعمال شغب أو عنف أو أي نشاط كبير مثير للشبهات في واشنطن؛ باستثناء ثلاثة أشخاص ألقت قوات الحرس الوطني القبض عليهم في نقاط تفتيش في واشنطن لحملهم أسلحة بدون ترخيص رسمي من الحكومة الأمريكية. 

دولي

منذ 11 شهر
«الإندبندنت»: حتى بعد رحيل ترامب.. أفكار اليمين الشعبوي لن تختفي من أوروبا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد