عرفه الكثيرون في العالم من خلال صورته وصوته اللذين انتقلا عبر شاشات التليفزيون ومحطات الإذاعة، مُهددًا، ومُهاجمًا، وحاملًا رؤية «القاعدة» للعالم حتى قبل مقتله بأسبوع.

لكن إرث أسامة بن لادن الذي تركه في مقرَّاته في «قندهار» الأفغانية عقب الغزو الأمريكي في 2001 لم يُكشف كاملًا حتى الآن؛ فبعد أشهُر من الغزو، عثرت عائلة أفغانية في منتجعٍ لبن لادن على كنزٍ غير متوقَّع: 1500 شريط كاسيت تُمثِّل مكتبة «القاعدة» الصوتية.

من حوزة العائلة الأفغانية إلى محل بسيط لأشرطة الكاسيت، ثُم إلى مصوِّر لشبكة «سي إن إن»، انتقلت الأشرطة إلى جامعة «ويليامز كولدج» في الولايات المُتحدة الأمريكية، التي تُدير مشروعًا معنيًا بالحفاظ على التراث الثقافي الأفغاني (Afghan Media Project). لم تجِد الجامعة أفضل من البروفيسور «فلاج ميلر»، أستاذ الأدب والثقافة العربية في جامعة «كاليفورنيا»، لتحليل محتويات الأشرطة.

ميلر يحاول ترتيب أشرطة الكاسيت التي وصلته في 2003.


قضى «ميلر» أكثر من 12 عامًا، منذ استقبل في مكتبه صندوقين قديمين مليئين بأشرطة الكاسيت في 2003، في الاستماع إلى صوت «بن لادن»، وأكثر من 200 شخصية أخرى، بالإضافة إلى الكثير من التسجيلات الصوتية. «ميلر» هو الشخص الوحيد في العالم الذي استمع إلى محتوى الأشرطة كاملًا حتى الآن.

يكشف أرشيف «بن لادن» الصوتي، الذي يبدأ في أواخر الستينات من القرن الماضي إلى 2001، جوانب عن شخصيته لا تتناولها معظم الكتب، والوثائقيات، والتقارير الصحفية التي تناولت قصَّة صعود الملياردير السعودي «المجاهد» وسقوطه.

لا تخلو التسجيلات من محتويات غير متوقَّعة: محادثة مع جانٍ تلبَّس جسد رجلٍ ليتحدَّث عن «مؤامرات» سياسية، ومقاطع من أغنيات بوب لمغنٍ يهودي فرنسي من أصل جزائري يُدعى «إنريكو ماسياس» اشتهر في فرنسا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومقطع من خطبة لبن لادن بدأ فيها بالحديث عن ضرورة مواجهة الأمريكان بمقاطعة منتجاتهم في 1993؛ هذه الخطبة بالتحديد يقتبس فيها «بن لادن» من «المهاتما غاندي»، الزعيم الروحي الهندي الشهير، الذي يؤمن باللاعنف والمقاومة السلمية.

ومع الإعلان عن إصدار كتابه «الزاهد المُتهور: ما يكشفه أرشيف «بن لادن» الصوتي عن القاعدة» في سبتمبر المقبل، راسلت «ساسة بوست» البروفيسور «ميلر»، عبر البريد الإلكتروني، للحديث عن الكتاب، وعن رحلة استغرقته أكثر من عقدٍ من الزمان في داخل عقل «القاعدة» وقائدها.

يقول «ميلر»: «لم أسمع ببن لادن قبل هجمات 11 سبتمبر رغم أنِّي قد عشتُ في اليمن، وتونس، وسوريا، لأربعة أعوام قبلها. ومع بداية الاستماع إلى الأشرطة في 2003 كنت قد سمعت الكثير عنه وعن حياته بكل تأكيد. معظم محتوى الأشرطة يرجع لمُتحدثين آخرين غير بن لادن، ويعالج أمورًا أعرفها بحكم معيشتي وعملي في المجتمعات الإسلامية؛ لذا كان التحدي الذي واجهني هو التجوُّل في الأشرطة مع أخذ «قصة بن لادن» في الاعتبار.»

وبحسب «ميلر»، يحتوي 23 شريطًا فقط على صوت «بن لادن» نفسه، و99 بالمئة من محتويات الأرشيف تُسجل أناشيد، وخطب، وأحاديث باللغة العربية.

احتوت الأشرطة على الكثير من الخطب والأناشيد الإسلامية.

لكن ما تكشفه بعض الأشرطة بعيدٌ بدرجةٍ ما عمَّا قد نتصوَّره عن طبيعة «المجاهدين» في تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن نفسه وحياتهم. ثمَّة درجة من «الكوزموبوليتانية»، بحسب «ميلر»، نلاحظها في شخصية «بن لادن» ومقاتلي «القاعدة» الذين كانوا متعددي الأعراق واللغات، لكنه كان يجتهد في التأكيد على إسلاميَّة أهدافه ومعاركه.

يتابع «ميلر»: اجتهدت في ترتيب الأشرطة زمنيًا لفهم تطوُّر شخصية «بن لادن» قبل هجمات 11 سبتمبر وبعدها. بإمكاني القول إن الكثير قد تغيَّر منذ أن التقط المسؤولون الأمنيون، والصحفيون، والمُحللون الاستخباراتيون وخبراء الإرهاب الغربيون قصَّة «بن لادن» وضخَّموها. ومع تصاعُد الاهتمام بصراع «بن لادن» مع الغرب على خلفية المحاولات الأمريكية لإزاحة صدام حسين من منصبه، استغل «بن لادن» وأنصاره الزخم الذي حصلوا عليه نتيجةً للتقارير الإعلامية المُكثَّفة.

لكن الغرب وأميركا لم يكونا دائمًا عدو «بن لادن» الأوَّل. يقول «ميلر» في لقائه مع «بي بي سي» إن الأشباح التي طاردها «بن لادن» في بداياته، كما تكشف التسجيلات، لم تكُن أميركا والغرب، بل مسلمين آخرين.

يتحدَّث «بن لادن» في خطبه الأولى أمام جمعٍ في السعودية واليمن عن التهديدات التي تواجه شبه الجزيرة العربية مع انتشار «الكُفر» بين المسلمين: الشيعة أولًا، ثم البعثيين في العراق، والشيوعيين والناصريين في مصر. وفي سعيه إلى تحديد معنى «المسلم الحقيقي»، انتقل «بن لادن» بعد ذلك إلى معاداة «الشيطان الأكبر» وشعار «الموت لأمريكا».

يخبرنا «ميلر» عن أهمية شرائط الكاسيت في ترويج أفكار «بن لادن» وعمليات «القاعدة» فيقول إنها الوسيط الأكثر سهولةً في الانتشار والتهريب؛ فهي تحتوي على أصوات وعبارات ستقطعها يد الرقابة في أي وسيطٍ آخر، كما أنها ساعدت الكثير من الحركات الثورية والإصلاحية منذ انتشارها في العالم العربي في أواخر ستينات القرن الماضي.

ويحاول «ميلر» في كتابه استعراض جوانب شخصية «بن لادن» المختلفة وطبيعة تنظيم «القاعدة» كما رآها في التسجيلات.

يقول «ميلر»: «القليل من الشخصيات التاريخية اجتذبت هذا الكم من الروايات المتناقضة عن حياتها كتلك التي سردت حياة «بن لادن». تكشف الأشرطة أن أعداء «بن لادن» كانوا كُثُر؛ فكان التحدي الذي واجهته هو تحليل التغيُّر الذي طرأ على أعدائه ومعاركه؛ لأن معظم الكتب (التي تناولت حياة بن لادن) تميل إلى اختيار أحد معاركه (لتضعها في دائرة الضوء) وتهميش البقية.»

تتلاعب الكثير من الأشرطة بقلوب «المجاهدين» الجدد، بحسب «ميلر»، عبر مزج قصص المعارك بالأصوات الدرامية، والأناشيد، والخطب؛ كل ذلك كان يساعد في تأليف وتجنيد المقاتلين كأداة بروباغندا.

الكثير من تسجيلات الصوت والفيديو انتشرت من داخل «القاعدة» لأبرز قادتها عبر العقود الماضية، لكن القيمة التي تضيفها هذه الأشرطة ليس فقط عرض تسجيلات حية لمقاتلي القاعدة، وما كانوا يستمعون إليه، والخطب والأناشيد التي كانوا يهدونها إلى «بن لادن»؛ فالعديد من الخطب التي نُشرت قبل ذلك تُظهر التسجيلات أنَّ نقلها كان مقطوعًا من سياقه.

يقول «ميلر» لـ«بي بي سي»: «خطبة بن لادن في عام 1996 من «تورا بورا»، بعد نفيه من السودان وسحب الجنسية السعودية منه بضغطٍ من الولايات المتحدة الأمريكية، توصف عادةً بأنها «إعلان حرب». الثلث الأخير من الخطبة الذي يحوي 15 قصيدةً عادةً ما يقتطع، لكنه مهمٌ لفهم أنَّ الخطبة لم تكُن إعلان حرب، بل إعلان غضبٍ على أمريكا في ضوء صراعٍ أكبر ضد الفساد في السعودية.»

هل احتوت التسجيلات على أيَّة إشارة إلى خطة لهجمات 11 سبتمبر؟ لا يظهر ذلك إلا في واحدٍ من الأشرطة الأخيرة في الأرشيف. يعرض التسجيل أحداث حفل زواج «عُمر»، أحد حُرَّاس «بن لادن» الشخصيين، في مارس 2001؛ يتحدَّث فيه زعيم القاعدة عن «خطة» لا يكشف تفاصيلها، وعن أن الاحتفال لا يجب أن يُنسي مقاتلي «القاعدة» التحديات التي ستواجههم.

يمكنك الاستماع إلى التسجيلات كما رتَّبها وترجمها «ميلر» إلى الإنجليزية من هنا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد