تقف سيدة خمسينية وسط مجموعة من جنود الاحتلال الإسرائيلي ملتصقة بقوة بجدار منزلها، لكنهم يدفعونها بقوة أكبر من قوتها نحو الباب للخروج، وحين تدرك أنها لن تقوى على منعهم من إخراجها تجرب استجداءهم، علهم يستوعبون مدى حسرة قلبها، فأخذت تسألهم بضعف كبير: هل تقبل أن يخرجك أحد من بيتك؟ هذا بيتي! ليأتي رد الجندي المدجج بالأسلحة والعتاد باللغة بالعربية: بره بره (إلى الخارج).

تلك السيدة واحدة من أكثر من ألف فلسطيني أصبح بلا مأوي منذ 22 يوليو (تموز) الجاري، حين استيقظ سكان حي وادي الحمص القائم على أطراف بلدة صور باهر (القدس الشرقية) مفزوعين على صوت اقتحام مئات الجنود الإسرائيليين لمنطقتهم مصحوبين بآليات وجرافات ورافعات ضخمة من أجل هدم منازلهم المرخصة.

في البداية زُرع الديناميت في المنازل غير المأهولة، وفُجِّر وسط صخب الجنود المحتفين بصوت الانفجارات الضخمة، وحين أتى دور المنازل المأهولة؛ تشبث السكان بكل قواهم في المنازل، لكنهم تعرضوا للضرب المبرح وغاز الفلفل والرصاص المطاطي، ثم اقتلعوا من بيوتهم دون أن يتمكنوا من إخراج أي شيء من احتياجاتهم الشخصية.

ليشهد هذا اليوم أكبر عملية هدم منظمة منذ عام 1967، وتتجلى تخوفات فلسطينية من أن يتبع هدم مباني وادي الحمص؛ هدم مماثل في بلدات أخرى على طول الجدار الذي يمتد لمئات الكيلومترات داخل الضفة الغربية المحتلة وحولها.

الهجرة الأعظم لسكان «وادي الحمص» منذ 1967

بدأت قوات الاحتلال عملية هدم منازل وادي الحمص المئة، بهدم برج سكني قيد الإنشاء، في محاولة منها لدفع أصحاب البيوت المأهولة المجاورة للتأهب لعملية هدم منازلهم، وتعود ملكية هذا البرج للمقدسي محمد إدريس أبو طير الذي يعمل في قطاع المقاولات الإنشائية.

 

«ساسة بوست» تحدث إلى أبو طير الذي كان قد أطلق سراحه للتو من قبل قوات الاحتلال، ليروي لنا الرجل ما حدث ويقول: «اقتحمت قوات الاحتلال بأعداد تزيد عن ألف جندي الحي مع رافعات ضخمة وجرافات، وأعلنت البلدة منطقة عسكرية مغلقة يحظر الدخول إليها ثم حاصرتها، ثم قاموا بزرع المتفجرات في المبنى خاصتي المكون من تسعة طوابق، والذي بدأ بناؤه قبل نحو ثلاث سنوات».

حين جاء خبر الهدم لأبو طير ذهب الرجل مذعورًا إلى المكان مع بعض السكان الذي كانوا قد اشتروا شققًا سكنية في مبناه، ثم دخل المبنى فحاصرته قوات الاحتلال وسرعان ما وقع صدام بينه وبين جندي اعتدى عليه، لينتهي الأمر باعتقاله حتى المساء، يقول أبو طير: «أخلوا سبيلي، وأصدروا قرارًا بمنعي من الذهاب إلى المنطقة، وإذا ما خالفت هذا القرار سأُسجن لمدة ثلاثة شهور، بالإضافة إلى كفالة مالية كبيرة».

كانت آخر المشاهد التي علقت بذهن أبو طير قبل سحبه بالقوة من المبنى هو مشهد السكان المتشبثين بمنازلهم، بعدما أغلقوا الأبواب والمنافذ، ووجوههم ممتلئة بالقهر والحزن. أبو طير رأى بعضهم قد أصيب وهو يستميت في الدفاع عن بيته، ورأى آخرين يمسكون بمنشورات وزعها الجنود تحذرهم من الاقتراب من منطقة الهدم.

يقول أبو طير أنه: «ما إن حلت الساعة السابعة صباحًا حتى بدأ الجنود في هدم المنازل المأهولة بعد أن خاضوا معركة حامية الوطيس مع السكان لإخراجهم، كان الجميع مصدومين من عملية هدم منازلهم المرخصة قانونيًا، حتى أن طلب تأجيل الهدم الذي قُدِّم بعد قرار المحكمة الأخير بالهدم، لم يكن قد أخذ وقتًا للرد عليه».

ويرى أبو طير أن: «هذه المحكمة عاملتنا بشكل علني بعنصرية وظلم، يجب أن يطلق عليها محكمة الظلم العليا، وليس محكمة الصلح العليا، نحن نعيش في منطقة (أ)، وحاصلون على رخص بناء من وزارة الحكم المحلي التابعة للسلطة الفلسطينية بموجب الاتفاقيات الموقعة مع الإسرائيليين».

خان الأحمر نموذجًا.. إسرائيل تحكم سيطرتها على محيط القدس بتهجير الفلسطينيين

 

إسرائيل تئد حلم توسع المقدسيين في مناطق السلطة الفلسطينية

استجاب أبو طير لزيادة الطلب من قبل المقدسين على البناء في منطقة وادي الحمص هربًا من مضايقات البناء والتملك داخل مدينة القدس وضواحيها، ولعدم قدرتهم على الشراء والبناء في المناطق الواقعة داخل حدود البلدية الإسرائيلية بسبب الأسعار الخيالية للأراضي واستحالة استصدار تراخيص البناء من المؤسسات الإسرائيلية.

 

وقد اطمئن أبو طير والجميع إلى أن المنطقة حسب اتفاقية أوسلو مصنفة (أ)، أي تقع تحت السيادة الفلسطينية، وأنها الجهة المخولة بمنح التراخيص. وبناءً على ذلك حصلوا هم على تصاريح بناء من وزارة الحكم المحلي الفلسطينية.

واحد من هؤلاء كان الحاج غالب أبو هدوان الذي سكن طيلة حياته في مخيم شعفاط (شرقي القدس) ثم لضيق بيته في هذا المخيم ولصعوبة شراء منزل داخل القدس قرر أبو هدوان أن يشتري قطعة أرض في منطقة وادي حمص عام 2015، وقضى عامين يضع في بنائها «شقى عمره» بحسب تعبيره، إذ يقول الرجل لـ«ساسة بوست»: «حلمت باليوم الذي أجد فيه مأوى واسعًا مناسبًا  يضمني وزوجتي وابني وأحفادي، بنيت هذا المنزل حجرًا حجرًا، وحصلت على كل التراخيص اللازمة، وقبل أن يمضي عام على سكني هُدم المنزل وشردت عائلتي إلى الشارع».

ويسجل عام 2003 بأنه العام الذي بدأ فيه صراع سكان وادي الحمص مع الاحتلال، حين مر  «جدار الفصل العنصري» وسط قرية صور باهر، ووقع الحي في الجانب الذي يسيطر عليه الاحتلال من الجدار، فحرم الاحتلال السكان فيه من البناء على نصف المساحة تقريبًا، تحت ذريعة القرب من الجدار.

لكن في عام 2012 ورغم إن إسرائيل غير مخولة قانونية بالتصرف في المنطقة؛ أمرت بإيقاف أعمال البناء، ثم أصدرت المحكمة الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 2019 قرارًا يقتضي هدم المباني لكونها «تحد من حرية تعامل الجيش الإسرائيلي بالقرب من الجدار وستزيد من التوتر مع السكان المحليين، وهذه المنشآت قد تأوي إرهابيين أو سكانًا بصورة غير قانونية ضمن المدنيين، وتسمح للإرهابيين بتهريب السلاح أو التسلل إلى المناطق الإسرائيلية» حسب ما جاء في بيان قضاة المحكمة الاسرائيلية.

يذكر أن المناطق المصنفة منطقة (أ) تخضع للسيطرة الفلسطينية، والمنطقة (ب) للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية والضفة، فبحسب «اتفاقية أوسلو» تقسم الأراضي إلى ثلاث مناطق، (أ) و(ب) و(ج)؛ حيث تخضع المنطقة (ج) للسيطرة الإسرائيلية.

«كيف سأخبر صغاري أن أشياءهم تحت الردم؟»

وسط جملة من مقاطع الفيديو التي أظهرت عملية هدم منازل وادي الحمص، يظهر مقطع قصير لمجموعة من جنود الاحتلال والشرطة الإسرائيلية يترقبون الدقائق الأخيرة لانفجار الديناميت داخل عمارة سكنية في الحي، وما أن يقع التفجير حتى يبتهج هؤلاء فرحًا ورقصًا بعملية التفجير.

 

في هذه اللحظات كان السيد إسماعيل عبيدة (45 عامًا) مع جاره يقف خلف الجنود الذي أخرجوه بالقوة من الحي لهدم منزله، رأى إسماعيل المشهد السابق كاملًا، لكنه عجز عن فعل أي شيء إلا التكبير بأعلى صوته.

تحدثنا إلى إسماعيل قبل أن يذهب إلى أسرته التي صرفها نحو أحد بيوت أقاربه حتى لا ترى عملية الهدم، في هذا الوقت كان ينال من هذا المقدسي حزن آخر، يتمثل في قلقه الكبير من إخبار ابنته هبة (أربع سنوات) وابنه قيس (سبع سنوات) وهما أصغر أبنائه الستة أن المنزل هدم وردمت تحته أشياؤهم التي أحبوها، يقول لنا: «أخرجونا  بالقوة، لم نأخذ شيئًا معنا، لم يعطونا فرصة أن نخرج بسلام، فكيف لي أن أفكر سوى في إخراج عائلتي دون أن تنال منهم وحشية الجنود».

يقول لنا إسماعيل عن يوم الهدم: «من أصعب أيام حياتي أنا وزوجتي، إنه يوم الكارثة، يوم فقدنا شقى عمرنا»،  ثم يتساءل مقهورًا: «أي صفة يمكن أن تصف حجم وجعنا؟»، ويضيف لـ«ساسة بوست» أنه تفاجأ بكم جنود غير عاديين يقتحمون حيه في الثالثة بعد منتصف الليل، ثم أخذوا يهاجمون البيوت واحدًا تلو الآخر لإخراج السكان.

ويضيف الرجل: «كنت أجلس في بيتي حيث استضيف أشقائي مع أبنائهم الصغار في تلك الليالي الصيفية، حاولنا أن لا نخرج، لكنهم هاجمونا بالعصى وغاز الفلفل وقنابل الصوت ورصاص المطاط، وحين عجزنا عن منعهم تم جرنا خارج المنزل فاستسلمنا، وطلبنا أن يكفوا عن الاعتداء خوفًا على الأطفال الذين معنا، لقد كنا في حالة حرب».

حين علم إسماعيل الذي يعمل سائق شاحنة، قرار المحكمة الإسرائيلية هدم منازلهم، غلب على ظنه كما غالبية السكان أن القرار سينتهي بمجرد اتخاذ بعض الإجراءات القانونية وأولها الاستئناف، فهو صاحب حق قانوني من المفترض أن تلتزم إسرائيل به، لكنه الآن وتحت الصدمة لا يفكر سوى أين سيجد غرفة يستقر فيها مع أبنائه الستة؟

«واشنطن بوست»: تصاريح البناء.. حجة إسرائيل المزعومة لهدم مرافق الكهرباء بفلسطين

المصادر

عرض التعليقات
s