الوقود الحفري هو المصدر الرئيسي للطاقة في العَالم، فالاستهلاك المتزايد للطاقة الناتجة من الوقود الحفري يؤدي إلى زيادة نسبة ثاني أكيد الكربون في الغلاف الجوي، وبالتبعية ازدياد درجات الحرارة بمعدلات متسارعة؛ مما يقودنا في نهاية المطاف إلى الاحتباس الحراري. لكن عندما يستبدل المجتمع بالوقود الأحفوري مصادر طاقة متجددة، تحتوي على كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون، ستبدأ معدلات الاحتباس الحراري في الانخفاض، ومن ثم انحدار الأضرار الناتجة.

تُعتبر الطاقة الحيوية المتجددة هي البديل الأكثر فاعلية لتحل محل الطاقة الأحفورية. لذلك في هذا التقرير سنتناول بشيء من التفصيل تكوين الوقود الحفري، واستهلاكنا المتزايد لطاقته، والأخطار الناجمة عن ذلك الاستهلاك، وعلاقة معدلات الاستهلاك بزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو، وارتفاع درجات الحرارة. ومن ثم الخيارات المتاحة للطاقة الحيوية المتجددة، وكيفية إنتاجها، وما المشكلات التي تواجه عملية إنتاجها، وهل يُمكن الاعتماد عليها بشكل رئيسي كبديل لطاقة الوقود الحفري؟

الوقود الأحفوري.. وّالتَغيرات المتتالية

الوقود الأحفوري عبارة عن بقايا الكائنات الحية العَتيقة: النباتات، والحيوانات، والبكتريا. تلك البقايا العضوية التي استقرت في باطن الأرض لفترات زمنية هائلة بين 100 إلى 400 مليون سنة، ونتيجة للتغيرات المناخية، والجيولوجية، غاصت هذه المادة العضوية في باطن الأرض تحت العديد من طبقات الرواسب والصخور. ثم تَعرضت لضغط هائل وحرارة مرتفعة من باطن الأرض لملايين السنيين؛ مما أدى في النهاية إلى تحلل المادة العضوية وتحولها إلى الوقود الأحفوري بصورته المتعارف عليها حاليًا: الفحم، والبترول، والغاز الطبيعي.

الوقود الحفري.. والاستهلاك المتزايد


شكل (1): يوضح الاستهلاك العالمي لمصادر الطاقة المختلفة ما بين عامي 1971 إلى 2013

الوقود الحفري يُعتبر مصدرًا مثاليًّا للطاقة، حيث يوفر كميات هائلة من الطاقة يُمكن نقلها وتحويلها إلى الصورة التي يحتاجها المجتمع، مثل الحرارة، والكهرباء. ففي عام 1973، استُهلِك ما يعادل 4.667 مليون طن من المكافئ النفطي من الطاقة على مستوى العالم، وأكثر من 76% من الطاقة المستهلكة ناتج من حرق الوقود الحفري، وخاصة البترول، حيث بلغت نسبة استهلاكه 48.3%، ويحتل المركز الثاني الغاز الطبيعي بنسبة 14%، وأخيرًا الفحم بنسبة استهلاك 13.6%.


شكل (2): يوضح الاستهلاك العالمي للبترول- الفحم- الغاز الطبيعي في عامي 1973 و2013.

بينما في عام 2007، استُهلِك ما يعادل 13
تيرا وات من الطاقة عالميًّا، منهم 10 تيرا وات من طاقة الوقود الحفري. أما حاليًا فنحن نستهلك أكثر من 18 تيرا وات من الطاقة على مستوى العالم، وحوالي 80% من تلك الطاقة يأتي من حرق الوقود الحفري.

مخاطر الاعتماد على الوقود الحفري.. إلى أين؟

اعتمادنا المستمر على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة يَحصُرنا في مواجهة 3 مخاطر أساسية تهدد حياة الإنسان وبقاء المجتمعات. يبدأ الخطر الأول بالاستنزاف، فالوقود الحفري من المصادر غير المتجددة للطاقة، أي أنها سوف تنضب مع مرور الزمن، لذا فَيَكمُن الخطر الأول في استنزاف الاحتياطي المتواجد من الوقود الحفري، حتى ينفذ كل ما نملك من الطاقة، وبالتالي يصبح المجتمع باردًا، أفراده جائعة، يعيشون في الظلام.

الاستهلاك المتزايد للطاقة يؤدي إلى نقص الاحتياطي من الوقود تدريجيًّا؛ مما يضعنا أمام الخطر الثاني، ألا وهو التنافس على تلك الموارد المتناقصة؛ مما يؤدي إلى الاضطرابات الاقتصادية الضخمة، التي قد تنتهي بالحرب بين الدول للحصول على تلك الموارد. بينما الخطر الثالث هو تغير المناخ العالمي الناجم عن زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، نتيجة لاحتراق الوقود الحفري.

الوقود الحفري.. وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون


شكل (3): يوضح كمية ثاني أكسيد الكربون المُنبعث نتيجة استهلاك مصادر طاقة الوقود الحفري.

بالرغم من أن ثاني أكسيد الكربون من أهم مركبات عملية البناء الضوئي وإنتاج الطاقة، إلا أن الكميات الناتجة نتيجة النشاط البشري، وحرق الوقود الحفري، أكثر بكثير من تلك الناتجة عن عملية البناء الضوئي. فحرق الوقود الحفري لإنتاج الطاقة ينتج عنه ما يقارب من 32 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، بينما لا تستطيع عملية البناء الضوئي والعمليات الطبيعية الأخرى إلا امتصاص نصف تلك الكمية، مما يعني بقاء ما يزيد عن 10.65 مليون طن سنويًّا من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

الثورة الصناعية.. ودرجات الحرارة


شكل (4): يوضح زيادة درجات حرارة العالم منذ عام 1880 إلى 2005.

في نهاية القرن الـ18 شَهدت بريطانيا وأوروبا تحولات علمية، واقتصادية، واجتماعية كذلك باكتشاف الآلة البخارية. حيث ازدهرت صناعة النسيج والصلب، وازدهر معها استخراج الفحم الحجري كأهم مصادر الطاقة، ثم اكتشاف البترول، والبدء في استخدامه كبديل للفحم الحجري حين ذاك. لكن مع الاستهلاك المتزايد للفحم والبترول، ثم استخدام الغاز الطبيعي بعد ذلك أدى إلى زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بمعدلات كبيرة، تبعها ارتفاع درجات حرارة الكوكب بمعدلات عالية جدًّا.


شكل (5): يوضح النسبة بين زيادة ثاني أكسيد الكربون، ومتوسط درجات الحرارة بين 1800 و2100.

فإذا استمرت معدلات ثاني أكسيد الكربون في الازدياد حتى عام 2100، فإن متوسط درجات الحرارة سوف يزداد أكثر من 38 درجة مئوية، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر لأكثر من 80 سم، وانخفاض مستوى البحيرات، ثم حدوث الظواهر الجوية، والطبيعية المتطرفة، كالفيضانات، والسيول. مما يؤدي في نهاية الأمر للموت والهلاك.

إذًا.. فما الحل؟

الآن، نحن نستهلك كميات هائلة من الوقود الحفري، وسوف ترتفع تلك الكمية بما يزيد عن 60 % خلال الـ25 سنة القادمة، إن لم نجد بديلًا متجددًا للطاقة. وللحصول على طاقة متجددة، بكميات أقل من ثاني أكسيد الكربون، هناك خياران يعتمد كلاهما على التقاط الطاقة الشمسية، إما من خلال وحدات الطاقة والألواح الشمسية، أو التقاطها في الكتلة الحيوية من الكائنات الحية، كالمحاصيل الزراعية، والمنتجات النباتية، والمخلفات الزراعية، والصناعية، أو الكائنات الدقيقة. ذلك لإنتاج مصادر متعددة للطاقة مثل: الإيثانول، الميثان، الهيدروجين، الكهرباء، وقود الديزل الحيوي.

جميع النُهج التي تعتمد على المحاصيل الزراعية لتحويلها إلى طاقة، ستفشل في مواجهة احتياجاتنا من الطاقة، فنحن نستهلك كمًّا هائلًا من طاقة الوقود الحفري، والتي لا يمكن سدها باستخدام المحاصيل الزراعية كمصدر للطاقة، نظرًا لأن كميات الطاقة الناتجة ضئيلة جدًّا، كما أنها تنافس احتياجات الإنسان من الغذاء، والماء. بالإضافة إلى قلة كفاءة الطاقة الناتجة كالإيثانول الذي يتميز بقابليته العالية للذوبان في الماء، مما يعنى أنه يحتاج إلى تكاليف باهظة لفصله عن الماء حتى يتثنى استخدامه؛ مما يؤدي إلى فقدان أكثر من 90% من الطاقة الناتجة.

المخَلفَات وعملية إنتاج الطاقة

تختلف عملية إنتاج الطاقة من المخلفات الزراعية، والصناعية عن إنتاجها من المحاصيل الزراعية، حيث إن التفاعل يبدأ بمواد أكثر تعقيدًا، تحتوي على خليط من الكربوهيدرات، والبروتينات، والدهون، والأحماض النووية. بينما المحاصيل الزراعية تحتوي غالبًا على مواد بسيطة كالسليلوز واللجنين. فالمخلفات الناتجة عن أنشطة الإنسان كالزراعة، والصناعة، وإنتاج الطعام، ومياه الصرف الصحي يمكن تحويلها للحصول على كميات كبيرة من الطاقة كالكهرباء.


شكل (6): يوضح الخطوات الثلاثة الرئيسية في عملية إنتاج الطاقة من المخلفات.

فتمر عملية إنتاج الطاقة تلك بـ3 خطوات أساسية، أولهما التحلل المائي: الذي يعمل على تحويل المواد العضوية المعقدة إلى منتجات أبسط، كالكربوهيدرات، والأحماض الدهنية. ثم تأتي الخطوة الثانية، وهي عملية التخمر: التي تعمل على تحويل المركبات السابقة إلى صورة أبسط منها كالإيثانول.

ثم تأتي الخطوة الأخيرة: والتي يتم فيها تحويل تلك المنتجات البسيطة إلى صور متعددة للطاقة كالميثان، والهيدروجين، والكهرباء. كما يمكن إنتاج الهيدروجين بواسطة العديد من الكائنات الدقيقة، مثل البكتريا الزرقاء (cyanobacteria)، التي تقوم أثناء عملية البناء الضوئي، وفي وجود الضوء، بتحليل الماء إلى أكسجين، وهيدروجين يستخدم كأحد مصادر الطاقة.

الديزل أم البيو ديزل؟

وقود الديزل أو السولار، هو أحد أنواع الوقود الذي يعتمد على البترول، أما حاليًا فيمكن استبدل الديزل، بوقود الديزل الحيوي (البيو ديزل). فيمكن إنتاج الديزل الحيوي من 3 مصادر أساسية: الدهن الناتج من عمليات إعداد وتحضير الطعام، أو من الدهون المستخلصة من النباتات التي تمتلك نسبة عالية من الزيوت مثل: فول الصويا، وعباد الشمس، أو من الدهون المستخلصة من الكائنات الحية الدقيقة التي تقوم بعملية البناء الضوئي مثل الطحالب، وخاصةً السيانو بكتريا (Cyanobacteria). بينما تَكمن المشاكل التي تواجه عملية إنتاج الديزل الحيوي في توفير مصادر للضوء، والماء، وثاني أكسيد الكربون.

إنتاج وقود الديزل الحيوي من الطحالب

تقوم الطحالب بعملية البناء الضوئي، وعندما تُصبح تحت ضغط تُخزن كميات هائلة من الدهون. حيث يمكن تنمية تلك الطحالب بنظامين مختلفين: أحدهما بسيط، يعتمد على نمو تلك الكائنات في البِرَك المفتوحة، والمجاري المائية. لكن عيوب هذا النظام تَكمُن في عدم القدرة على التحكم في ظروف نمو تلك الكائنات؛ مما يؤدي إلى نمو سلالات غير مرغوب فيها. بينما تستخدم الأنظمة المغلقة كالمفاعلات الحيوية الضوئية في التغلب على مشاكل الأنظمة المفتوحة، حيث يتيح التحكم في كافة الظروف والمتغيرات، كالضوء، والماء، بالإضافة إلى متابعة نمو الكائنات، لكنه باهظ التكلفة.

ويعتبر إنتاج البيو ديزل من الطحالب هو أكثر الخيارات فائدة، حيث يمكن إنتاج كميات كبيرة جدًّا تضاهي الكميات الناتجة من البترول، وبالتالي من الممكن أن تصبح بديلًا للاعتماد المستمر على الوقود الحفري ومصادره المختلفة كالفحم، والبترول، والغاز الطبيعي. ومع التطور المستمر في أنظمة إنتاج الطاقة، ستصبح الطاقة الحيوية المتجددة مصدرًا رئيسيًّا للطاقة، بديلًا عن طاقة الوقود الحفري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد