تعكس اختيارات جو بايدن رئيس أمريكا المُقبل لوزرائه المحتملين، عقب تنصيبه في يناير المُقبل، صورة أدق وأكثر تفصيلًا لسياسات الرجل نحو القضايا الكُبرى المتصلة بالشأن الداخلي الأمريكي، أو الخارجية الخاصة بمناطق نفوذ واشنطن.

والشرق الأوسط هو أحد أبرز هذه المناطق التي ترتهن مصائر قضاياها الكُبرى دومًا بالاستراتجية الأمريكية المتبعة تجاهها؛ وهو أحد الأسباب التي تجعل من وزراء بايدن، ممن سيكونون أذرعًا تنفيذية لسياسات المُرشح الديمقراطي نحو هذه المنطقة، محل ترقب مشوب بالقلق والحذر من جانب قادة الدول العربية.

يحاول التقرير التالي التعرف على أبرز أسماء وزراء بايدن المُحتملين ممن تتقاطع مهامهم مع قضايا الشرق الأوسط وهما تحديدًا وزراء الخزانة والخارجية والدفاع، وكيف ستعكس خلفياتهم الأيدولوجية وخبراتهم السياسية سياسات بلادهم تجاه هذه المنطقة التي شهدت اضطرابات كبرى في عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وخصومات بين حلفاء الولايات المتحدة، وتغييب لقضايا حقوق الإنسان.

فحص المرشحين على قدم وساق

يعمل أحد فرق الحملة الانتخابية للرئيس المُقبل لأمريكا جو بايدن على فحص أسماء عدد من مرشحي المناصب الوزارية في إدارة المرشح الديمقراطي، وسط توقعات بالانتهاء من عملية الفحص، وعرض الأسماء النهائية المحتملة لهذه المناصب على بايدن خلال الأيام المُقبلة.

وتذهب التوقعات إلى تنوع أسماء المرشحين وخلفياتهم، محاولةً من جانب بايدن للحفاظ على تحالفاته من خلال ترشيح مزيج من التقدميين والمعتدلين وحتى بعض الجمهوريين، وضم كذلك بعض الوجوه الجديدة إلى جانب الموالين لبايدن منذ فترة طويلة، وسيحظى المختارون لهذه المناصب بصلاحيات واسعة وحرية حركة بسبب كبر سن بايدن.

من هُم المرشحون ليكونوا وزراء بايدن في الخزانة والخارجية والدفاع؟

تنتمي غالبية الأسماء المرشحة باعتبارهم وزراء محتملين في ولاية بايدن إلى إدارة الرئيس السابق باراك أوباما؛ إذ شغل معظمهم مناصب رسمية خلال ولاية الأخير، ونُسبت لهم أدوار كبرى في تنفيذ سياسات أوباما. على رأس هذه الأسماء التي ارتفعت أسهمها وحظوظها لشغل منصب وزير الخارجية هو أنتوني بلينكين، الذي درس بجامعة هارفارد، وتخصص في القانون بجامعة كولومبيا.

وعلى مدار الثلاثة عقود الماضية، عمل بلينكين في وزارة الخارجية حتى شغل منصب نائب لوزير خارجية بلاده خلال ولاية أوباما، ويُنسب له أدوار كبيرة في عدد من الملفات بين عامي 2015 إلى 2017، مثل محاربة «تنظيم الولة الإسلامية» (داعش) وإعادة التوازن إلى آسيا ومهامه تجاه أزمة اللاجئين العالمية.

ويُعزز من هذا الاختيار المحتمل الشعبية والنفوذ الواسع لمستشار أوباما السابق داخل وزارة الخارجية بفعل نجاحه في قيادة نقلة نوعية لبيئة العمل داخل الخارجية الأمريكية، بعدما بنى جسورًا لمجتمع الابتكار، وخلق وجودًا لوزارة الخارجية بدوام كامل في وادي السيليكون. وأطلق منتدى وزارة الخارجية للابتكار، الذي يحشد المبتكرين والتقنيين في حل مشاكل السياسة الخارجية المعقدة.

أمر آخر يرجح من فرصة بلينكين لتعيينه في هذا المنصب تفضيل بايدن أن يكون الوزير الجديد خدم قبل ذلك في الخارجية، ولا يحتاج لوقت طويل للتدريب وكسب الخبرة، على خلفية تصدر أزمتي جائحة الفيروس التاجي والمشاكل الاقتصادية التي نتجت عنه.

