في الوقت الذي يتنامى فيه إيمان العديد من الأتراك، بما فيهم سياسيون منتخبون بأن “الدولة العميقة” موجودة ومتجذرة في المجتمع التركي إلى أبعد حد، كانت السلطات القضائية التركية تبذل كل محاولاتها لنفي هذا الشعور من المجتمع التركي، إلا أن ما فعلته من تنظيم الكيان الموازي قد أثبت الكثير من هواجس ومخاوف الشعب التركي. في التقرير التالي توضح لكم ساسة بوست أبعاد القضية والأحداث كما نقدم لكم رأي الكاتب مراد يتكين في نهاية التقرير

 

ما هي الدولة العميقة؟ 

يُدَّعى أنها مجموعة من التحالفات النافذة المناهضة للديمقراطية داخل النظام السياسي التركي، وتتكون من عناصر رفيعة المستوى داخل أجهزة المخابرات (المحلية والأجنبية)، والقوات المسلحة التركية والأمن والقضاء والمافيا، فكرة الدولة العميقة مشابهة لفكرة “دولة داخل الدولة”. ولهؤلاء المعتقدين بوجودها، فالأجندة السياسية للدولة العميقة تتضمن الولاء للقومية والنقابوية، ومصالح الدولة. العنف ووسائل الضغط الأخرى قد تم توظيفها تاريخيًا بطريقة خفية في الأغلب للتأثير على النخب السياسية والاقتصادية لضمان تحقق مصالح معينة ضمن الإطار الديمقراطي ظاهريًا لخريطة القوى السياسية.

الرئيس السابق سليمان دميرل يقول: “إن منظر وسلوك النخب (التي يسيطر عليها العسكر) التي تكون الدولة العميقة، وتعمل على الحفاظ على المصالح الوطنية، يشكله إيمان متجذر، يعود إلى سقوط الدولة العثمانية، وهذا يعني أن البلد دومًا على حافة الهاوية”.

أيديولوجية الدولة العميقة يراها اليساريون مناهضة للعامل أو وطنية متطرفة؛ ويراها الإسلاميون مناهضة للإسلام وعلمانية؛ ويراها الأكراد مناهضة للأكراد، وكما يوضح رئيس الوزراء الأسبق بولنت أجاويد، فإن تنوع الآراء يعكس عدم اتفاق على ماهية الدولة العميقة، أحد التفسيرات هو أن “الدولة العميقة” ليست تحالفًا، بل إنها مجموع عدة مجموعات تعمل ضد بعضها البعض خلف الكواليس، كل منها تسعى لتنفيذ الأجندة الخاصة بها.

وشائعات الدولة العميقة تروج في تركيا منذ فترة حكم أجاويد كرئيس وزراء في السبعينيات، بعد إعلانه عن وجود فرع تركي لعملية گلاديو “المناهضة لحرب العصابات”.


ما هو الكيان الموازي التركي؟

فتح الله كولن

الكيان الموازي هو وصف أطلقه مسؤولو الحكومة التركية على تنظيم سري يقولون إنه يسعى إلى تقويض الحكومة، وتتهم الحكومة جماعة فتح الله غولن الدينية بالوقوف وراء التنظيم. هذا التنظيم المفترض يضم أعضاءً متنفذين في السلكين القضائي والأمني. في 17 ديسمبر 2013، بدأت تحقيقات ضد وزراء في الحكومة التركية وأبنائهم حول نشاطاتهم المالية، تتهم الحكومة التركية جماعة غولن بالوقوف وراء هذه التحقيقات.

بدأت النيابة التركية تحقيقها في نشاطات التنظيم الموازي موجهة الاتهام بالتجسس والتصنت غير القانوني لأعضاء في الشرطة، استهدفت عمليات التنصت رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو ووزراء آخرين، كما طالت أيضًا مدير المخابرات التركية حقان فيدان ونائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض للحكومة التركية. أحد المتهمين، عمر كوسه، وهو المدير السابق لشعبة مكافحة الإرهاب بمديرية أمن إسطنبول، قال في تصريح صحفي: “لو كنا فعلنا ذلك، فنحن فعلناه من أجل الوطن. فنحن لم نفعل شيئًا غير قانوني”.

أحد المشتبه بهم خليل كاراك وزولو وهو مدير أمن سابق، قال إن أجهزة الأمن أحبطت محاولة جادة لاغتيال رئيس الوزراء كانت ستنفذ في عرس ابنه، وتحدث عن محاولة اغتيال أخرى أفشلتها القوات الأمنية.

أشار نائب رئيس الوزراء بولند أرينج إلى جماعة غولن دون أن يسميها حيث قال:

«إن بعض الأشخاص ضمن مجموعة كانت لسنوات متداخلة مع حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، واستفادت منه بشكل كبير، قاموا بتحرك مناهض للحكومة، وتورطوا في عملية، عبر عنها رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، بأنها “محاولة انقلابية”، حيث حاولوا استغلال القانون للإجهاز على الحكومة، إلا أن مخططهم فُضح، واتخذت التدابير اللازمة، فباءت عمليات (17)، و(25) كانون الأول/ ديسمبر (2013) بالفشل».

وعلى أثر هذه الأحداث شُكلت لجنة من البرلمان لمتابعة سير التحقيقات في هذه القضية، كتب على أثرها مراد يتكين مقاله التالي :-

مراد يتكين: امتحان كبير لداوود أوغلو في مكافحة الفساد

إن موقع تبرير مزاعم الفساد ليس في البرلمان، وأمام لجنة التحقيق المشكّلة للنظر في هذه القضية، بل موقعها الحقيقي أمام القضاء المستقل، لأنه إن كان حزب العدالة والتنمية الحاكم يرغب ألا يفقد مصداقيته، في مبادئه الأساسية التي يطرحها حول عدم التمييز والعدالة، فعليه أن يختار المحاكم والقضاء ليكشف صدق نظريته في تلفيق التهم للوزراء السابقين الأربعة من حزبه عند تبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم، أو يطبق مبادئه في إيقاع العقاب على المتهمين في حال إدانتهم قضائيًّا.

فإن هناك اختلافًا في الرأي داخل كواليس حزب العدالة والتنمية حول إحالة المتهمين إلى جهة معينة للتحقيق والبت في التهم المنسوبة إليهم، فالبعض يعتقد أن إحالة الوزراء الأربعة إلى المحكمة العليا بمثابة إعطاء الشرعية القضائية لما قام به تنظيم الكيان الموازي في 17/ 25 تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2013، حيث ستكون إحالة الوزراء إلى المحكمة بمثابة الاعتراف بشرعية محاولة الانقلاب التي جرت في ذلك التاريخ، بالإضافة إلى ذلك فإن هؤلاء يشككون بمصداقية المحكمة الدستورية العليا، لا سيما أن رئيس المحكمة “هاشم كيليتش” يدلي بتصريحات سياسية وكأنه رئيس أحد الأحزاب السياسية المعارضة في هذا البلد، ومن أجل كل ما ذكر فإن أعضاء حزب العدالة والتنمية يدافعون بشدة عن فكرة عدم إحالة الوزراء إلى المحكمة العليا، وذلك لعدم ثقتهم بهذه المحكمة.

من جهة أخرى، تجد أن بعض نواب الحزب الحاكم يعتقدون أن رفض البرلمان إحالة الوزراء إلى المحكمة العليا، سوف يولّد فكرة أن الحزب يتهرب من المحكمة كي لا ينكشف الفساد الذي قام به وزراؤه وهذه مصيبة أكبر برأيهم، ولكن أغلبية أنصار الحزب يتفقون على الخيار الأول وذلك لعدم ثقتهم بقرارات المحكمة. وخاصة أن تنظيم الكيان الموازي، وبحسب اعتقادهم، يسيطر تمامًا على السلطة القضائية.

فهل سترسل اللجنة ملف الوزراء الأربعة إلى الجمعية العامة، ومن ثم يتم تحويلهم إلى القضاء؟ أنا شخصيًّا لا أعتقد ذلك، ولست متأكدًا من كيفية خروج رئيس الوزراء “أحمد داوود أغلو” من هذا الامتحان الصعب، خاصة أن الدلائل التاريخية للدولة التركية قد شهدت مثل هذه القضية إبان عهد رئيس الوزراء “تانسو تشيلر” و”مسعود يلماز”.
وبتحليلي أن رئيس الجمهورية “رجب طيب أردوغان” ورئيس الوزراء “داوود أغلو” متخوفان من نتائج التقرير الذي سوف تقدمه اللجنة، رغم أن عدد أعضاء الحزب الحاكم داخل اللجنة هو 9 أعضاء، وأكبر الأحزاب المعارضة حزب الشعب الجمهوري له 4 أعضاء، وحزب الحركة القومية المعارض عضو واحد، وكما نعلم جميعًا حزب الشعوب الديمقراطية، الذي يخوض مفاوضات السلام الداخلي مع الحزب الحاكم، نأى بنفسه عن هذه القضية. وتخوفهما ينبع من وجود شكوك في أن بعض الأعضاء من الحزب قد يصوتون لتثبيت التهم ضد الوزراء السابقين والمتهمين بالفساد، أو أن يقعوا تحت ضغط أو ابتزاز للتصويت بذلك، ولذلك تم تأجيل عملية التصويت عدة مرات داخل اللجنة؛ خوفًا من تحويل ملف القضية إلى القضاء.

في ظل هذه الظروف، ورغم عمليات النقل والندب التي قامت بها الحكومة، بعد مزاعم الفساد التي ظهرت في نهاية عام 2013، في السلك القضائي للتخلص من أذرع تنظيم الكيان الموازي الذي يتزعمه فتح الله كولن، تبقى لديهم شكوك ومخاوف من استلام هذه السلطة لملف الدعوة، وخاصة مع تصاعد وتيرة وحدة تصريحات رئيس المحكمة الدستورية “هاشم كلش” حول تعرض بعض قضاة المحكمة الدستورية لضغوطات سياسية من الحكومة.

ولكن يجب على الحكومة التركية أن تجد حلاً نهائيًّا للصراع مع حليفها السابق فتح الله كولن، والتي أطلقت عليه مؤخرًا بعد الشرخ الذي حصل بينهما “تنظيم الكيان الموازي”، وإلا ستزيد من فقدانها لمبادئها في الديمقراطية شيئًا فشيئًا على الأرض، فاستقلالية القضاء وفصله عن السلطات الأخرى، والتوازن فيما بينها هي إحدى مقومات الدول الديمقراطية المتقدمة.

وفي النهاية، محاكمة الوزراء السابقين أمام المحاكم، سواء تمت تبرئتهم أو إنزال العقوبة عليهم، فإنها لن تفقد حزب العدالة والتنمية ولا أردوغان ولا داوود أغلو هيبتهم أو قوتهم، فضمان المعالجة النزيهة لهذه القضية وقضايا أخرى غيرها تقع على كاهل الحكومة في المقام الأول.

نقلًا عن صحيفة راديكال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد