يقول نيكولاس آشفورد، الرئيس السابق للجنة الاستشارية الوطنية التابعة لمجلس السلامة والصحة المهنية: “إن ما يعتبر عملاً أو وضعًا غير أخلاقي في دولة ما، يمكن قبوله كأمر طبيعي في دولة أخرى، والشركات العملاقة تستغل هذه الميزة الموجودة في الصين”.

ففي الصين يتم استغلال العمال في العمل في المصانع الخاصة بالشركات العملاقة أو مصانع موردي هذه الشركات في أبشع الصور الممكنة، وذلك لاهتمام الحكومة الصينية بالنمو والصناعة دون الالتفات لمصالح العمال المساكين.

الآيباد.. والمعاناة

طبقًا لما يرويه عدد من العمال في المصانع التابعة لشركة أبل العملاقة وأقوال محاميهم، فإن العمال يعملون تحت ظروف صعبة جدًّا وغير آدمية؛ حيث يعمل هؤلاء لساعات إضافية بشكل مبالغ فيه، ويصل في بعض الأحيان للعمل سبعة أيام أسبوعيًّا، ويقول العمال إنهم يعملون لساعات طويلة وهم واقفون لدرجة حدوث تورمات في أرجلهم، تتسبب في صعوبة السير عليها، كما يوجد في هذه المصانع عدد من العمال تحت السن القانونية للعمل، هذا بالإضافة إلى كون المساكن الخاصة بالعمال مزدحمة جدًّا.

وطبقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 2012 م، فإن 84 عاملاً شابًّا أصيبوا بالتسمم في أحد المصانع الخاصة بشركة أبل في مجمع سوزهو الصناعي بالصين نتيجة تعرضهم لمادة الهكسان العادي الكيميائية؛ حيث يتم معالجة شاشات الآيباد بهذه المادة بهدف تنظيفها وزيادة الأداء، ونتيجة لتوفير الشركة للنفقات، لم يهتم المصنع بتوفير نظام تهوية مناسب يمنع تراكم هذه المادة في الهواء.

وتسبب مادة الهكسان أعراضًا خطيرة مثل مشاكل بالجهاز العصبي وفقدان القدرة على الحركة وتنميل الأطراف، وصولاً إلى حالات الضعف العام والإغماء.

1.jpg (950×534)

وطبقًا للتقرير، فإن الشركة قامت بتسريح عدد من هؤلاء العمال مع تسوية مالية تقدر بين 12-14 ألف دولار لكل عامل، لكن بعد أخذ توقيع العامل على عدم مقاضاة الشركة أو أي من مصانع مورديها مستقبلاً.

وخلال عام 2011م، حدث انفجارين في مصنعين من مصانع أبل، أحدهما كان في مدينة شينغ دو، وتسبب في مقتل أربعة عمال وإصابة 77 آخرين، وحدث هذا رغم تحذيرات مسبقة وصلت للشركة حول خطورة نواحي الأمان داخل المصانع.

ويقول عدد من المدراء التنفيذيين السابقين بالشركة إن هناك ضغوطًا داخل الشركة لإيجاد حلول لمشاكل العمال، وأنهم يحاولون وضع الخطط لتحسين ظروف عملهم، لكن هذه الرغبة سرعان ما تتلاشى عندما تصطدم مع العلاقات الحاسمة مع الموردين أو سرعة تسليم المنتجات النهائية للشركة للأسواق التي تريد الجديد دائمًا.

2.jpg (600×330)

الجينز.. تكلفته رئتي العمال

مصانع عدة شركات كبرى لصناعة الجينز مثل (Levi Strauss) و(Lee) و(wrangler)، بالإضافة لعدد من كبريات بيوت الأزياء العالمية، تستخدم تقنية معينة للتعامل مع القماش تسمى التفجير بالرمال (sandblasting)، وتتضمن هذه التقنية رش غبار لمعادن ومواد كيميائية على المنسوجات تحت ضغط عالٍ لتعطي الشكل المميز لقماش الجينز.

وفي مثل هذه المصانع التي توجد في الصين، تستخدم هذه التقنية بشكل يدوي وليس بشكل آلي، مما يسبب تعرض العمال لجزيئات متطايرة سامة جدًّا تسبب مشكلات بالجهاز التنفسي وتليفًا للرئتين والضعف العام والآلام المزمنة، وما يزيد من الأمور تعقيدًا هو عدم وجود نظام تهوية ملائم للتخلص من هذه الجزيئات الضارة.

3.jpg (640×479)

وقد وجد عدد من الباحثين تفاوتًا في ظروف الأمان المتوفرة بهذه المصانع، لكنهم يقولون: “لا يوجد في أي مصنع من هذه المصانع التي تستخدم هذه التقنية، نظام أمان ملائم يحمي العمال من مخاطره”.

فعمال هذه المصانع لا يتم تزويدهم بأردية واقية مثل أقنعة الوجه والعينين والقفازات عندما يتعاملون مع هذه التقنية بشكل يدوي أو مع عمليات الصيانة أو معالجة المياه، كما لا يحصل هؤلاء العمال بشكل مناسب على نظم الحماية والوقاية الصحية.

أيضًا تشير عدد من التقارير إلى تعرض عدد من العمال إلى مادة برمنجنات البوتاسيوم المستخدمة في عمليات تخفيف الأصباغ، وتسبب هذه المادة هيجانًا للجلد وللجهاز التنفسي.

4.jpg (635×426)

ملابسك.. سموم للآخرين

تتسبب عدد من المصانع الكبيرة بالصين، والتي تعتبر بمثابة المورد الرئيسي لشركات عملاقة مثل بوما ونايكي وأديداس، في تلويث البيئة المحيطة بها.

فتشير التقارير لعدد من المنظمات البيئية إلى أن هذه المصانع تقوم بالتخلص من فضلات عمليات التصنيع في أنظمة مياه الشرب الرئيسية المحيطة بها، وتحتوي هذه الفضلات على مواد شديدة السمية تسبب تغيرات في مستوى الهرمونات عند الإنسان.

أحد الأمثلة على ذلك هو تلويث المصانع للمياه في منطقتي دلتا نهري اللؤلؤ ويانغ تسي بأنواع من المواد الكيميائية المحظورة في أوروبا والدول المتقدمة الأخرى، وتقوم هذه المصانع بإلقاء المواد الفلورينية ذات السمية العالية للكبد، والمعادن الثقيلة السامة مثل الكروم والنيكل.

5.jpg (964×580)

الشركات الكبرى التي تتبعها مثل هذه المصانع، تنفي أن تقوم مصانعها بمثل هذه الأمور، لكن عددًا من التقارير تشير إلى أن هذه الشركات تتبع سياسات معينة تتيح لها إنكار معرفتها بأعمال هذه المصانع في حال انكشفت الحقائق بما يهدد سمعتها.

ففي تقرير لصحيفة التليغراف البريطانية، تقول الصحيفة إن هذه الشركات تقوم بوضع مسافة بين عملية التصنيع الأساسية وبين عملية تجميع المنتج النهائي التي تقوم بها الشركة بشكل مباشر، وذلك حتى تستطيع الشركة التخلص من المسئولية وإزاحتها نحو المصانع المنتجة.

مثل هذه السياسات تعطي للمصنعين الضوء الأخضر للتخلص من المواد السامة بأي صورة ممكنة طالما أن هذه المواد لا تظهر في المنتج النهائي.

6.jpg (350×455)

عرض التعليقات
تحميل المزيد