الاسم الآخر المُرشح لهذا المنصب هو سوزان رايس، التي كان يُدرس خوضها معه الانتخابات نائبةً، والتي تُعد من أقوى المرشحين لمنصب وزيرة الخارجية، ورايس هي السفيرة الأمريكية السابقة للأمم المتحدة التي انتقلت للعمل مع إدارة أوباما مستشارةً للأمن القومي الأمريكي، وكانت على بعد أمتار من اختيارها منصب وزير الخارجية آنذاك لولا اعتراض الكونجرس بسبب التعليقات التي سبق أن أدلت بها حول الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي الليبية في سبتمبر (أيلول) 2012.

وتعود وقائع هذه التصريحات حين ظهرت سوزان رايس في برنامج تلفزيوني بعيد الهجوم قالت فيه إن الهجوم ناجم عن مشاعر مناهضة للولايات المتحدة وليس «الإرهاب». وقد تُضعف هذه التصريحات فرص رايس، مرة أخرى، عند اختيارها للمرة الثانية بسبب معارضة الجمهوريين القوية المحتملة لتعيينها في هذا المنصب.

المنصب الوزاري الآخر الذي تتقاطع مهامه مع قضايا الشرق الأوسط هو منصب وزير الخزانة والذي يُرجح أن يرشح لشغله ليل برينارد عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الاتحادي وسارة بلوم راسكين الوكيلة السابقة لوزارة الخزانة، وترتفع حظوظ برينارد في ضوء التوافق القائم عليها من جانب الجمهوريين والديمقراطيين.

أحد الوجوه المحتملة لمنصب وزير الخزانة، التي تتساوي فرصها مع الأخيرة هي أراسكين في ضوء خبراتها السابقة بوصفها نائبة وزير الخزانة الأمريكية، والتي يُرمز لها دومًا بأنها «الفذة» التي نجحت في تعزيز سياسة الأمن السيبراني في القطاع المالي، وتطوير العناصر الأساسية للأمن لمواجهة التهديدات المتكررة والمتطورة بشكل متزايد.

بينما تُعد ميشيل فلورنوي، وكيل وزارة الدفاع الأسبق للسياسة، المرشحة الأولى لقيادة البنتاجون، والتي برز اسمها على العديد من القوائم المختصرة لأسماء أبرز المرشحين لمنصب وزير الدفاع، وهذه ليست المرة الأولى التي يبرز اسمها مرشحةً لهذا المنصب، حيث سبق ترشيحها عام 2014 لخلافة هاجل بوزارة الدفاع الأمريكية، كما كانت الاختيار الأول لهيلاري كلينتون حال فوزها عام 2016، وشغلت فلورنوي، في السابق، منصب المساعد الأول لوزير الدفاع لشؤون السياسات، وهي أول سيدة بالتاريخ تصل لهذا المنصب، الذي يعتبر أعلى درجة تصل إليه سيدة في البنتاجون بالتاريخ.

كيف سيؤثر مرشحو حكومة بايدن في الشرق الأوسط؟

الحديث عن التأثيرات المحتملة لتنصيب بايدن واختيارات وزرائه في الشرق الأوسط قضية تحظى بأهمية كبيرة عند قادة الدول العربية، وشعوبها الذين ينتظرون سياسة واشنطن الجديدة تجاه أزماتهم، كل من حسب موقعه.

ويعزز من أهمية هذا التأثير الإشارات المتكررة من بايدن عن تصميم سياسة تخالف استراتيجية سلفه، إلى جانب التسريبات التي تؤكد أن الرجل عازم على تغيير مؤثر في سياسة بلاده بالشرق الأوسط في ضوء فهمه العميق، وهو ما يتقاطع مع توجهات أغلب مرشحيه من الوزراء في هذه المناصب ممن سيكونون أذرعًا تنفيذية لهم.

أحد هذه العلامات على التحول الكبير والتغير المؤثر المحتمل هو ما يصدر عن الرجل في الاجتماعات المصغرة التي تجمعه بعدد من المستشارين، والتي تؤكد أننا بصدد تحول في السياسة يدفع نحو مزيد من الانخراط الأمريكي في قضايا الشرق الأوسط التزامًا بدورها القيادي الذي ينبغي أن يكون مبنيًا على تحالفات تكون فيها الولايات المتحدة على رأس الطاولة وليس الانكفاء على مشاكلها الداخلية، كما ذكر في مقال سابق له.

القضية الثانية التي ستشهد تحولًا حقيقًا، بحسب أحاديث الرجل مع دائرة مصغرة، هي قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي أكدها مأمون فندي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون، والذي أُتيح له فرصة لقاء جو بايدن أكثر من مرة في إطار جلسات استشارية، قائلًا: «يجب أن نتوقع أن ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان سيكون أولوية في نظرة بايدن للشرق الأوسط وسيدفع باتجاهها بقوة لم نعرفها من قبل، فرغم أن بايدن يبدو هادئًا مع تقدمه في العمر فإنه شخصية شديدة الحماسة فيما يخص ما يعتقده صوابًا، لا يترك أمرًا إلا وينهيه»، وتتقاطع استراتيجية الرجل نحو قضايا الشرق الأوسط مع أفكار وتصورات أبرز المرشحين للمناصب الوزارية.

على سبيل المثال، انتقدت ميشيل فلورنوي، المرشحة الأولى لمنصب وزيرة الدفاع في إدارة بايدن، سياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب لتخليه عن سوريا لروسيا وإيران وحزب الله، حيث ترى أن واشنطن اكتفت بفرض عقوبات على مسؤولين في سوريا، بينما لم تنخرط على الأرض في سوريا وهو ما أدى لغيابها عن المفاوضات باعتبارها لاعبًا رئيسيًّا يدفع نحو تغيير حقيقي لأنشطة الميلشيات الإيرانية بحسبها.

وترى فلوروني ضرورة استخدام «قوة محدودة» في إشارة لاستخدام محتمل للقوة العسكرية مع مزيد من الدبلوماسية حتى تعود واشنطن لاعبًا رئيسيًّا في الأزمة السورية، يفرض حضوره، وهي تتفق أيضًا في أهمية العودة بإيران للاتفاق النووي الإيراني، باعتبارها الضمانة الأكيدة لتخلي طهران عن الأسلحة النووية.

تتقاطع هذه التصورات مع تصورات المُرشح الأول لمنصب وزير الخارجية الأمريكي توني بلينكن، الذي يرى أن بلاده ينبغي أن تعود للشرق الأوسط، وأهمية بقاء قواتها بعدد من مناطق النزاع الحالية في الشرق الأوسط، فهو يرى، على سبيل المثال، أن انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا «خطأ كبير» انتهي بمحو نفوذ واشنطن في سوريا، كما يعتقد أن التخلي عن الأكراد أحد نقاط الضعف الكبرى في سياسة إدارة ترامب نحو سوريا.

هذه القناعة بمزيد من الانخراط في القضايا أو النزاعات أو حتى في المؤسسات الدولية يرجعها مستشار أوباما السابق إلى أن الانسحاب سيؤدي لفراغ سيملأه دول منافسة، وهو يتفق، أيضًا، مع رأي وزيرة الدفاع المحتملة في إدارة بايدن، من أن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي «بالفشل الكبير»، ويدلل على هذا الفشل بأن سياسة ترامب أدت لنتائج عكسية من خلال ارتفاع الأعمال الاستفزازية على حلفاء واشنطن، وإعادة تشغيل بعض الجوانب الخطيرة في برنامجها النووي.

من جانبه، يقول جاسم بديوي، أستاذ عراقي يعمل حاليًا أستاذًا زائرًا في جامعة كاليفورنيا، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أن التغييرات ستكون «مؤثرة وكبيرة»، ولن تكون دعائية، مؤكدًا على أن هؤلاء الوزراء لن يندفعوا لصدام وشيك، أو قطيعة مع حلفائهم في الشرق الأوسط، لكنهم سيتبعون أدوات مختلفة لتنفيذ استراتيجية بايدن.

ويضيف بديوي أن الأسماء المرشحة للمناصب الحكومية هي من نفس خلفية المرشح الديمقراطي، ويحمل غالبيتهم تصورات مشتركة، كما خدم أغلبهم معه خلال ولاية أوباما، وهذا ما سيعزز هذا التأثير، ويؤكد أن النظر فيما فعلته هذه الأسماء المرشحة خلال شغلهم للمناصب ورفض بعضهم العمل مع ترامب كحال وزير الدفاع المحتملة تعزز احتمالية تغير في السياسات.

عامل آخر يدفع نحو مضي واشنطن لتغيير حقيقي في سياسة الوزراء المحتملين ممن ستتقاطع مهامهم مع أزمات الشرق الأوسط هو «آراء بايدن الواضحة التي تصل إلى حد القناعة التي يصعب زحزحتها» نحو منطقة الشرق الأوسط كما ينقل فندي، الباحث السياسي في مقاله المنشور بصحيفة «الشرق الأوسط».

المصادر

تحميل المزيد