هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

في مشهد درامي في قصر ملكي في السعودية، جثا محمد بن سلمان أمام ابن عمه محمد بن نايف، الذي عُزل للتو من ولاية العهد، وقبّل يديه مرارًا وتكرارًا ثم قبل ركبته، ثم يخرج ابن نايف من الغرفة قائلًا لابن عمه: «الله يعينك». كان ذلك في 21 يونيو (حزيران) عام 2017.

قبل هذا المشهد بـ45 يومًا سُجّل عقدٌ لوزارة الداخلية السعودية التي كان يرأسها محمد بن نايف شخصيًا بالإضافة لولاية العهد، مع شركة الضغط السياسي والعلاقات العامة الأمريكية «مجموعة سونوران للسياسات – Sonoran Policy Group»، فقط بعد يومٍ من إعلان الرئيس دونالد ترامب عن نيته التوجه أولًا للسعودية في أول رحلة خارجية له منذ توليه الرئاسة.

يقدم هذا التقرير قصة المحاولة الأخيرة لمحمد بن نايف في واشنطن، وتفاصيل العقد وما تبعه من أحداث.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي أوباما يستقبل ولي العهد السعودي محمد بن نايف، ونائبه -آنذاك- محمد بن سلمان.

محمد بن نايف.. رجل الاستخبارات الأمريكية يستنجد بدوائر ترامب

لم يضطر محمد بن نايف طوال سنوات عمله السياسي للتعاقد مع أيٍ من شركات الضغط السياسي، إذ تمتع بعلاقات وثيقة مع دوائر الاستخبارات الأمريكية، فمثلًا في فبراير (شباط) 2017، كرَّمه مايك بومبيو، رئيس الاستخبارات الأمريكية حينها، ووزير الخارجية السابق، وقدم له ميدالية «جورج تينيت» «لمكافحة الإرهاب» مقابل جهوده الحثيثة في السنوات الماضية في «الحرب على الإرهاب».

وفي 5 مايو (أيار) 2017 وقّع على العقد خالد الغنام، المدير العام لإدارة الأمن الفكري بوزارة الداخلية السعودية، وهي إدارة أسسها وزير الداخلية الأسبق الأمير نايف بن عبد العزيز (والد محمد بن نايف) عام 2007 لـ«محاربة التطرف الفكري». ونصَّ العقد على أن صلاحيته ستستمر لعام واحد مقابل 450 ألف دولار شهريًا، وهو رقم كبيرٌ نسبيًا مقارنةً بأسعار سوق الضغط السياسي، ومجموعه لمدة عام 5 ملايين و400 ألف دولار..

أفصحت الشركة عن العلاقة على موقع وزارة العدل الأمريكية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب المعروف اختصارًا بـ«فارا»، واتفق الطرفان على أن تقدّم الشركة خدمات «استشارية» في الشؤون الحكومية والتجارية بالولايات المتحدة، وأن تتواصل لصالح العميل مع الأجهزة التنفيذية للحكومة الأمريكية والأجهزة التشريعية (الكونجرس).

محمد بن نايف -

صورة لعقد محمد بن نايف، ولي العهد السعودي المخلوع، تمّ العقد بواسطة وزارة الداخلية السعودية، ويظهر توقيع خالد الغنام، المدير العام لإدارة الأمن الفكري. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

كان ابن نايف في سباق مع الزمن، فقد سبقه محمد بن سلمان بالسفر لواشنطن بعد فوز ترامب، فزار البيت الأبيض في مارس (آذار) عام 2017 واجتمع مع ترامب وفريقه لمناقشة قضايا إقليمية مختلفة مثل حرب اليمن، والنفوذ الإيراني في المنطقة، ورؤية محمد بن سلمان «رؤية 2030»، ومناقشة السلام العربي الإسرائيلي، الموضوع الشاغل لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي والصديق المقرب لابن سلمان.

Embed from Getty Images

ترامب يستعرض مخطط المبيعات الدفاعية أثناء استقباله ابن سلمان في مارس (آذار) 2018 

ثم عُقدت بعد الزيارة بشهرين قمة الرياض التي خرج منها ترامب مظفرًا بصفقات تجارية وعسكرية بلغت قيمتها 350 مليار دولار أمريكي. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن قلق بعض المراقبين السعوديين بعد القمة بسبب التقارب الشديد بين كوشنر ومحمد بن سلمان، وما قد تكون له من تبعات لأمريكا إذا صارت طرفًا في الصراع الداخلي على ولاية العهد مع ابن نايف.

وسرعان ما جاءت الضربة و«أُعفي» ابن نايف بأمر ملكي من ولاية العهد وأزيل من وزارة الداخلية، لتلغي وزارة الداخلية عقدها في نفس اليوم، 21 يونيو (حزيران) 2017، ولم يمض حتى ذلك الوقت سوى شهر ونصف على توقيع العقد، ولم تذكر الشركة أية تفاصيل أو أنشطة قامت بها، ولكنها أخذت كامل المبلغ لأن الاتفاق نصّ على استلامه بالكامل بعد توقيع العقد، ومن غير المعتاد أن يدفع الزبائن مبالغ بهذا الحجم دفعةً واحدة في تعاقداتهم.

وبعد عزل محمد بن نايف من منصبه، مُنع هو وأهله من السفر، وصادرت السلطات السعودية 21 مليار ريال من الأصول السائلة للشركات التابعة لابن نايف.

مبلغ مالي دفعته وزارة الداخلية السعودية، نيابةً عن محمد بن نايف ولي العهد السابق، لشركة «مجموعة سونوران»، ويظهر أن المبلغ دفع في 21 مايو (أيار) 2017، قبل قرابة شهر من خلعه من الولاية. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

في خدمة الأمراء المعتقلين

يتمتع روبرت ستريك، الرئيس التنفيذي لشركة سونوران، بعلاقات وثيقة مع دوائر ترامب المقربة، وتصفه صحيفة «نيويورك تايمز» بأنّه «الجندي المجهول وصانع الصفقات» في عهد ترامب. فقد عمل ستريك مع محامي ترامب الخاص وعمدة نيويورك الأسبق رودي جولياني، ونسقَ له زيارة للبحرين للقاء الملك حمد آل خليفة وعقد صفقات تجارية مع جهات بحرينية.

ويحظى ستريك بعلاقات مقربة من كيرستن فونتروز، المسؤولة السابقة لملف السعودية في مجلس الأمن القومي، والتي استقالت من منصبها عقب جريمة اغتيال خاشقجي، مطالبةً الحكومة الأمريكية باتخاذ إجراءات صارمة تجاه الحكومة السعودية.

وبحسب وثائق الشركة على موقع وزارة العدل، يظهر أن لستريك عقود مثيرة للجدل، فبالإضافة إلى عقده مع الأمير ابن نايف، لديه عقود مع كلٍ من رجل الأعمال الجزائري علي حداد الذي ألقي القبض عليه في الجزائر في مارس (آذار) عام 2019 بتهم احتيال مالي، وعقد مع رجل الأعمال الكويتي سعود العرفج مقابل خدمات استشارية بشأن المنطقة النفطية المتنازع عليها بين الكويت والسعودية. وسربت وثائق لعقد الشركة مع المليارديرة إيزابيل دوس سانتوس ابنة رئيس أنغولا السابق.

روبرت ستريك – مصدر الصورة

وتطرح هذه العقود والعلاقات تساؤلات عن وجود محورٍ مؤيد للأمير ابن نايف كان داخل دوائر إدارة ترامب أو الحكومة الأمريكية، ففي منتصف عام 2020، وقع بعض الأمراء السعوديين المسجونين عقودًا مع شركات ضغط سياسي مقربة من دوائر ترام، إذ استأجر الأمير الشاب سلمان بن عبد العزيز بن سلمان (سُجن عام 2018) روبرت ستريك في مايو (أيَّار) 2020، بعقدٍ بلغت قيمته 2 مليون دولار، مقابل الضغط على الحكومة الأمريكية لإطلاق سراحه وبالترويج لقضيته لدى دول أخرى مثل بريطانيا، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي.

ومع مغادرة سعد الجبري الذراع الأيمن لابن نايف الرياض لاجئًا إلى كندا في مايو (أيار) 2017 (نفس الشهر الذي وُقع فيه عقد ابن نايف)، استأجر الجبري شركة الضغط السياسي «أفينيو ستراتيجيز – Avenue Strategies» التي يترأسها باري بينيت، مستشار سابق في حملة ترامب الرئاسية، ولكن التعاقد عبر شركة لخالد بن سعد الجبري في 17 أبريل (نيسان) 2020، وجدير بالذكر أنّ شركة أفينيو قدمت خدمات ضغط سياسي لدولة قطر بعد الحصار في 2017، واستمرت حتى إنهاء تعاقدها في أبريل (نيسان) 2020.

واليوم بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن للحكم كيف يمكن أن يتطوّر الخلاف على الحكم داخل الأسرة الحاكمة؟ وماذا قد تفعل إدارة بايدن بشأن الأمراء المعتقلين.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد