نشرت عدّة مصادر صحافيّة خبرًا عن زيارة وشيكة لوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الجزائر ضمن جولة تضمّ عدّة بلدان عربيّة، وتأتي هذه الزيارة في توقيت حسّاس للغاية؛ إذ تعدّ أوّل زيارة خارجية لابن سلمان بعد اغتيال الصحافي السعودي المُعارض جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، وسط تقارير مخابراتيّة عن مسؤوليّة الأمير الشاب الشخصيّة عن هذا الاغتيال.

وبعد انتشار خبر زيارة الأمير السعودي إلى الجزائر، وجدت السلطات الجزائريّة مُجبرة على إصدار بيان حول موضوع الساعة الذي التصق بابن سلمان: اغتيال الصحافي المُعارض جمال خاشقجي، إذ نشرت وكالة الأنباء الجزائريّة تصريحًا للناطق باسم وزارة الخارجية الجزائريّة أنّ الجزائر «تُدين اغتيال المواطن السعودي جمال خاشقجي» وأضاف بأنّ الجزائر «واثقة بأن العدالة السعودية ستتمكن من تسليط الضوء على هذه القضيّة».
يأتي هذا البيان قبل أيّام من زيارة ابن سلمان من أجل أخذ مسافة عن قضيّة خاشقجي وحرص المسؤولون الجزائريون على عدم تصوير الزيارة باعتبارها «تطهّرًا» من الاغتيال الدمويّ بالنسبة للأمير السعودي، في نفس الوقت، حاول البيان أن يكون متوازنًا نسبيًّا، إذ تحدّث عن «علاقات أخوّة وتعاون متينة» بين الجزائر والسعودية وثِقة جزائريّة في العدالة السعوديّة.

وقد شهدت مثل هذه الزيارة جدلاً كبيرًا في الجارة تونس؛ إذ انتفض أكاديميّون ومنظّمات حقوقيّة وصحافيّة ضدّ الزيارة، خصوصًا في توقيتها الحسّاس بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية في تركيا، والّتي تتّهم عدّة أطراف وليَّ العهد السعودي بأعطاء الأوامر لتنفيذها. وقد احتجّ نوّاب برلمانيّون بالإضافة إلى نقابة الصحافيين التونسيين على هذه الزيارة بسبب ما وصفوه بـ«تورطه ونظام الحكم في بلاده في جرائم بشعة تمس حقوق الإنسان».

أمّا من الجانب الجزائري فقد صرّح عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم (حزب إسلامي) بأنّه يرفض هذه الزيارة، وأضاف بأن ابن سلمان «مسؤول عن قتل أعداد هائلة من الأطفال والمدنيين في اليمن» وأضاف بأنّ استقبال وليّ العهد السعودي في هذه المرحلة «لا يخدم صورة الجزائر».

لكن لماذا اختار الأمير الشاب زيارة الجزائر بالذات ضمن هذه الجولة، وما هي أبرز الملفّات التي قد يناقشها الطرفان السعودي والجزائري؟ في الأسطر القادمة نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة.

1- من السيسي إلى ابن سلمان.. «مكّة الثوّار» أصبحت «مكّة المستبدّين»

تُعيد زيارة ابن سلمان إلى الجزائر في هذا التوقيت الحسّاس إلى الأذهان زيارة الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي الأولى إلى الجزائر مباشرة بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة سنة 2014 بعد عزل الجيش للرئيس محمد مرسي والأحداث الدمويّة التي صاحبت ذلك،
وقد لعبت الجزائر حينها دورًا محوريًّا في رفع التجميد عن مقعد مصر في الاتحاد الأفريقي الذي جمّدها بسبب اعتباره عزل الجيش المصري بقيادة السيسي للرئيس محمد مرسي انقلابًا عسكريًّا.

بوتفليقة رفقة السيسي في زيارته للجزائر سنة 2014

وتدخّلت الجزائر آنذاك من خلال وزير خارجيّتها آنذاك رمضان لعمامرة من أجل استخدام نفوذه لرفع التجميد. زيارة ابن سلمان تأتي في نفس السياق تقريبًا؛ إذ يهدف بزيارته للجزائر -رُفقة بلدان عربيّة أخرى- إلى التأكيد على امتلاكه اعترافًا دوليًّا من جيرانه على الأقل، خصوصًا بعد أحاديث نوّاب أمريكيين عن ضرورة رحيله عن السُلطة بعد أن كشفت «السي آي إيه» أنّه من أمر بتنفيذ اغتيال خاشقجي. ومثلما نأت الجزائر بنفسها عن التعليق على عزل الجيش للرئيس مُرسي، واكتفت بتعبيرات مُحايدة بقول الحكومة أنّها «تثق في عبقرية الشعب المصري لإيجاد حل يحفظ وحدته واستقرار مصر» لتطبّع العلاقات تمامًا مع الجانب المصري في سبتمبر (أيلول) سنة 2013.

من خلال عدم تدخّل الجزائر في الشؤون الداخليّة للدول الأُخرى وعدم التطرّق لأوضاع حقوق الانسان بها؛ تشكّل الجزائر حليفًا مثاليًّا لا تشكّل العلاقات معه أيّة عواقب، وبالتالي يبدو أنّ الدولة التي وصفها جمال خاشقجي بـ«البلد المُريح» ستكون إحدى أولى محطّات وليّ العهد الشاب لتبييض صورته بعد أنّ تلطّخت بدماء الجريمة المروّعة.

2- النظام الجزائري يحتاج هذه الزيارة أيضًا

تأتي هذه الزيارة المفاجئة في أوضاع استثنائيّة للجانب الجزائريّ أيضًا، إذ تعيش الجزائر شلَلاً سياسيًّا تامًّا بسبب مرض الرئيس بوتفليقة الذي لا يستطيع الكلام ولا الحركة بحُريّة، بالإضافة إلى تغييرات هي الأكبر منذ الاستقلال في قيادات الجيش الجزائري مع اقتراب انتخابات رئاسية توصف بالحاسمة في أبريل (نيسان) من سنة 2019. ولذلك تستغلّ مؤسّسة الرئاسة فُرصة الزيارات الرسميّة للمسؤولين ورؤساء الدُول من أجل إظهار الرئيس بوتفليقة للرأي العام بمظهر يوحي بممارسته لمهامه الرئاسيّة بطريقة طبيعيّة رغم المرض.

Embed from Getty Images

لكن مثل هذه الزيارات عادة ما تأتي بمفعول مُعاكس لما يُخطَّط له في قصر المُرادية في الجزائر العاصمة، إذ كثيرًا ما يظهر الرئيس بوتفليقة أمام عدسات الكاميرات المحليّة والأجنبيّة بمظهر الشخص المريض الذي لا يستوعب ما يجري من حوله، بل إنّ الأمر تطوّر في إحدى زيارات رئيس الوزراء الفرنسي السابق لدرجة كادت تصل إلى الأزمة الدبلوماسيّة بين البلدين، بعد أن نشر المسؤول الفرنسيّ صورة له مع بوتفليقة سبّبت سخطًا من الجانب الجزائري.

المارد الذي يخشاه الرؤساء.. هكذا يتحكّم الجيش الجزائري في خيوط اللعبة السياسية

يبحث الجانب الجزائري من خلال زيارة ولي العهد السعودي ابن سلمان العودة إلى الساحة الدوليّة بعد غياب للرئيس بوتفليقة عن أي محفل دولي منذ تدهور صحّته سنة 2013، وبالتالي -ورغم توقيتها المثير للجدل بعد تقارير تفيد بتورّط وليّ العهد السعودي في مقتل الصحافي جمال خاشقجي- إلاّ أنّها تبقى بالنسبة للسلطة الجزائريّة فُرصةً لتسويق صورة مفادُها أنّ الرئيس بوتفليقة ما زال يحظى باهتمام دوليّ وأن الجزائر لا تزال تمتلك ثقلاً في محيطها العربي والإقليمي، خصوصًا بعد دعوات أحزاب الموالاة في الجزائر للرئيس بوتفليقة بالترشح لعُهدة خامسة رغم حالته المرضيّة.

تحضر الصورة ويغيب الأصل.. كيف تسبب المناسبات الوطنية الجزائرية الحرج لبوتفليقة؟

3-أسعار النفط.. ورقة ابن سلمان لكسب رضا الأمريكيين

شهدت أسعار النفط في الأيام القليلة الماضية انخفاضًا حادًّا، إذ بلغت ما دون 60 دولارًا، وتعتمد الجزائر اعتمادًا كليًّا على الغاز والنفط في تحصيل العملة الصعبة، وبالتالي فإنّ تذبذب أسعاره يهدّد اقتصادها الوطنيّ بشكل عميق، ولذلك فيرجّح أن تكون أسعار النفط في صُلب المحادثات بين ولي العهد السعودي والمسؤولين الجزائريين، خصوصًا بعد شُكر الرئيس الأمريكي ترامب للسعوديّة على تخفيضها لأسعار النفط، ومطالبته إيّاها بتخفيظ سعره أكثر.

وكان وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان في حواره لشبكة «بلومبرج» الإخبارية قد صرّح بأن السعوديّة ستعوّض أيّ نقص في السوق نتيجة العقوبات الأمريكية على إيران وحظر استيراد النفط منها.

انخفاض أسعار النفط سيشكّل كارثة بالنسبة لخُطط النظام الجزائري، خصوصًا في هذه المرحلة الحسّاسة قُبيل انتخابات رئاسيّة حاسمة  في أبريل القادم، إذ لطالما استغلّ النظام الجزائر سنة الانتخابات في ما يوصف بسياسات «شراء السِلم الاجتماعيّ» من خلال تخفيض أسعار المنتجات الاستهلاكيّة وتوزيع السكنات وباقي البرامج الاجتماعيّة التي تهدف لامتصاص الغضب الشعبيّ؛ إلاّ أنّ انخفاض أسعار النفط سيعني أنّ تمويل مثل هذه البرامج لن يكون متوافرًا، بل إنّ الأزمة قد تشتدّ إذا ما استمرّت أسعار النفط في الانخفاض إلى درجة العودة إلى أزمة سنة 2015 و2016 حين اتّخذت الحكومة إجراءات تقشّفية نتيجة تراجع أسعار الذهب الأسود.

هل سيعرِض ابن سلمان على المسؤولين الجزائريين دعمًا ماليًّا واستثمارات لتجاوز أزمة تراجع الأسعار؟ يبقى هذا السيناريو مطروحًا، ولو أنّه مستبعد؛ خصوصًا أنّه لا توجد مصالح سعوديّة قويّة في الجزائر، باعتباره بلدًا ينأى بنفسه عن التدخّل في الأزمات العربيّة، ويسير بمبدأ «عدم التدخّل في شؤون الغير»، إذ يُلاحظ أنّ الجزائر اتّخذت موقفًا مُحايدًا من الأزمة الخليجية ودعت إلى حلّها بالحوار، كما أنّها عارضت حرب اليمن منذ البداية ورفضت الانخراط في «التحالف العربي» الذي تقوده السعوديّة ضد اليمن.

4- وساطة جزائريّة مع قطر؟

قد تكون الأزمة الخليجيّة بين معسكر السعوديّة من جهة وقطر أحد الملفّات التي قد تُطرح في زيارة وليّ العهد السعودي إلى الجزائر،

كون الجزائر تحظى بعلاقات قويّة مع قطر التي طلبت رسميًا قبل سنة أن تكون الجزائر وسيطًا في حلّ الأزمة مع السعوديّة، إلاّ أنّ الجزائر اكتفت حينها بدعم جهود الوساطة الكويتيّة دون أيّة تحرّكات فعليّة للتدخّل في هذه الأزمة، على الأقل علنيًّا.

ولي العهد السعودي كان قد أدلى بتصريحات اعتُبرت إيجابيّة تجاه قطر في مؤتمر اقتصاديّ أُجري في عاصمة بلاده؛ إلاّ أنّ الأزمة الخليجيّة لا تبدو أنّها على وشك الانتهاء. وكانت الجزائر قد لعبت في 2013 دورًا في الوساطة بين الأطراف السياسيّة المتنازعة في جارتها الشرقيّة تونس؛ إلاّ أنّ الأوضاع السياسيّة الحاليّة التي تشهدها الجزائر شهورًا قليلة قبل موعد انتخابات 2019، وتصريحات مسؤوليها السابقين بالاكتفاء بدعم الوساطة الكويتيّة قد يعني أنّ الجزائر لن تدخل على خطّ الأزمة الخليجيّة.

السر وراء تمتع الجزائر بعلاقة قوية مع إيران رغم اعتراض جيرانها

المصادر

تحميل المزيد