أزلام بن علي

أطاحت الثورة التونسية عام 2011 نظام زين العابدين بن علي ورجاله من الحكم، أو «أزلام بن علي» كما عرفوا في المجتمع التونسي، وأصبحت عودتهم إلى الحلبة السياسية التونسية خطًّا أحمر يحرم تجاوزه في السنوات الأولى للثورة. لكن ما لا يمكن إنكاره أن «الحماسة الثورية» خفتت شيئًا فشيئًا تجاه هؤلاء، حتى وصل الأمر مؤخرًا إلى حد تهديد رؤساء الأحزاب الأكبر في البرلمان التونسي بمخالفة البرلمان، في حال منع هؤلاء من المشاركة في مختلف مراحل العملية الانتخابية التي منعوا منها قانونيًّا إثر الثورة.

«الحماسة الثورية» تخفت

تأسس حزب «نداء تونس» في 16 من يونيو (حزيران) 2012، وضم بين صفوفه خليطًا غير متجانس من التيارات اليسارية والنقابية مع منتمين سابقين إلى حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي»، وهو الحزب الحاكم في عهد بن علي الذي حكم تونس، وتم حلّه بقرار قضائي في مارس (آذار) عام 2011.

وبرأي مراقبين، فإن رجال بن على في هذا الحزب وجدوا مرتعًا خصيبًا مواربًا إلى حد ما للعمل في الحلقة الوسطى والصغرى بالحزب، ومع حرص نداء تونس على عدم وصم هذا الوجود بأنهم أزلام النظام السابق، فقد غلف وجود هؤلاء بغطاء سميك من العناصر اليسارية الفاعلة على مستوى العمل السياسي، وقد عمل الحزب على الترويج لنفسه لدى النخبة والعامة التونسية أنه الحزب الأقدر على إنقاذهم من سطوة الإسلاميين الذين انضوا بقوة تحت راية حزب النهضة الإسلامي، ونجحوا بذلك حتى مع قيادة الباجي قائد السبسي للحزب، رجل الحرس التونسي القديم، وعضو اللجنة المركزية في الحزب الحاكم قبل الثورة حتى 2003، والرئيس الأسبق لمجلس النواب بين 1990 و1991.

وبذلك كان التجمعيون (نسبة إلى حزب التجمع الدستوي الديمقراطي المنحل) بعد أقل من عام على انكفائهم إثر الثورة، قد استرجعوا حياتهم السياسية، ووظفوا حنكتهم السابقة في إرساء دعائم الحزب الجديد، فحتى إذ ما حلت الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية في عام 2014، كان «أزلام بن علي» الذين منعوا، أو لم يجرؤوا على خوض انتخابات عام 2011 التي منحت حزب النهضة التونسي تولي الحكم حتى يناير (كانون الثاني) 2014، قد طوروا خطابهم السياسي ليناسب المرحلة، مدعومين بإعلام قوي يساندهم علنًا أو سرًّا، تحت راية نداء تونس.

بيد أنه منذ انتخابات عام 2014 التي انتهت بتصدر نداء تونس، دخل هذا الحزب في أزمة ناجمة عن افتقاده لوحة التحكم في المنظومة السياسية التونسية، وكان أحد أخطر انعكاسات ذلك العمل على شيطنة الثورة التونسية، والترويج لكون المنظومة القديمة هي القادرة على استرجاع عافية الوضع الاقتصادي في تونس، وكان من نتائج ذلك توقيع أول اتفاقية تحكيم ومصالحة بين المكلّف العام في حق أملاك الدولة والشؤون العقارية وصهر بن علي، رجل الأعمال التونسي سليم شيبوب في مايو (أيار) عام 2016، وذلك طبقًا لقانون العدالة الانتقالية، حيث عرض شيبوب 11 مليارًا لـ«جبر الضرر»، لذلك لا غرابة أن نري شيبوب يعلن في ديسمبر (كانون الأول) 2018 نيته خوض تجربة سياسية جديدة، من بوابة حزب بمرجعية قريبة من التجمع الدستوري المنحل.

