هل تدير العالم تلك الحكومات التي تعرفها ونشاهد اجتماعاتها على شاشات التلفاز؟ يبدو أن كثيرين لا يعتقدون ذلك، وأن هناك تصورًا مستبطنًا شائعًا أن هناك قوى ظل تتحكم في مسار العالم وتسير الحكومات بوعي أو بغير وعي. تتنوع التصورات حول قوى الظل تلك ما بين الحديث حول نفوذ الشركات متعددة الجنسيات ومدى تأثيرها عل الحكومات، إلى العائلات الاقتصادية الكبرى في العالم إلى درجة ذهاب البعض أن هناك 13 عائلة فقط تتحكم في ثروات العالم (على رأسها عائلة روتشيلد ذائعة الصيت التي يمزج الحديث عنها غالبًا بين الحقائق والأساطير)، ووصولًا إلى الاعتقاد بوجود جمعيات خفية ذات أهداف غامضة تسيطر على توجهات السياسيين.

غالبًا ما تهتم هذه القوى الغامضة بالسيطرة على قطاعات الاقتصاد والإعلام والتعليم حيث تنطلق منها إلى التحكم في مقدرات البشر حول العالم. أشهر هذه الجمعيات السرية والتي حظيت بالقدر الأكبر من الأساطير هي ما يعرف بالماسونية العالمية أو المجمعات الماسونية والتي تشكل مقرها الأعظم عام 1717 في بريطانيا، ويعتقد أنها الجمعية الأم لكل تلك الجمعيات التي نشأت عنها لاحقًا.

ومن المحفل الماسوني إلى جمعية الجماجم والعظام التي يعتقد أنها ضمت في عضويتها كلًّا من وزير الخارجية الأمريكي الحالي جون كيري والرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش والتي تأسست عام عام 1832 في مبنى جامعة «بيل» الأمريكية، ومرورًا بجماعة التنويريين وجمعية البستان البوهيمي. تنوعت الأساطير حول تلك الجمعيات السرية التي تتحكم في إرادة ساسة العالم. ولكن أكثر هذه الجمعيات شيوعًا إثارة للجدل في الوقت الراهن هي جمعية بيلدربيرغ التي لا تزال اجتماعاتها السنوية (السرية) تجلب معها الكثير من اللغط والجدل في كل عام.

ما هي جمعية بيلدربيرج؟

 بعض المشاركين في مؤتمر دريسدن

في التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، انطلقت أعمال الدورة رقم 64 للجمعية في مدينة دريسدن في شرق ألمانيا. عقد الاجتماع الأول للمجموعة التي تأسست بمبادرة من عدد من أثرياء المال والسلطة في عام 1954 والذي عقد في فندق بيلدربيرغ جفي قرية أوستيربيك بهولندا، ومنه حصلت المجموعة على اسمها. حضر هذا الاجتماع قرابة 70 شخصًا من 11 دولة أوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة، واستمر لمدة 3 أيام. مثلت كل دولة في الاجتماع بشخصين على الأقل يفترض أن يمثل أحدهما وجهة النظر المحافظة ويمثل الآخر وجهة النظر الأكثر ليبرالية.

تعقد الاجتماعات بشكل سنوي، وتعقد لمدة 3 أعوام في أوروبا وعام في الولايات المتحدة أو كندا. عقدت المؤتمرات الأربعة الأولى في دول هولندا وفرنسا وألمانيا والدنمارك، في حين استضافت الولايات المتحدة المؤتمر الأول لها عام 1957.

تأسست الجمعية على يد البولندي جوزيف ريتينجر الذي أصبح فيما بعد هو السكرتير الأول للاتحاد الأوروبي. كان ريتينجز آنذاك قسيسًا كاثوليكيًا ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية له علاقات مكثفة مع شبكة من كبار المسؤولين مثل تشرشل ودالاس. ظهرت فكرة المنظمة عام 1952 كتحالف أطلسي في مواجهة الشيوعية مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، ويعتقد أنها تلقت دعمًا من المخابرات المركزية الأمريكية خصوصًا في الاتفاق على الشخصيات، قبل أن يتبنى الأمير الهولندي بيرنهارد الدعوة إلى المؤتمر الأول في فندق بيلدربيرغ جنبا إلى جنب مع رئيس الوزراء البلجيكي السابق بول فان زيلاند، ورئيس شركة يونيليفر، الهولندي بول ريجينكز.

هل هي حقا حكومة عالمية؟

 دينيس هيلي

يتلخص الهدف المعلن للمجموعة في تعزيز التعاون عبر الأطلسي وتوثيق العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا ومنع نشوب حرب عالمية أخرى. في عام 2001، لخص دينيس هيلي، أحد مؤسسي مجموعة بيلدربيرغ أهداف المجموعة في «تعزيز الإجماع حول السوق الرأسمالية الغربية ومصالحها في جميع أنحاء العالم».

