تسعى الحكومة الصينية منذ عام 2003 إلى تطوير نظام الائتمان الاجتماعي الجديد لشعبها، الذي تعمل عليه شركة «Alibab»، وشركة «Tencent»، اللتان تقومان بتشغيل كل مواقع التواصل الاجتماعي الصينية، وعلى الشركتين العمل في هذا المشروع عن طريق جمع كل المعلومات الشخصية عن المواطنين، وتحليلها، ودمجها بنظام يسمح بتحويل تلك المعلومات إلى عدد نقاط.

تحتوي تلك النقاط على الوضع المادي والاجتماعي، وأيضًا الوضع القانوني للأفراد، فمن خلال تلك النقاط يمكن التحكم في المواطنين ومعاقبتهم في أي شيء بدء من عدم سداد القروض إلى انتقاد الطبقة الحاكمة، ومن مخالفة قواعد المرور إلى الإهمال في رعاية الوالدين، فكل ذلك سوف يؤدي إلى فُقدان نقاط.
تقوم حاليًا الحكومة الصينية بتطبيق هذا النظام بشكل اختياري؛ حتى تصل إلى عام 2020، ويتم تطبيقه حينها إجباريًا، وسوف يكون هناك قاعدة بيانات وطنية واسعة تجمع المعلومات المالية والحكومية، بما في ذلك المخالفات القانونية.

أصوات المُعارضة «إصدار جديد من الأخ الأكبر»

يُعلق الكاتب والروائي الصيني « «Murong Xuecun، على هذا النظام الجديد قائلًا «إن الصين تتجه نحو مجتمع شمولي يقوم على القوانين الحكومية التي تتدخل في الحياة الشخصية للمواطنين، كالأخ الكبير في رواية جورج أورويل الذي لديه كل المعلومات الخاصة بك، ويمكن أن يؤذيك بأي طريقة يريدها».

حاز «Xuecun» على متابعين كُثر في مدونته على موقع «Weibo» بعد انتقاده للحكومة، وقد صرح بأنه يشعر بالخوف من ذلك النظام الذي سيكون خطرًا على أولئك الذين يجرؤون على التحدث عن الحكومة في مواقع التواصل الاجتماعي، فيمكن للحكومة أن تقوم بخصم عدد من نقاطهم، وتمنعهم من ممارسة حياتهم، فلا يمكنك حتى أن تحجز تذكرة طيران لتغادر البلاد.

يُشير موقع «واشنطن بوست» إلى أن الحكومة الصينية تسعى للسيطرة الكاملة على الرأي العام، وقد أثار تفعيل نظام النقاط تجريبيًا في جنوب الصين عام 2010 رد فعل عنيف ضد الحكومة. تم ذلك المشروع التجريبي في مقاطعة جيانعسو، وقد تم إعطاء 1000 نقطة لكل مواطن؛ نظير حسن السير والسلوك، وفي مقابل ذلك ستُكلفك الانتهاكات البسيطة في المرور 20 نقطة، في حين إن القيادة بدون ترخيص، وقيادة المخمورين للسيارة، ودفع الرشوة، سيُكلف 50 نقطة.

أظهرت بعض العقوبات رغبة «الحزب الشيوعي» في تنظيم الحياة الخاصة للمواطنين: فأي فعل يُظهرعبادة طائفة معينة، أو التقصير في رعاية الوالدين، سيتكبد مُرتكبه عقوبة قدرها 50 نقطة، وقد عكست عقوبات أخرى هاجس الحزب للمحافظة على النظام، وسحق أي تحدٍّ لسلطتهم، فأية محاولة للإضرابات أو تعطيل المصالح الحكومية، بأي شيء سوف يُكلف الشخص خسارة 50 نقطة، أما استخدام الإنترنت للترويج لأي اتهامات باطلة ضد الحكومة سيُكلف 100 نقطة. ويفوز المواطن المتحضر من وجهة نظر الدولة، أو العامل الجيد، بجائزة «الشرف الوطني»، والتي يأخذ نظيرها 100 نقطة.

طبقًا لذلك يتم تصنيف المواطنين إلى أربعة مستويات، أفضلها هو المستوى (A)، وهو مستوى المواطن الكفء الذي يدعم الحكومة، وبحصوله على هذا التقييم، يمكن أن يتم الاستعانة به في المشاريع الجديدة، ويحق له الانضمام للحزب أو الجيش، وأسوأ هذه المستويات هو المستوى (D)، وهم المواطنون الذين يتم استبعادهم من الدعم الحكومي؛ لعدم فائدتهم، وسوء سلوكهم، من وجهة نظر الدولة.

صرحت حكومة مدينة سونينغ أنها تعمل على تعديلات في المشروع، وقد رفضوا الحديث عن تعديلات تخص بند تقسيم المواطنين إلى مستويات من (A) إلى (D).

ويقول «ليستر روس» المسئول عن مكتب «WilmerHale» للمحاماة في بكين «إن الحكومة تقوم بتصميم تلك القواعد لمنع أي شخص من الخروج عن الخط التي رسمته الدولة، ففي أعقاب الثورة الثقافية في الصين قام (ماوتسي تونغ) بتقسيم أعداء الثورة إلى خمس فئات، من ضمنهم: أصحاب الأملاك والمزارعين الأغنياء واليمينيين في الدولة؛ الذين خاضوا سلسلة طويلة من الاضطهاد وإعادة التأهيل».

حلقة على موقع يوتيوب تسخر من إجراءات حكومة الصين Mr.Anderson

بثت قناة China Uncensored أحد المقاطع التي تنتقد النظام الجديد، وعلقت على الفيديو بالقول إن كوابيس جورج أورويل أصبحت حقيقية.

إيجابيات نظام النقاط

تُصرح الحكومة إن نظام الائتمان الاجتماعي هو محاولة للسيطرة على اقتصاد السوق للصين، الذي تسوده الفوضى، وسوء التنظيم، وتقول إن هذا النظام سيُعاقب الشركات التي تبيع المواد الغذائية الفاسدة أو الأدوية المزيفة، ويفضح أولئك الذين يحصلون على رشاوى، ويكشف المحتالين على الضعفاء.

تهدف الحكومة ـ بحسب ما تقوله ـ إلى مراقبة ذلك النوع من الشركات التي قامت بإنتاج حليب أطفال مُلوث، وعلى إثرها شهدت المستشفيات عشرات الآلاف من الأطفال في حالة حرجة عام 2008. ويمثل هذا النظام محاولة لاستخدام البيانات لفرض سلطة أخلاقية على أولئك المتلاعبين بأرواح المواطنين.

وصرحت الحكومة ـ أيضًا ـ أن إدارة الفضاء الإلكتروني ستكون مصدرًا للانضباط الذاتي والأخلاقي لمن يسلكون سلوكيات غير شريفة على الفضاء الإلكتروني، ويذيعون الأكاذيب ويروجون للشائعات، وختمت الحكومة تصريحها بأن الصين تسعى لمستقبل مثالي و«يوتوبيا» جديدة.
في أبريل (نيسان) الماضي صرح
«Lian Weiliang» نائب رئيس وكالة التنمية والإصلاح الوطنية، وهي الوكالة الرسمية المسؤولة عن التخطيط الاقتصادي في البلاد، قائلًا «إن الاحتيال أصبح أكثر شيوعًا في المجتمع، والمُحتالون يجب أن يدفعوا الثمن».

يقول دكتور «Wen Quan» أستاذ الاقتصاد في جامعة جورجتاون في واشنطن «النظام الائتماني الجديد سوف يقوي الثقة بين أفراد الشعب، ويمكن من خلاله السيطرة على المُحتالين الذين يرتكبون جرائم متعددة في أكثر من مكان. هذا النظام الائتماني الجديد يضع المواطنين تحت تعداد نقاط، وسوف يكون هناك مجتمع أفضل».

هدف ثمين للقراصنة

ليس من الواضح إذا ما كان ذلك النظام سيكون في مأمن من الحيل أم لا حتى الآن؛ وهو ما يثير مخاوف الكثيرين أيضًا، وقد صرح «ويليام جالاس» الذي يعمل كخبير في تحليل البيانات بموقع «FireEye» المختص بالحماية الإلكترونية قائلًا «إن النظام المركزي سيكون جذابًا للغاية بالنسبة للقراصنة، وهناك سوق كبير لهذه الأشياء، وحين يتم تفعيل هذا النظام سيكون هناك حافز كبير لمُحتالي الإنترنت لسرقة المعلومات، نظرًا لأن ذلك النظام يحمل كل بياناتك، وهو مصدر الثقة لحكومة الصين، وبمجرد تخزين البيانات رقميًا فإنها ستكون غير قابلة للتغيير، وإذا جرى التلاعب بالبيانات من قِبل القراصنة؛ فإن النظام سيصبح معرضًا للخطر».

عرض التعليقات
تحميل المزيد