Embed from Getty Images;

اجتماع 86 عضو برلمان لنداء تونس حول رئيسهم

وفي خطوة أكبر، أقدم البرلمان التونسي في سبتمبر (أيلول) 2017، على إزاحة 13 وزيرًا من أصل 24، والمفاجئ كانت خطوة استبدال وزراء من رجال بن علي بهم، فقد عاد إلى الحكومة التونسية وزيران سبق وأن تقلدا حقبة وزارية في النظام السابق، هما وزير المالية رضا شلغوم، ووزير التربية حاتم بن سالم، ولم يمض سوى ثلاثة أيام على هذا الإجراء حتى مرر البرلمان التونسي ما عرف بـ«قانون الإصلاح الإداري»، الذي طرح المصالحة منذ شهر يوليو (تموز) 2015، وهو قانون مثير للجدل يمنح العفو لعدة موظفين حكوميين، ويخوِّل القانون الحكومة إيقاف جميع التحقيقات الموجهة ضدهم، وتذرع السبسي الذي اقترح القانون بزيادة حجم الاستثمارات التي تحتاجها تونس لمواجهة البطالة، فالقانون يسمح لهؤلاء بالتفاوض على صفقة مع الهيئة المعنية لإرجاع الأموال التي حصلوا عليها بطريقة غير مشروعة إلى الخزينة.

رجال بن علي يعودون «لإنقاذ تونس»

لم يعبأ الساسة التونسيون برفض الشارع التونسي قانون «الإصلاح الإداري» آنف الذكر، وصموا آذانهم عن شعارات المحتجين «مانيش مسامح» و«السماح في المحكمة». حتى إذا ما مر عام على تمرير البرلمان التونسي لهذا القانون، كان السبسي قد منح عفوًا عامًا لبرهان بسيّس في 10 ديسمبر 2018، المنضوي تحت لواء حزب نداء تونس منذ مارس 2017، بوصفه مستشارًا سياسيًّا للحزب، والمدان في قضية فساد تعود إلى ما قبل عام 2011، حكم عليه فيها بعامين سجن مع النفاذ العاجل وبغرامة مالية، كما استجاب مجلس الاتحاد الأوروبي في 28 يناير 2019، لطلب رفع التجميد عن أصول صهر بن علي، رجل الأعمال مروان مبروك، بناءً على طلب حكومي تونسي، وذلك رغم أن دائرة المحاسبات التونسية أكدت أن مبروك سيطر دون وجه حق على شركتين؛ ما أدى لإضراره بحقوق الدولة والمساهمين التونسيين.

هذه الخلفية السابقة، أسهمت في جعل انتخابات البلدية التي تمت في 6 مايو 2018، محطة مهمة في مسلسل خروج التجمعيين للظهور العلني دون مهابة، إذ كان شرط الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ألا «يكون المترشح قد تحمل إحدى المسؤولیات في حزب التجمع المنحل رئيسًا أو عضوًا بديوان الحزب أو عضوًا باللجنة المركزية أو المسؤولة السیاسیة بالإدارة المركزية»، وهو ما أضحى مجرد حبر على ورق، فقد عاد عدد كبير من الشخصيات التي تنتمي إلى حزب التجمع المنحل الى واجهة الفعل السياسي في ثوب جديد من خلال تلك الانتخابات، على قوائم حزب نداء تونس في أغلب الأوقات.

وبدت الأمور أكثر وضوحًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما أقدم رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد على إحداث تعديل وزاري جديد بعد أزمته مع السبسي التي أدت إلى تجميد عضويته في نداء تونس، فضم التعديل الوزاري أكثر من شخصية تجمعية؛ مما جعل المراقبين يرون أن وفرة التجمعيين العائدين إلى الحكم عبر التحوير الوزاري الأخير توحي بأن هناك خطوة من الشاهد على درب المصالحة الشاملة.

وتفاقمت الأمور الآن مع احتدام التجاذبات السياسية في ظل قرب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة نهاية 2019، إلى درجة أن لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية بمجلس نواب الشعب التونسي صادقت في 30 يناير 2019، بأغلبية، على مقترح تنقيح القانون الأساسي للانتخابات عدد 19 لسنة 2018، والقاضي بحذف الفقرة الخامسة من الفصل 121، التي تنصّ على إقصاء كل من تحمّل مسؤولية في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي من عضوية مكاتب الاقتراع، ووصلت الأمور إلى تهديد كل من رئيسي كتلة حركة نداء تونس، وكتلة مشروع تونس بالانسحاب من التوافقات، وعدم التصويت لفائدة التنقيحات في حالة منع التجمعيين السابقين من المشاركة في مختلف مراحل العملية الانتخابية.

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

 

هل انتهى الربيع التونسي؟

بقيت أحزاب «الترويكا» -وهي الأحزاب التي شكلها الائتلاف الحاكم في تونس عقب سقوط نظام بن علي-، تؤكد أنها لن تسمح بعودة رجال بن علي إلى الساحة السياسية. لكن يبدو أن الواقع لا يتفق مع تلك الوعود، ففي 27 من يناير 2019، أعلن تأسيس حزب «تحيا تونس»، وهو حزب دعا إلى توحيد الموالين لبن علي والوطنيين الديمقراطيين في قوة سياسية موحدة، بل كلف مدير الديوان الرئاسي السابق، سليم العزابي، بتسيير الأمور القانونية والسياسية للحزب حتى تتم الانتخابات، والمفاجأة الأكبر كانت في تأكيد السياسيين التونسيين أن الشاهد يقف خلف تأسيس الحزب، بعد خلافه مع حزب نداء تونس، وبذلك يكون تحيا تونس الحزب الذي انبثق من الائتلاف الحكومي الحالي قد عدّ أزلام بن علي جزءًا من عملية البناء، وليسوا مجرد رصيد انتخابي يتم توظيفه.

حزب آخر سبق تحيا تونس وكان أكثر صراحة في نهجه السياسي بالارتكاز على نهج النظام السابق، إنه «الحزب الدستوري الحر» الآخذ بالصعود، والذي حمل جزءًا من اسم حزب بن علي المنحل، تترأس هذا الحزب عبير موسى، وهي تعمل بشكل واضح على تجميع التجمعيين، وخاصة المتضررين منهم من انهيار نظام بن علي لتغير المشهد السياسي، فهي كانت تشغل منصب أمين عام مساعد حزب التجمع المنحل، ولعبير تصريحات كثيرة لا تكف وسائل الإعلام الإماراتية عن الاحتفاء بها، كأن تقول: «الربيع العربي انتهى والعمل الآن هو إنقاذ تونس من منظومة الخراب التي جاءت بها الثورة الوهمية التي أنجزت في الغرف المغلقة لدوائر المخابرات الأجنبية لإسقاط البلاد وتحويلها الى دولة فاشلة».

ويستعد الحزب الدستوري الآن لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، للفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في مجلس نواب الشعب، لذي لا يستبعد المراقبون أن يكون هذا الحزب بديلًا جديًّا لنداء تونس إذا لم يتجاوز خلافاته، إذ تعمل عبير بجد على استقطاب الفئات الغاضبة من النهضة ومن نداء تونس، ولا يستبعد المحللون أن تستطيع عبير بفضل أزلام بن علي إحداث المفاجأة بالوصول إلى الدورة الثانية في الانتخابات القادمة.

ماذا تعرف عن الأرض التونسية التي يراها بعض اليهود أكثر أمنًا من إسرائيل؟!

 

المصادر

تحميل المزيد