هل نحن في الطريق لإنهاء الحرب في اليمن؟ أم أنها مجرد خطوة أولى والطريق ما يزال طويلًا أمام الحل السياسي؟ ربما سيشهد اليمن تحركًا سياسيًّا واسعًا هذا العام، خاصة بعد الخطوات الأمريكية الجديدة؛ إذ من الواضح أن الرئيس الأمريكي الجديد، قد حدد أولويات بلاده في الشرق الأوسط وحصرها حاليًا في اليمن وإيران، ولم يقم بخطوات توصف بالمهمة في سوريا والعراق وحتى فلسطين.

ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ربما باتفاق جديد، أو بالعودة للاتفاق السابق، فإنه على ما يبدو سيجري طرح الملف اليمني على طاولة التفاوض للحصول على تنازلات من قبل الإيرانيين، الذين يدعمون جماعة الحوثي بشكل كبير، ويعدون الحليف الأول لهم.

ربما يكون الملف اليمني هو الأسهل حلًّا بين كل الملفات العالقة في الشرق الأوسط، فمجال المراوغة فيه لأمريكا واسع على عكس الملف السوري على سبيل المثال، حيث يوجد فيها العديد من اللاعبين الدوليين الذين لن يسمحوا لأمريكا باللعب وحدها فيه، لعل ذلك ما جعل واشنطن تتجه لإيجاد حل في اليمن، لعلمها أنه ممكن إذا تم التقارب مع إيران.

أما الأوراق التي تملكها السعودية والإمارات أو التحالف العربي، فربما كانت جميع الأوراق التي بيدهم، هي بيد أمريكا نفسها، فبدون دعم واشنطن لهم لن يتمكنوا من تغيير الواقع لصالحهم، بل ربما يتغير ضدهم، فلذلك ربما تجد الرياض وأبوظبي نفسيهما تجدفان في القارب الأمريكي.

كيف يستقبل الحوثيون خطوات بايدن؟

حدت الولايات المتحدة من تبادل المعلومات الاستخباراتية مع المملكة العربية السعودية، وقيَّدت دعمها الاستخباري والاستشاري التكتيكي للعمليات التي يشنُّها التحالف العربي في اليمن، بما في ذلك صفقات بيع الأسلحة ذات الصلة.

وكانت الخطوة التي ربما يفهم منها سحب أمريكا للملف اليمني من يد السعودية، هي تعيين «تيموثي ليندركينج» مبعوثًا خاصًّا لها إلى اليمن لأول مرة، بعد أن كان هذا الملف بالكامل بيد الرياض، وكانت واشنطن عبر إدارتيها السابقتين (باراك أوباما ودونالد ترامب) تتعاملان مع هذا الملف عبر تعاونها العسكري والمخابراتي مع السعودية فقط.

الإعلامي والباحث اليمني ورئيس تحرير موقع «الموقع بوست» الإخباري المستقل، عامر الدميني، في حديثه لـ«ساسة بوست» يقول إن «تعيين واشنطن لمبعوث جديد لها في اليمن، هو مؤشر واضح على نيتها الدخول والحضور بشكل أكبر في ملف اليمن، واستعادة الدور الفاعل لها في المنطقة، بعد التراجع الذي حصل إبان عهد دونالد ترامب، خاصة أن المبعوث الجديد له علاقة بالمنطقة من وقت طويل، ويعلم تعقيدات الأوضاع، وقدرات كل الأطراف».

Embed from Getty Images

ويضيف الدميني أن «هذا التعيين للمبعوث يترافق مع تحركات واشنطن لوقف الدعم العسكري للرياض، مما سيمكن واشنطن من إحكام قبضتها، وهندسة الوضع من جديد في اليمن وفقًا لرؤيتها، وأعتقد أن هذا أمر إيجابي؛ إذ إن الحضور الأمريكي سيكون في المقدمة، ويلجم باقي الأدوار، وهذا بحد ذاته سيجنب اليمن الأقطاب المتعددة التي تحاول أن تضع لنفسها قدمًا في البلد».

كما حذفت أمريكا اسم ميلشيات الحوثي من «قائمة الإرهاب»، بعد تسلم جو بايدن ولايته الرئاسية، بعد أن قام ترامب بوضعهم وتصنيفهم في القائمة قبل مغادرته للبيت الأبيض، وذلك بسبب معارضة واضحة من قبل هيئات ومنظمات إنسانية لهذا التصنيف لما سيجره من صعوبات أمام تدفق المساعدات لليمنيين في مناطق الحوثيين، حسب رأيهم.

«تطرقنا في ساسة بوست بتقرير مفصل عن الأثر الذي سيخلفه تصنيف ميلشيات الحوثي ضمن قوائم الإرهاب، وأجرينا مقارنة بين مناطق خاضعة لسيطرة جماعات مصنفة على «قوائم الإرهاب» مثل إدلب (هيئة تحرير الشام)  وغزة (حركة حماس)، وهل العقوبات الدولية أثرت في هذه المساعدات؟».

دولي

منذ 10 شهور
لماذا ترفض المنظمات الأممية وضع جماعة الحوثيين على قوائم الإرهاب؟

هذه الخطوات الأمريكية لحقتها دعوات أمريكية لجماعة الحوثي بوقف فوري للهجمات التي يتأثر بها المدنيون في المناطق السعودية، والامتناع عن شن أي عمليات عسكرية جديدة داخل اليمن، وذلك لإظهار التزامهم بحوار بناء مع جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن (مارتن جريفيث) لإحلال السلام، كما أن البرلمان الأوروبي يبحث مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار باليمن ولمفاوضات تفضي لتسوية شاملة وإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وعلى الرغم من الدعوات الأمريكية والأوروبية والخطوات المهمة التي اتخذتها إدارة بايدن في سبيل تعبيد الطريق أمام التهدئة العسكرية، فإن جماعة الحوثي تواصل هجماتها الداخلية والخارجية، وذلك في تجاهل واضح وربما عدم قبول بالتهدئة مع التحالف العربي والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

أعلن التحالف العربي تدمير أربع طائرات مسيرة مفخخة أطلقتها جماعة الحوثي باتجاه السعودية، منذ صباح الأحد الماضي، كما عززت الجماعة من قواتها في محيط مدينة مأرب، وشنوا هجومًا كبيرًا على مناطق الحكومة الشرعية، سقط فيه عشرات القتلى والجرحى في صفوف الجانبين، هذه الهجمات لاقت استنكارًا وإدانة واسعة من الأطراف الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأمريكا، فهل يتراجع الحوثيون عن التصعيد، أم أنها رسالة تريد إيصالها للأطراف الدولية؟

Embed from Getty Images

الحوثيون يستعرضون عضلاتهم.. فرص السلام المعدومة

يرى عامر الدميني أن «تصعيد جماعة الحوثي في مأرب وتكثيف هجماتها على السعودية بعد الموقف الأمريكي، هي رسالة أرادت الجماعة إيصالها للمجتمع الدولي والأطراف الفاعلة بأنها ما زالت قادرة على التحرك وتمتلك خيار المواجهة وزمام الأمر، وأن كل المتغيرات الدولية تخدمها، وأنها قادرة على البقاء والمناورة، ولم تتأثر بالتصنيف الأمريكي لإدارة ترامب بوصفها جماعة إرهابية».

بينما رأى الباحث العسكري اليمني، علي الذهب، في تصريحاته لوكالة الأناضول التركية أن قرارات بايدن لن يكون لها التأثير الكبير في مسار الحرب؛ إذ يضع كل طرف شروطًا معقدة لتحقيق السلام، فالحوثي يطالب بوقف الضربات الجوية ورفع الحصار وإعادة فتح مطار صنعاء، في حين تشترط «الشرعية» تطبيق المرجعيات الثلاثة، والتي تقود إلى بدء عملية سلام، بشرط تخلي الحوثيين عن العمليات العسكرية تمامًا، وتسليم السلاح الذي بحوزتهم.

عربي

منذ 11 شهر
هل يكون 2021 عام انتهاء الحرب اليمنية؟

ويعتقد الذهب أن العمليات العسكرية بين قوات الشرعية والحوثيين لن تتراجع بشكل كبير، بينما ستتأثر دقة الضربات الجوية السعودية بسبب توقف الإدارة الأمريكية عن التعاون الاستخباراتي معها، ولفت إلى أن تعهد بايدن بالدفاع عن السعودية سيفتح الباب للتزود بالأسلحة في حال تعرضها لهجمات صاروخية متواصلة مع قبل الحوثيين.

واعتبر المدير التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، السيد ماجد المذحجي، في تغريدة له على موقع «تويتر» أن الحرب لن تنتهي لأن أمريكا أوقفت دعمها للسعودية، ولفت إلى أن أي مسار سياسي لإنهائها سيخط نفسه وسط التوازنات الهشة لأطراف الحرب المحليين والإقليميين، ولذلك سيكون مسارًا متقلبًا وغير مضمون، معتبرًا أن الحرص على إخراج السعودية وحدها من هذه الحرب لن يضمن انتهاءها.

كما أن الملفات الكثيرة والتي تحتاج لجولات ماراثونية من المفاوضات بين الأطراف الداخلية والخارجية، قد تعقد المشهد أكثر، بداية من ملف إعادة الإعمار الذي يبدو أن السعودية تصر على الاستحواذ عليه، إلى ملف الموانئ والجزر والفيدرالية، وأيضًا السلاح، والأصعب هو التوافق على حكومة تجمع الثلاثة فرقاء (الحكومة الشرعية، والمجلس الانتقالي، والحوثيون)، وفي الحقيقة يبدو أنه ليس لدى أي من الأطراف نية في التنازل للوصول إلى حل وسط حتى الآن.

وعلى الجانب الآخر فقد كانت تصريحات كلٍّ من السعودية وإيران دبلوماسية، وحتى تصريحات الفرقاء الثلاثة اليمنيين، فقد رحبوا بالخطوات الأمريكية ودعوا للبدء بعملية سياسية لحل الأزمة اليمنية؛ إذ أعلنت الرياض وقف إطلاق النار بشكل أحادي، بينما أكدت طهران للمبعوث الأممي إلى اليمن «مارتن جريفيث» الذي زار إيران مؤخرًا، أهمية الاعتراف بحكومة الحوثيين، وأن أي مبادرة يجب أن تبدأ بوقف الحرب، وإعلان هدنة، وإنهاء الحصار.

Embed from Getty Images

ورأت الكاتبة والباحثة اليمنية «ميساء شجاع الدين» في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية أن للحرب اليمنية بُعدين: الأول محلي والثاني إقليمي؛ إذ تعتقد أن الثاني هو ما يجري التركيز عليه، وحله وارد وبقوة بين السعودية وإيران.

أما فيما يخص البعد المحلي فترى ميساء شجاع الدين في حديثها لـ«ساسة بوست» أنه صعب التنفيذ في ظل رجحان قوة طرف يتعامل مع الأمور بمنطق الغلبة، لذلك حتى لو جرى ترقيع بعض الحلول مثل حكومة وحدة وطنية، فهي لن تصمد طويلًا ولن تنجح في خلق استقرار طويل الأمد.

وتضيف أن المصالحة بين السعودية وحليف إيران (الحوثيين) بدرجة أساسية، ولكن لحفظ ماء الوجه لا بد أن تترافق بترتيبات داخلية مثل حوار (يمني- يمني) وحكومة وحدة وطنية، واستدركت بالقول إن أي صيغة مصالحة بين اليمنيين مع غلبة القوة العسكرية لصالح طرف ما، سيصعب افتراض استمرارها بعد انسحاب السعودية من الحرب، وسيكون بعدها صراع محلي بين ميلشيات بالوكالة مثل ميلشيات مدعومة من إيران، وأخرى من الإمارات، وثالثة من السعودية.

كيف تغير المشهد بعد رفع الدعم الأمريكي عن السعودية؟

اعتمدت أمريكا سابقًا في عهد ترامب وأوباما في تعاملها مع اليمن على السعودية فقط، حيث اعتبرتها البوابة الرئيسية للتعامل مع هذا الملف، ولكن الآن باتت تريد انخراطًا أوسع، وربما تُمسك بزمام الأمور كاملة، للحصول على مزيد من أوراق الضغط على الإيرانيين في الاتفاق النووي.

الاهتمام الأمريكي باليمن دون سواها من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، يظهر مدى الرغبة الأمريكية لجر طهران إلى طاولة المفاوضات، وإذا حصلت أي تسوية سياسية في اليمن، وكانت هذه التسوية قد خرجت من رحم المفاوضات بخصوص النووي الإيراني، فإنها ستكون بطبيعة الحال من مصلحة التحالف الإيراني الحوثي.

كما اعتمدت أمريكا في عهد ترامب على تسليم الملف اليمني بالكامل للسعودية، وكانت صفقات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي هي العنوان الرئيسي لهذه الفترة؛ إذ نفذت السعودية مئات الغارات الجوية على مواقع ومقرات عسكرية تابعة للحوثيين بناء على معلومات أمريكية، أما الآن وقد أغلق بايدن هذا الباب، فمن المتوقع أن تنخفض عدد الغارات السعودية، وهو ما سيسهم بالتأكيد بقوة الحوثيين خاصة الصاروخية، والتي كانت الهدف الأهم للغارات السعودية، ما قد يهدد أمن السعودية أكثر، وقد تؤدي أيضًا لمزيد من خسارة «الحكومة الشرعية» لمناطقها.

اعتبر عامر الدميني في حديثه لـ«ساسة بوست» أن السبب الرئيسي للحرب في اليمن هو الدعم والضوء الأخضر الأمريكي إبان حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما، فقد شهدت فترة دونالد ترامب دعمًا مفتوحًا من واشنطن للرياض وأبوظبي، الذي ساهمت إدارته بشكل كبير في إعاقة المسار الدبلوماسي الفاعل للحكومة الشرعية.

يضيف أن «ترامب منح السعودية والإمارات حرية التحرك والتصرف والعبث بالملف اليمني، بسبب صفقات السلاح التي أبرمها مع الرياض وأبوظبي، وبالتالي فوقف الدعم الأمريكي للدولتين سيؤثر بشكل كبير في أدائهما العسكري في اليمن، مما سيقود إلى وضع مختلف، ويدفع بعجلة السلام والحلول السياسية»، حسب الدميني.

Embed from Getty Images

من جانبها تعهدت أمريكا بدعم السعودية والدفاع عن أراضيها ضد هجمات الحوثيين، وهي رسالة تطمين للرياض، قد يفهم منها أن الكرة أصبحت في ملعب الحوثيين والإيرانيين في حال رغبوا بحل سياسي، وفي حال واصلوا الاستفزازات والهجمات، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع واشنطن عن قراراتها الأخيرة، وإعادة النظر فيها.

وعلى الرغم من أن شعار الحوثي المعروف، والذي يبدأ بـ«الموت لأمريكا وإسرائيل واللعنة على اليهود»، والذي يستخدم في كل المناسبات والمؤتمرات الحوثية، هو شعار استعداء واضح لأمريكا، فإن أمريكا لم تضع الحوثيين على قوائم الإرهاب سوى لأسبوعين فقط وجرى رفعهم على الفور، فهنا المصالح تتحدث، أما الشعارات فلا مكان لها في السياسة، وربما نشهد جلوس المبعوث الأمريكي «تيموثي ليندركينج» إلى جانب قيادات من الحوثيين قريبًا.

 

المصادر

تحميل المزيد