«مجموعة بن لادن»، وهي من أكبر الشركات السعودية، ومن بين أكبر شركات البناء في الشرق الأوسط، تعيش واحدةً من كبرى الأزمات التي تهدد وجودها المستقبلي داخل المملكة العربية السعودية، على خلفية حادثة سقوط الرافعة في الحرم، وما تبعه من عقوبات اقتصادية من جانب الحكومة السعودية.

خلال الأسبوع الماضي، تسربت معلومات من الشركة، التي يقارب إجمالي العاملين فيها 200 ألف عامل، أن الحكومة السعودية رفعت العقوبات عن الشركة، وسمحت لها باستمرار تنفيذ مشاريعها.

من «عتال» لأكبر مقاول في السعودية

تأسست «مجموعة بن لادن»، قبل ثمانين عامًا، على يد «محمد بن عوض بن لادن»، والد الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة، «أسامة بن لادن»، وذلك في عام 1931، قبل أن يتولى إدارتها، أخوه «بكر بن لادن».

مجموعة بن لادن

محمد بن لادن


وتعود جذور محمد بن عوض بن لادن، إلى اليمن، وتحديدًا العاصمة «حضرموت»، قبل أن يُمنح الجنسية السعودية، في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. بدأ «بن لادن» مشواره داخل السعودية عتّالًا، وهو في عمر 15 عامًا، في مدينة جدة، «ثُوّ شوّاءً» خلال مواسم الحج والعمرة، وبالتدريج اتجه إلى عالم «المقاولات»، الذي صعد نجمه، وعلا سهمه فيه، لتصبح شركته واحدة من أكبر شركات المقاولات في العالم.

بعد تبني تنظيم القاعدة هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، سعت الشركة إلى التبرؤ من أسامة بن لادن؛ كي لا تُضار استثماراتها، سواءً داخل السعودية أو خارجها، فأصدرت بيانًا صحافيًا، قالت فيه «إن مجموعة الشركات التي تولى بكر بن لادن مهام إدارتها، لا علاقة لها بأسامة بن لادن، وأن ميراث الأب قد تم توزيعه قبل سنوات من أحداث سبتمبر (أيلول)».

ولمحمد بن لادن 54 ابنًا وابنة من 22 زيجة. 13 من أبنائه هم أعضاء في مجالس إدارة شركة العائلة، منهم «بكر» و«حسن» و«إسلام» و«يحيى». وخلف بكر الابن الثاني لمحمد، أخاه سالم كرئيس للشركة في المرحلة الحالية.

«طاعة ولي الأمر فوق كل اعتبار»، كان هذا هو المبدأ الذي رسخه الأب الملياردير في منهج التربية لـ54 من أبنائه، حسبما ذكر الكاتب الأمريكي «ستيف كول»، في كتابه «آل بن لادن: العائلة العربية في القرن الأمريكي»، الصادر عام 2008.

تصدعات تُلقي بظلالها على «البيزنس»

تمتعت العلاقة بين «آل بن لادن» و«آل سعود»، الأسرة الحاكمة للمملكة العربية السعودية، بخصوصية، جرى استثمارها تاريخيًا من جانب المجموعة الاستثمارية، التي انعكست عليها في صورة منح، وعقود مشاريع ضخمة، جعلتها من أكبر شركات المقاولات في العالم.

وخلال الصراع التاريخي بين «آل سعود» والرئيس المصري الراحل «جمال عبد الناصر»، توطدت العلاقة بين الجانبين؛ إذ دفع بن لادن من جيبه الخاص، رواتب موظفي الدولة، على خلفية الأزمة المالية التي كانت تعيشها السعودية، في المُقابل، ردت الإدارة السعودية، بمنحه عقودًا طويلة الأمد، في العديد من المشاريع العملاقة، فضلًا عن منحه امتياز التزود بالغاز الطبيعي المستخرج من آبار النفط التي تتولاها شركة «آرامكو» حاليًا.

بحلول فترة الثمانينيات، عرفت العلاقة بين الطرفين منحنى جديدًا في مد أواصر التحالف بينهما؛ إذ شكل «سالم بن لادن»، الابن الأكبر، إلى جانب «بندر بن سلطان» (السفير السعودي في واشنطن في تلك الفترة)، ذراعًا مهمة للملك «فهد»، في أمريكا؛ فكان يحضر بعض اجتماعاته مع الرئيس «رونالد ريجن»، ويسافر عبر عواصم العالم؛ لتأمين الرفاهية للأمراء السعوديين.

هذه العلاقة الوطيدة بين الجانبين، انعكست في منح المجموعة مهمة أول توسعة في الحرمين، في العهد السعودي، في عام 1955، لتمتد خدمات الشركة بعد ذلك، في مشاريع استثمارية، بمجالات أوسع، كشق الطرقات، وتشييد الجسور والمطارات والبنايات والقصور الملكية.

كما تولت المجموعة تنفيذ مشاريع ضخمة في السعودية، بينها برج «الفيصلية» وسط الرياض، وبرج «الساعة» في مكة، الذي يعد من بين الأعلى في العالم. كما تولّت الشركة في الأعوام الماضية مشاريع التوسعة الضخمة في المسجد الحرام.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يضيق فيها الخناق على استثمارات بن لادن، داخل المملكة؛ إذ سبقتها مرات عديدة، بدأت مع ولاية مؤسس الشركة «محمد بن لادن» ببنائه سلسلة قصور في عهد الملك سعود، فيما لم تصرف له مستحقاته المالية، كما حجبت مستحقات الشركة في عهد الملك فهد لأشهر عديدة، وبدون سبب، وذلك في منتصف الثمانينات.

مأساة المسجد الحرام: القشة التي قصمت ظهر «بن لادن»

تعود وقائع الأزمة التي تعيشها «مجموعة بن لادن» مع الحادث الذي وقع في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الحالي، والذي أسفر عن مقتل 108 أشخاص، وإصابة حوالى 400 بجروح، وبين هؤلاء عدد من الأجانب الذين وصلوا إلى مكة؛ لأداء شعائر الحج.

 

على خلفية هذه المأساة، عاقبت السعودية «شركة بن لادن»، بمجموعة تدابير صارمة، تتعلق بسحب عدد من العقود الحكومية الضخمة الممنوحة من جانب الحكومة، بخاصة بعد ظهور تسريبات من التحقيقات الأولية في الحادثة، تُظهر أن «مجموعة بن لادن»، مسئولة جزئيًا عن الحادث؛ لأنّ الرافعة كانت في وضعية خاطئة، ما عرّضها للانهيار؛ بسبب الرياح القوية التي هبّت.

وشملت هذه الإجراءات قرارًا ملكيًا بإيقاف تصنيف مجموعة بن لادن، ومنعها من الدخول في مشاريع جديدة، لحين الانتهاء من نتائج التحقيق، بجانب منع سفر جميع أعضاء المجموعة، حتى نهاية التحقيق، وتكليف وزارة المالية والجهات المعنية عاجلًا؛ بمراجعة جميع المشاريع التي تنفذها المجموعة، وتأخير سداد مستحقات الشركات، ما أدى لتراكم الديون، وخسائر كبرى.

هذا الأمر كانت تداعياته متمثلة في قوع الشركة تحت وطأة ديون بمليارات الدولارات، واستغناء المجموعة السعودية، عن 77 ألف موظف أجنبي، بجانب الاستغناء عن آلاف الموظفين السعوديين؛ وذلك بعد تأخرها عن دفع رواتب عدد كبير من موظفيها لأشهر؛ جراء مصاعب مالية، بدأت تواجهها منذ العام الماضي، وتعكس بشكل أوسع الأزمة التي تعاني منها السعودية نتيجة انخفاض أسعار النفط.

يُذكر أن عدد الموظفين الأجانب في المجموعة يُقدر بـ200 ألف، وهي تُعدّ من كبريات الشركات العاملة في مجال البناء في العالم، فيما كان عدد الموظفيين السعوديين، ممن تم الاستغناء عنهم، 12 ألف سعودي، من أصل 17 ألفًا سعودي، يعملون في الشركة، بوظائف تتراوح بين مسئول إدارة، ومهندس، وإداري، ومراقب.

هل ستعود «بن لادن» للعمل في السعودية من جديد؟

خلال الأسبوع الماضي، تسربت أنباء عن سماح الحكومة السعودية بإعادة تصنيف الشركة، وعودتها إلى تنفيذ المشروعات الحكومية، في خطوة من شأنها تخفيف الضغوط على مجموعة المقاولات العملاقة، والبنوك المقرضة، كما شمل ذلك تسلم الشركة مرسومًا ملكيًا يقضي بالسماح لها بالتقدم بعروض تنفيذ المشروعات الحكومية مرة أخرى، وبرفع حظر السفر الذي فرض على كبار مديريها في أعقاب كارثة الحرم.

يعتقد الكثير من الخبراء، أن أسبابًا عديدةً تدفع نحو صحة المعلومة المُسربة، بشأن سماح الحكومة السعودية بعودة «مجموعة بن لادن»، لتنفيذ المشاريع؛ لتخفيف الضغوط المالية على «مجموعة بن لادن»، لتسهيل مشاركة الشركة في عدد من المشروعات، التي ينظر إليها على أنها استراتيجية وحيوية للاقتصاد، مثل مشروع «مطار الملك عبد العزيز الدولي»، في جدة، ومشروع «مركز الملك عبد الله المالي في الرياض»، خاصة أن الشركات المحلية الأخرى لا تمتلك الطاقات والقدرات التي تحظى بها المجموعة.

لكن ستكون عودة المجموعة للعمل، لتنفيذ مشاريع مرتهنًا بحذر وترقب ومراقبة، من جانب الأسرة الحاكمة، خاصة مع مساعي الأمير «محمد بن سلمان»، ولي ولي العهد، فتح الباب أمام شركات أجنبية؛ تنفيذًا لرؤيته المتعلقة بحقبة «ما بعد النفط».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد