ماذا لو أصبح بإمكاننا شحن هاتفنا الذكي بواسطة النبتة في شرفتنا؟ أو كيف إن استطاعت بقايا شطيرة أن تشغل حاسوبنا المحمول؟ ماذا لو باستطاعتنا أن نضيء مصباح الغرفة بواسطة الطين؟ ليس خيالًا علميًّا فقد استطاع العلماء تحقيق ذلك!

فمصادر الوقود التقليدية لم تعد كافية لتوفير الطاقة اللازمة للماكينات والآلات والأجهزة التي لا يسير عالمنا بدونها. فضلًا عن الثمن الباهظ لاستخراجها والتلوث الناجم عنها. مما يجعل الحاجة ملحة للبحث عن مصادر طاقة بديلة أقل تلوثًا وأقل تكلفة.

مشروب وشطيرة لشحن حاسوبك المحمول!

 

إذا فرغت بطارية هاتفك المحمول، فما عليك فعله هو البحث عن بعض مخلَّفات الطعام لديك، وأيضًا بعض المشروبات السكرية لن يضر. وإن كان لديك بعض من سكر المائدة وزيت نباتي؛ فأنت تمتلك كل ما تحتاجه لشحن الهاتف وجهاز الكمبيوتر المحمول وغيره من الأجهزة المحمولة.

يبدو هذا غير منطقي. إلا أن مجموعة من الباحثين في جامعة سانت لويس Saint) Louis) يرون غير ذلك. فقد تمكنوا من إنشاء خلايا وقود حيوية تستطيع تحويل الدهون والسكر إلى طاقة لتشغيل مجموعة من الآلات والأجهزة.

وتستلهم هذه التقنية آلية عملها من خلال عمل الميتوكوندريا داخل خلايا الإنسان، والتي تعد مراكز الطاقة في الخلية. وتحول الميتوكوندريا السعرات الحرارية في الطعام بمعاونة مواد كيميائية داخل الجسم إلى طاقة كيميائية يخزنها الجسم لحين احتياجها.

أوضحت د.شيلي مِنتير  (Shelley Minteer)الكيميائية بالجامعة، في عرضها للبحث باجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS) أن هذه الأجهزة يمكن أن تحل محل البطاريات في مجال واسع من الإلكترونيات.

 

ولكن ما هي خلايا الوقود الحيوية؟

 

خلايا الوقود الميكروبية أو الحيوية (MFCs) عبارة عن نظام حيوي كهروكيميائي يستخدم الكائنات الحية المجهرية مثل البكتيريا، عواملَ بيولوجية حفازة لتحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقة كهربائية. وتتكون الخلية الكهروكيميائية الحيوية مثل معظم البطاريات التقليدية من، إما قطب حيوي موجب أو آخر سالب أو كليهما من أجل حفز التفاعل، وانتقال الإلكترونات.

 

طين بيرو يضيء ظلام قراها

الطبيعة تحمل معها السم والترياق معًا. فرغم تسبب فيضان في تدمير الشبكة الكهربائية بإحدى قرى الغابات المطيرة في بيرو، إلا أن مجموعة من الباحثين بها تمكنوا من إيجاد وسيلة لإنارة ظلام هذه البلدة عبر استخدام الطين والنباتات.

أوضح الباحثون أن المغذيات في النباتات تصادف البكتيريا داخل التربة؛ ويتولد من هذه العملية إطلاق للإلكترونات. وتقوم شبكة من الأقطاب الكهربية موضوعة مسبقًا في التربة بالتقاط هذه الإلكترونات ونقلها عبر هذه الشبكة إلى بطارية قياسية. فإذا كانت نبتة صغيرة تستطيع توفير الطاقة اللازمة لإضاءة مصباح؛ فلنتخيل معًا ماذا لو أجريت هذه التقنية على حديقة مثلًا؟

وهذه البكتيريا التي تتميز بقدرتها على التخلص من الملوثات مثل: المواد المشعة، أطلق عليها عام 2009 (الميكروب الكهربي) وذلك لما تشير إليه البحوث الحديثة إلى إمكانية أن تعمل بجانب توليدها للطاقة كأسلاك لنقل الكهرباء.

 

تطبيقات استخدام خلايا الوقود الحيوية

 

نظرًا إلى أن مستويات الطاقة الحيوية الناتجة عن هذه الخلايا منخفضة نسبيًا؛ لذلك يناسب استخدام هذه التقنية في تشغيل الأجهزة الكهربية الصغيرة، والتطبيقات التي تتطلب مقدارًا منخفضًا من الطاقة مثل: شبكات الاستشعار اللاسلكية؛ ومستشعرات تحليل الملوثات وتطبيقات المراقبة، ومجسات رصد الحركة ودرجات الحرارة، وتحديد المواقع. كما يمكن استخدامها في تشغيل أجهزة الاستشعار في حجم الطابع البريدي والمصممة للكشف عن المتفجرات المخفية.

فبطاريات هذه التطبيقات محدودة العمر عادة، ولابد من تغييرها أو إعادة شحنها. لكن يشكل استبدالها تكلفة ومضيعة للوقت؛ لذلك تعد هذه الخلايا مناسبة لتشغيل أجهزة الاستشعار وأنظمة القياس عن بعد، والتي تنقل إشارات صغيرة إلى أجهزة استقبال في مناطق نائية.

ويفضل العلماء استخدام هذه الخلايا كمولدات للطاقة لخواصها المستدامة على المدى الطويل، فضلًا عن عدم احتياجها لإعادة الشحن مثل البطارية العادية، وقلة تكلفتها وقدرتها على العمل جيدًا في الظروف المعتدلة تحت درجات حرارة تتراوح بين 20 و40 درجة سيليزية وفي وسط متعادل. بجانب رخص مواد التشغيل المطلوبة؛ فأي مادة عضوية يمكن أن تستخدم لتغذية خلايا الوقود الحيوية.

كما يمكن استخدامها في توليد الطاقة باستخدام المحاصيل، وهذا يسمح بإنشاء محطات طاقة معتمدة على وجود الطحالب، ورقع واسعة ومتنوعة من الغطاء النباتي، وأيضًا النباتات المائية.

وتستخدم هذه التقنية منذ عام 1991 في معالجة مياه الصرف الصحي بفاعلية. وتعتبر هذه الخلايا وسيلة نظيفة وفعالة في تنقية المياه وإنتاج الطاقة في شكل كهرباء أو غاز الهيدروجين. كما تشكل مخلفات مياه الصرف أنواعًا مختلفة من مواد عضوية موجودة في صورة قابلة للتحلل، والتي يمكن استخدامها لتغذية هذه الخلايا مثل: النفايات الصحية، وبقايا الغذاء، وحطب الذرة، وبعض المعادن.

يمكن استخدام هذه الخلايا في التعامل مع السُّمِّيَّات مثل: الفينولات ومركبات البترول.

توليد الكهرباء الحيوية من النفايات الناتجة على متن سفن الفضاء.

 

وتتضافر جهود مجموعة من علماء الأحياء الدقيقة والمهندسين والجيوكيميائيين بجامعتي جنوب كاليفورنيا (Southern California) ورايس Rice)) لتخليق خلايا وقود بكتيرية يمكن لها أن تمد طائرات التجسس بدون طيار، والتي يبلغ حجمها قبضة اليد.

بينما تتجه البحرية الأمريكية لاستخدام خلايا الوقود الميكروبية لتشغيل أجهزة الاستشعار، والتي تحتاج لمدها بالطاقة فترات أطول من المعتاد لتمكين جمع واسترجاع البيانات من تحت سطح البحر دون الحاجة لاستخدام بنية تحتية من الأسلاك لعملية النقل.

فيما تتجه المساعي المستقبلية نحو استخدام هذه التطبيقات في المجال الطبي والبطاريات الحيوية. فالبطاريات المصنوعة من الإنزيمات والجزيئات الحيوية الأخرى يمكن استخدامها على سبيل المثال: في مراقبة وضع المريض من الداخل عقب خضوعه لعملية جراحية. فعلى عكس البطاريات التقليدية التي تحتوي على معادن سامة، لا تسبب البطاريات الحيوية أي أذى للمريض.

تحديات تواجه العلماء

 

تعد المشكلة الرئيسية في استخدام هذه الخلايا الميكروبية أن الطاقة المتولدة من هذه الخلايا قد تكون غير كافية لتشغيل أجهزة الاستشعار أو الإرسال بشكل مستمر. وتُجرَى العديد من الأبحاث لزيادة مساحة سطح هذه الخلايا، واستخدام برنامج مناسب لإدارة الطاقة.

ومن هذه الأبحاث دراسة أجراها باحثون بجامعة ماساتشوستس Massachusetts)) تكشف عن تطوير سلالة جديدة من هذه البكتيريا تقوم بتوليد الكهرباء من الطين والمخلفات، ويمكنها أن تزيد ناتج الخلية من الوقود بمقدار 800%. وتحمل هذه الأبحاث آمالًا واعدة في مجال الهندسة الكهربية والكيميائية، والميكروبيولوجيا وهندسة خلايا الوقود الميكروبية نحو مزيد من التطبيقات لاستخراج الكهرباء من المخلفات.

لا يمكن أن تعمل تحت درجات حرارة منخفضة؛ ويرجع ذلك إلى أن تفاعلات هذه الخلايا تغدو بطيئة عند انخفاض درجات الحرارة، وهذا يشكل قيودًا حول استخدام هذه الخلايا، واستخدامُها في التطبيقات الطبية طويلة الأجل مثل: أجهزة تنظيم نبضات القلب ما زال غير مستقر.

 

ومع استمرار استنزاف الطاقة التقليدية، قد تحمل هذه التقنية الأمل في مستقبل طاقة نظيف لا يعتمد في بقائه على مخزوننا من النفط. فمصادر الطاقة الحفرية لا تسبب فقط مشاكل بيئية محققة. وتعرُّض هذه المصادر للاستنزاف المستمر، يدق جرس الإنذار مشيرًا إلى أزمة طاقة تلوح في الأفق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد