على الرغم من مرور 4 أعوام على مقتله، إلا أنه ما زال يتكشف كل يوم جانب جديد من جوانب شخصية “بن لادن”. أسامة بن لادن زعيم القاعدة والعدو الأول لأمريكا والذي كان على رأس قائمة المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية، وتم الإعلان عن مقتله في 2 مايو 2011 عن طريق عناصر القوات البحرية الخاصة وذلك في مخبئه في مدينة أبوت آباد في باكستان.

وكانت القوات البحرية الخاصة قد صادرت هذه الوثائق الموجودة في خزينة أثناء عملية المداهمة، وبدأت في كشف الستار عن هذه الوثائق رويدًا رويدًا.

ويُذكر أنه تم الكشف على 86 وثيقة – أرقام أخرى تتحدث عن 103- ليصل بذلك عدد الوثائق التي رُفع عنها السرية بعد مصادرتها في منزل “بن لادن” إلى ما يقرب من 120 وثيقة.

ولكن ما هي أهم المعلومات التي احتوت عليها هذه الوثائق؟

بن لادن.. “كمدير” للتنظيم

قالت وكالة فرانس برس – التي حصلت على اطلاع حصري على الوثائق- أن “بن لادن” بدى وكأنه مدير للموارد البشرية للتنظيم، فحرِص على إتمام مهمة إدراة التنظيم على أكمل وجه، بدءًا من عمل “استمارة” الانضمام إلى التنظيم والأسئلة الواردة فيها، جدير بالذكر أن هذه الاستمارة احتوت على عدة أسئلة يتم منها استيضاح الأهداف التي ينضم بسببها الجهاديون للتنظيم، وعما إذا كانوا يريدون تنفيذ عمليات استشهادية، وعن الخبرات السابقة في الجهاد والقتال، وسؤال عمن يمكن للتنظيم التواصل معه في حال “استشهد” صاحب الاستمارة. يُبدي هذا الأمر كم أن “بن لادن” كان مهووسًا بالإدارة والحرص على ترتيب أبسط الأمور.

وفي نفس الاستمارة كان هناك سؤال حول إذا ما كان يريد صاحب الاستمارة الانضمام لـ”المهام الخارجية” والتي تختص بالعمليات في البلاد الغربية، وأشار “بن لادن” للصفات التي يجب أن يتحلى بها منفذو تلك الهجمات مثل “الصبر والورع” وضرب مثالًا بمنفذي اعتداء نبيروبي على السفارة الأمريكية وأشار إلى أنهم قد مكثوا في منزلهم 9 أشهر دون الخروج لضمان نجاح العملية، يوضح هذا السلوك كم كان “بن لادن” مُحكم التنفيذ والسيطرة.

أمريكا هي العدو الأوحد، وتنبؤ زعيم القاعدة بقيام داعش

تُظهر الوثائق مدى كراهية “بن لادن” لأمريكا، فقد أكد على ضرورة قتال أمريكا أولًا بدلًا من الاتجاه للدول العربية حتى تقوم أمريكا بترك المسلمين وشأنهم وعلى أن تكون الأولوية لقتل ومقالة الأمريكيين وممثليهم، وأن “الأولوية يجب أن تكون ضرب أمريكا لإجبارها على التخلي” عن أنظمة الشرق الأوسط.

حتى إنه تحدث عن ضرورة التعايش بسلام جنبًا إلى جنب والاتفاق إلى صيغة تعايش بين تنظيم القاعدة في اليمن – الأنشط والأكثر انتشارًا- وضرورة وقف استهداف قوات الأمن من الجيش والشرطة، لأن الهدف هو محاربة “الأمريكان”.

وأظهر “بن لادن” أيضًا اهتمامًا بالغًا بفرنسا، حيث عُثر على 19 وثيقة تخص فرنسا، وفي 2010 – أي قبل مقتله بسنة- كان متابعًا للمفاوضات الخاصة بالفرنسيين الذين تم اختطافهم في بلاد المغرب الإسلامي وخطف صحفيين اثنين فرنسيين في أفغانستان، وبيد أنه كان يعطي توجيهاته لمنفذي العمليتين، وكان مقابل الإفراج عن الرهائن الفرنسيين – من القاعدة في بلاد المغرب العربي- اشترط على فرنسا الانسحاب من أفغانستان.

أوضحت الوثائق أن “بن لادن” كان على اطلاع على محاولات إنشاء الدولة الإسلامية وإعلان الخلافة، وهو ما رفضه “بن لادن”، وأوضح أن “الانقسامات في الحركات الجهادية قد يؤدي إلى هزيمتها”، وأن إعلان الخلافة الآن في ظل ما تعانيه البلاد العربية ليس مناسبًا.

وكان تنظيم القاعدة في العراق الذي تبلور وتحول لداعش على خلاف مع القاعدة حيث بعث “جهاديون” عراقيون في 2007 رسالة إلى “بن لادن” يلقون باللوم عليه بسبب عمليات القاعدة في العراق والتي كانت تُضر بهم وعلى حسب تعبيرهم الوارد في الوثائق “فضائح تُرتكب باسمهم”.

وقبيل مقتله تشير الوثائق إلى أنه كان قد أعد إلى عملية أخرى تستهدف أمريكا وذلك في الذكرى العاشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن هذه الرسالة لم تكن مؤرخة، لكن يُعتقد أنها كتبت في ديسمبر 2010، وذكر فيها: “نترقب الذكرى العاشرة للهجمات المباركة على نيويورك وواشنطن خلال تسعة أشهر”. وأكمل في رسالته والتي من غير المعروف إلى من وُجهّت “تدركون جيدًا أهميتها وأهمية الإفادة من هذه الذكرى في وسائل الإعلام لتمجيد انتصارات المسلمين ولننقل إلى العالم ما نريد نقله”.

مخاوف “بن لادن”.. فوبيا التجسس

كان “بن لادن” يخشى التجسس عليه، وكان يعاني من فوبيا أوصلته أن يطلب من زوجته “خيرية” وأم ابنه حمزة الموجودين بـإيران من بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر – وهم تحت الإقامة الجبرية-، بأن تتخلص من كل متعلقاتها وحتى ملابسها قبل قدومها إليه، وخوفه من أن يقوم أحد بذرع شريحة دقيقة في ملابسها للتصنت عليه، فقال في رسالته “قبل وصول أم حمزة إلى هنا يجب أن تتخلص من كل شيء بما في ذلك الملابس والكتب، وكل ما كانت تملكه في إيران” ووجه “بن لادن” سؤالًا في الرسالة ما إذا كانت أم حمزة زارت طبيب الأسنان في إيران وإمكانية وضع “حشوة في أسنانها” تقوم برصد حركتها والتصنت عليهم.

“بن لادن” لا يأمن للإيرانيين ويشيد بنموذج حماس في غزّة ويتابع عن كثب الوضع في مصر بعد الثورة

وأوضحت الوثائق أن “بن لادن” على الرغم من وجود ابنه “حمزة” وزوجته “خيرية” في إيران، إلا أنه قد وُجد في رسائله التي كانت إحداها موجهه لزوجته “ألا تثق بالإيرانيين” وتترك كل شيء خلفها هناك.

وقد دافع “بن لادن” عن النموذج التي انتهجته حماس في إدارتها وسيطرتها على قطاع غزة، موضحًا أن المطالبة بإعلان دولة إسلامية في غزة أمر غير واقعي، وجزء من رسالته: “يجب أن نضع نصب أعيننا أن ترتيب العمل لقيام الدولة يبدأ بإنهاك الكفر العالمي صاحب النفوذ الكبير على دول المنطقة التي تفرض حصارًا على حكومة حماس، التي لا يشك عاقل في أنه لا خيار أمامها سوى السقوط، أو الرضوخ لما يُطلب منها”.

وعن القضية الفلسطينية ككل، أسند “بن لادن” عدم حدوث أي تغيير في هذا الشأن بأن أمريكا ودعمها الدائم لإسرائيل على مدار ستين عامًا جعل من التحرك في هذا الأمر شيئًا صعبًا، وعليه فيجب التركيز على الجانبين الاقتصادي والأمني للشعب الأمريكي.

وعند رده على سؤال لـ”جيش فتح الإسلام” الموجود بقطاع غزة، حول جواز أخذ تمويل من حركتي الجهاد الإسلامي، أوضح أنه يجوز على الرغم من أن تمويل هذه الجماعة بالأصل من “الدولة الرافضة” – المقصود هنا إيران- إلا أنه لا يضر، يجوز الأخذ منه حتى وإن كانت “الدولة كافرة” بحد تعبيره.

وعن مصر والثورة في الخامس والعشرين من يناير، أوضح في أحد النصوص متابعته لما يحدث في مصر وضرورة تحفيز الشعوب العربية وإقناعهم “بالقيادات الدينية”، ووجه التنظيم إلى ضرورة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل بشكل أكبر مع الشباب بعد الربيع العربي.

“بن لادن” كأب وزوج

يذكر أن معظم خطاباته لزوجته الثالثة “خيرية” ويقال إنها أحب زوجاته إليه، وأن “حمزة” ابنها هو الابن المفضل لديه والذي يبلغ من العمر 22 عامًا وكان يُعده “بن لادن” ليخلفه في إدارة التنظيم من بعده. غير خطاباته التي كانت على قدر كبير من الرومانسية، فكتب في إحدى الرسائل لـ”خيرية”: “كم انتظرت مغادرتك إيران”، وجوابات أخرى متبادلة بينه وبين ابنه حمزة الذي يشعر بالمرارة لعدم وجوده إلى جانب والده وهو يكبر، وقد أعطى “خيرية” الإذن بالزوج من بعده إذا حدث له أي مكروه.

زعيم القائدة مر بأزمة مادية أيضًا

في إحدى الوثائق كان هناك حديث عن حب “بن لادن” وإعجابه الشديد بـ”زيت شجر النخيل”، وأنه فكر في استغلاله كمصدر دخل للتنظيم، حيث تواجد بكثرة في المكان الذي اختبأ فيه “بن لادن”.

ماذا كان يقرأ “بن لادن”؟

ذكرت الوثائق ولع “بن لادن” بالقراءة واحتواء مكتبته على العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وكانت الكتب تتمتع بتنوع كبير إلى حد ما، فالكتب الموجودة في مخبأه احتوت على كتب عن العلاقات بين الطوائف الدينية في أوائل العصور الوسطى في إسبانيا، واقتصاديات فرنسا في الثلاثينيات من القرن الماضي والأخطاء الأخيرة التي ارتكبتها وكالات الاستخبارات الأمريكية وحرب فيتنام لكن معظم المواد كانت حول منظمة “القاعدة”.

ذلك غير الكتب التي تتحدث عن نظرية المؤامرة وأحداث 11 سبتمبر وكتب لنعوم تشومسكي، وبول كينيدي، وكتب دينية ومجلدات الأحاديث النبوية، وقواميس باللغتين العربية والإنجليزية، وكتب عن قواعد اللغة العربية.

غير الكتب التي كانت تعنى بالجهاد، وأعمال مُعلّمه هناك عبد الله عزام المكتوبة في الثمانينيات من القرن الماضي، وكتاب “أمريكا التي شاهدت” لسيد قطب، مذكرات من رحلة قصيرة إلى الولايات المتحدة، ويعد سيد قطب من أبرز منظري الجهاد الحديث.

كان ذلك جزءًا من الوثائق التي قامت المخابرات الأمريكية بإخراجها للعلن، وذلك ردًّا على تقرير سيمور هيرش الصحفي الاستقصائي الشهير الذي كان قد شكك في صحة الرواية الأمريكية حول مقتل “بن لادن”، فجاءت هذه الوثائق كرد عن أن “بن لادن” قتل في مايو 2011، وهذه الوثائق كدليل على صحة الرواية الرسمية.

المصادر

تحميل المزيد