«القول بأننا كنا نسعى لتكوين حكومة عالمية واحدة، هو أمر مبالع فيه، إلا أنه ليس خطأ بالكامل؛ فقد شعرنا بأن وجود مجتمع عالمي واحد سيبدو أفضل». دينيس هيلي

ولكن السرية الشديدة التي تفرضها المجموعة على اجتماعاتها جعلت منها دومًا موضعًا للجدل. في تغطيتها للاجتماع الأخير للمجموعة في يونيو (حزيران) الماضي، وصفت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية المجموعة بأنها ملتقى الرجال الأكثر ثراءً ونفوذًا في العالم. ترفض المجموعة حضور الصحفيين لاجتماعاتها، وهو ما برره رئيس مجلس الإدارة السابق «إتيان دافينون» في عام 2011 بأنه يرجع إلى الحرص على «توفير الفرصة للمشاركين للحديث والنقاش بصراحة والتعبير عما يعتقدون حقًا دون الخوف من الجدل الدائر في وسائل الإعلام». مؤكدًا أن الناس لا تقدر بعد مدى فوائد وجود مثل هذه الشبكات غير الرسمية.

ولكن مثل هذه التصريحات لم تنجح في إيقاف نظريات المؤامرة المتعلقة بأنشطة المجموعة والتي تراوحت بين اتهامها بهندسة أزمات الائتمان إلى التخطيط لقتل 80% من سكان العالم.

كيف تدير المنظمة عملها؟

يتم تنظيم هذه الاجتماعات من قبل لجنة توجيهية تتكون من عضوين من كل دولة من 18 دولة. هناك رئيس للمجموعة وأمين عام فخري، ولا توجد مقاعد ثابتة للعضوية ولكن يتم توجيه دعوات سنوية، ويحصل المشاركون السابقون على التقارير السنوية للمؤتمر. بخلاف اللجنة التوجيهية هناك مجموعة استشارية منفصلة تتداخل مع العضوية.

الأمير بيرنهارد

شغل 7 رجال منصب رئيس اللجنة التوجيهية منذ تأسيس المجموعة إلى الآن. كانت البداية مع الأمير الهولندي بيرنهارد الذي دعا إلى الاجتماع الأول في فندق بيلدربيرغ عام 1954، ثم أليك دوغلاس هوم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق. تلاه والتر شيل الرئيس الألماني الأسبق والذي شغل أيضًا منصب نائب المستشار، ثم الإنجليزي إريك ول ثم مواطنه بيت كارينغتون وزير الدفاع الإنجليزي الأسبق ورئيس سابق لمجلس اللوردات وأمين عام سابق لحلف الناتو. تلاه البلجيكي إتيان دافيغنون، ثم رجل الأعمال الفرنسي هنري دي كاستري الذي يشغل الموقع في الوقت الراهن.

أما قائمة أبرز من سبق لهم حضور المؤتمر فتضم عددًا من رواد السياسة والأعمال حول العالم. منهم على سبيل المثال هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والمرشح الأوفر حظًا للجلوس على مقعد البيت الأبيض مطلع العام القادم. وهناك أيضًا وزير الخارجية الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر والوزير الحالي جون كيري والرؤساء السابقون بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وجيرالد فورد.

وفي بريطانيا شملت القائمة رؤساء الوزراء السابقين مارجريت تاتشر وتوني بلير وجوردون براون وديفيد كاميرون وإدوارد هيث وإليك دوغلاس. ومن ألمانيا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والمستشار الأسبق هيلمت شيميدت. ومن تركيا كان علي باباجان نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد هو الأوفر حظًا في الحضور لعدة مرات، ومثلت تركيا في مؤتمر هذا العام عبر ئائب رئيس الوزراء محمد شيمشك.

هل تستحق المنظمة كل هذا الاهتمام؟

غالبًا ما يكون الاجتماع السنوي للمنظمة مصحوبا بضجة إعلامية كبيرة ورواج لنظريات المؤامرة حول هذا الاجتماع السري الذي يحضره ما بين 120 -150 من الشخصيات الأكثر نفوذًا في العالم.

تتراوح هذه الضجة ين من يرى المجموعة أشبه بـ«مجلس للشيطان» وظيفته تدبير الكوارث التي ستحل بالعالم العام المقبل، وبين من يرى أن هذا التجمع هو فرصة لأصحاب النفوذ للبحث عن حلول غير تقليدية للمشاكل الكبرى في العالم. على النقيض، يرى الكاتب البريطاني آدم لوشر في مقال له في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أنه على الرغم من أن الشخصيات التي تحضر الاجتماع تبدو مثيرة للانتباه للوهلة الأولى إلا أنهم في حقيقة الأمر ليسوا كذلك. وهو يرى أن هذا الاجتماع الذي يثير كل هذا القدر من اللغط لا يعدو كونه ملتقى للنخبة يهدف إلى محاولة الوصول إلى الرضا الذاتي في حين أن هؤلاء في حقيقة الأمر لا تهمهم مشاكل الفقراء أو حياتهم على الإطلاق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد