(1)

الثالث من أغسطس(آب) عام 1990، أجلس حزينًا في القطار المتجه إلى العاصمة وارسو، قادمًا من بلدة بولندية بعيدة، لا أتذكر اسمها الآن، بعد أن ألغي التجمع المخصص لمسلمي أوروبا الشرقية، ذاك الذي أتيت بحكم مهنتي الصحفية لتغطيته.

معي في المقطورة بعض العرب الذين أتوا للمشاركة، يتبادلون الحديث عما وقع بالأمس، بين تحليلات متناقضة، هل هي عملية عسكرية سريعة، أم أن صدّام قرر خوض المغامرة حتى نهايتها؟!

في مواجهتي يجلس رجل أنيق ليس عربيًا، لكنه يتحدث العربية بطلاقة وهو أحد المدعوين، عرفت لاحقًا أن اسمه الشيخ محمد، أراد أن يقطع هذا الجدل الساخن بالحديث عن بلاده، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن «البوسنة والهرسك».

شدني حديثه، وانتهزت فرصة عودة رفاق الطريق إلى جدالهم عن تداعيات حرب صدّام لأستزيد منه عن هذه البلاد، التي ألمح في حديثه إلى أن أمرًا جللًا قد يحدث في القريب، مما دعا سكانها المسلمين للالتفاف حول زعيم لهم خرج مؤخرًا من السجن، ودعاني الشيخ محمد بشدة لزيارته في العاصمة سراييفو.

بعد شهرين تقريبًا كنت أجلس على استحياء، وقد التفَّتْ عائلة الرجل حولي بعد أن أصر على استضافتي في بيته، يسألونني عن العالم العربي وأسألهم عن عالم «البوسنة والهرسك».

في صباح اليوم التالي يصطحبني الشيخ إلى الحي القديم في العاصمة، تلتقي عيوننا، عيناي وعين المكان، فأدرك أنني وقعت للتو في الحب الأول، تجولنا في الأزقة، شممت الرائحة، هالتني المآذن المتعبة من سنوات الشيوعية، أدهشني هذا الخليط بين الشرق والغرب، لامس قلبي كل حجر، فما بالك ببساطة الناس وعفويتهم. قاربت قروشي على النفاد؛ فقررت المغادرة متعهدًا للمكان بالعودة مهما كانت ظروفي.

نوفمبر(تشرين الثاني) عام 1991، وفي زيارة تالية لسراييفو، أتوجه بصحبة الشيخ محمد إلى قاعة المؤتمرات بمنطقة إسكندريا، حيث كان حزب العمل الديمقراطي الممثِّل للمسلمين يعقد مؤتمره الأول، هرجٌ ومرجٌ وابتسامات مرسومة على وجوه ناس ينتظرون صدور قرار الإفراج المتوقع من السجن الكبير، سجن اسمه الاتحاد اليوغسلافي.

في غرفة ضيقة وبترتيب من الشيخ محمد وشخص آخر عرفت أن اسمه «حسن تشنجتش»، الذي سيصبح لاحقًا نائب وزير الدفاع، ألتقي للمرة الأولى بالرجل الذي يتزعم هذا الحراك، واسمه علي عزت بيغوفيتش.

رجل بسيط وصارم في آن، يوحي لك أنه في عجلة من أمره، وأن مهامًّا جسامًا في انتظاره، أسأله ويجيب باقتضاب. أشكره، ينصرف وأنصرف، وأعرف أنني تورطت أكثر في الحب، وأن لكل حب عنوانًا، وأن العنوان في حالتي هو «التمرد والثبات».

(2)

طفلًا توقظه أمه كل يوم لصلاة الفجر في مسجد الحي، يكبر ويقرأ، حتى إذا حل صيف عام 1943 يكون قد أنهى دراسته الثانوية، ومعها يكمل ابن الثمانية عشر عامًا قراءة كل الأعمال الفلسفية الأوربية الهامة. يتشكك في معتقداته، يتمرد عليها، ثم يعود إلى جادة الطريق، لكنه ليس الطريق نفسه.

«لم يعد الإيمان هو ذلك الذي ورثته عن أبوي، بل لقد أصبح دينًا جديدًا تمامًا، اعتنقته عن قناعة وفهم، ولم أفقد إيماني به أبدًا».

يكبر ويتمرد على الإسلام التقليدي، حيث «رجال الدين يعنون فقط بالطقوس أو أشكال العبادة، ويهملون مضمون الإنسان وجوهره»،  لقد «جعلوا من أنفسهم طبقة هيمنت على تفسير الإسلام، ووضعت نفسها وسيطًا بين الإنسان والقرآن»، وانتهت إلى أن «أفضل شيء ممكن هو أن نترك الأمور كما وصلت إلينا»، و«بهذا المنطق المتحجر أصبحوا أعداء أشداء لكل جديد»، وفي وقت متأخر يقول: «الثورة السياسية لا تعني البتة الاستيلاء على السلطة على النمط البلشفي، بل تعني كسب الناس».

لقد اتضح لي فجأة أن القرآن الكريم لا يتضمن – ولا ينبغي أن يتضمن– حلولًا جاهزة لجميع المسائل الواقعية في حياة الإنسان السياسية والاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بالحقائق العلمية عن الطبيعة ومظاهرها. بل يتضمن القرآن الكريم – وينبغي أن يتضمن– الحقائق الأساسية فقط التي توجه سلوك الإنسان وتحدد مصيره في هذا العالم.

لقد ثابرنا على المناداة بمجتمع ديمقراطي قائم على أساس من التسامح الديني والقومي، وبدا أننا لسنا أناسًا متطرفين ولا متعصبين، إننا نحافظ على هويتنا الإسلامية مع بقائنا منفتحين على كل ذي قيمة في الشرق والغرب معًا.

لم أكن لأعلم عنه ذلك كله حين التقيته أول مرة في هذه الغرفة الضيقة، لكن رأيت ذلك لاحقًا، سلوكًا وتصرفًا في أصعب الأوقات وأشدها، حتى وإن كانت أوقات الحرب؛ «فالدين ليس ما يقوله المؤمنون، بل الدين هو ما يفعله الإنسان»، بحسب روجيه غارودي.

(3)

كنت لطارئ ما في مستشفى باريسي عام 2003، حين كنت أطالع صحيفة الحياة اللندنية التي حملت الخبر، الرئيس السابق للبوسنة والهرسك أصيب بوعكة صحية ونقل إلى المستشفى. كان الخبر يحمل رائحة الموت.

سبع سنوات تمر لأقرر أن أسجل سيرة الرجل، وبقدر حماستي كان خوفي، لم أتعرض في مسيرتي المهنية لهذا الشعور من قبل، صحيح أن الخوف ينتابني عند الحرب، أو الإيقاف والتحقيق هنا وهناك، لكن الخوف هذه المرة مختلف.

أصبو إلى عمل يعكس قيمة الرجل، يضعه الناس في مكتباتهم، عمل ليست مهمته أن يشرح للناس كل شيء، لكن فقط يفتح لهم الأبواب ليصلوا إليه ويشير إليهم أن هناك رجلًا يستحق أن تُقرأ مسيرته وتدرس سيرته، خصوصًا في هذا الزمن الذي نعيش.

لا أرغب في أن يتأثر العمل بعاطفتي، أحببت أن يكون سردًا حقيقيًّا لما جرى، أردت أن تكون هناك مسافة معقولة بيني وبين الرجل، حاولت انتقاء الكلمات ما استطعت، سعدت لاحقًا عندما انتقدني أحدهم قائلًا إن «كلماتك ليست عاطفية بقوة ما كنت تقول سابقًا»، كنت أريده حديث عقل، ويبدو أنني نجحت.

لكني كنت أسأل نفسي: هل يمكن أن يقع الصحافي في حب سياسي؟ نعم ولم لا؟ شرط ألا يرفعه إلى مرتبة التقديس، كل شخص وكل أمر قابل للنقاش والنقد، ولكن ما سر الحب؟ الإجابة في أنني أحب المتمردين، «أنا لا يعجبني الشباب الذين يقومون بحساب كل شيء كالكبار، وليسوا مستعدين للمغامرة»، بحسب ما قاله لي علي في آخر حديث جمعنا.

لكن مرة أخرى، ما سر الحب؟ أقول لكم: كم التقيت سياسيين كنت أشعر بأنهم ممثلون، ما إن تعمل الكاميرا فهم على شاكلة، وعلى شاكلة أخرى ما إن تتوقف، يدغدغون عواطف الناس واحتياجاتهم، يمثلون الأدوار المطلوبة. علي كان – بمميزاته ونواقصه- إنسانًا حقيقيًّا، ولا غرابة في ذلك وقد قال يومًا: «إن نقيض الجمال ليس القبح، ولكن الزيف».

علي هو هو، في الغرفة الضيقة التي التقيته بها أول مرة، وما قبلها في الزنازين، وما بعدها في القصور، لم يتغير، بالأحرى يتغير لكنه ثابت على مبادئه. لقد اكتشفت أننا قد نغفر للناس اختلافهم الفكري والعقائدي معنا، لكن لا نغفر لهم خياناتهم وعدم وفائهم، ليس لنا فقط، ولكن لمبادئهم هم أنفسهم على الأقل. لذا فقد أذهلني علي بثباته.

حين اقتربت من العائلة، خفت ألا أجد ما يسرني، توقعت بالطبع مديحًا من أبنائه. لكن من ثنايا الكلمات والجمل كان الأمر واضحًا لدي؛ علي هو علي، التمرد والثبات.

حياة غنية جدًّا لرجل يعيش في منطقة ثرية بالأحداث والتاريخ، وهنا مشكلة أخرى، هل أحكي قصته، أم قصة المسلمين هناك، أم قصة البوسنة والهرسك بهذا التدافع التاريخي المذهل؟ هل أحكي قصة يوغسلافيا وانعكاساتها، أم أكتفي بقصة الرجل مجردة؟

وهل تُفهم قصته مجردة؟ ثم حتى قصته كيف يمكن أن تختصرها في شريط وثائقي، هل أتحدث عن أفكاره وكتبه، أم عن تسلسل الأحداث في حياته، أم عن سنوات السجن، أم عن نضاله في سنوات الحرب، عن علاقاته العائلية، أم عن أصدقائه ورفاق الدرب والنضال؟ لقد قال في ختام حياته إنه يشعر بأنه عاش ثلاث حيوات، فكيف لي أن أتحدث عنها في شريط وثائقي واحد.

جربت أن يكون العمل في ساعتين، كما كان متفقًا عليه فلم أفلح، ثم جربت في ثلاثة أجزاء فكان أكثر مما اشترطته الجهة المنتجة، ثم استقر الأمر بعد عدة محاولات على هذا الشكل الأخير؛ سبع حلقات، كل حلقة نصف ساعة، بدأت في تنفيذها عام 2009 وانتهيت في عام 2019.

ومنذ أن انتهيت وأنا أحلم بأن يحل شريطي الوثائقي ضيفًا على مهرجانات عالمية عدة. لا أبحث عن جوائز، جائزتي الكبرى أن ألفت نظر الناس إلى هذا الرجل الذي قدم نموذجًا أخلاقيًّا عمليًّا للشرق وللغرب.

لكن أخشى أن الأمر ليس بهذه السهولة؛ فالغرب بلافتاته التي يرفعها يضيق بأن يفسح مجالًا للحديث إيجابًا عن زعيم مسلم. فالمسلم على الدوام مُدان، وهذه المخاوف تكاد تجهض حلمي الآخر بأن تتحول حياة هذا الرجل إلى فيلم سينمائي يذكرنا بتحفة مصطفى العقاد؛ عمر المختار.

(4)

يعرف صانع الفيلم الوثائقي أن أصعب ما يواجهه هو الاستبعاد، ماذا يمكن أن يأخذ من سلته التي جمع فيها بالسهر والعرق والسفر مادته ليرمي بها، أنت لا تستبعد المادة الضعيفة؛ فهذا سهل، ضعفها يبرر لك عدم استخدامها بنفس راضية، ولكن المشكلة أنك مضطر لاستبعاد مواد جيدة، بل أحيانًا فائقة الجودة، بسبب مدة الشريط الزمنية المحدودة.

يا للهول، كان قلبي يُعتصَر وأنا أحذف مواد كثيرة، ثمة تفاصيل صغيرة لكنها جميلة جدًّا، كتلك التي حكتها سلمى حفيدة علي عندما اعتقلوه وكانت طفلة.

«ذات يوم كنا نستعد للذهاب ٳلى البحر، كنت في السادسة من عمري تقريبًا، كانت الخامسة صباحًا، لم يكن الفجر قد طلع، ما زلت أتذكر كيف أن قوات الشرطة أثناء اقتحامها البيت كانت تدوس على فراشي، على الأرض من فوقنا، فوقي أنا وأختي ونحن ممددتان على الفراش، ويقومون بالتفتيش، هذه ربما هي أولى ذكرياتي وأكثرها وضوحًا فيما يتعلق بجدي علي، بالطبع حاول والداي أن يخبئا عنا حقيقة ما يحصل، على غرار ما حدث في فيلم La vita è bella  عندما يفسر ذلك الممثل لطفله في المعتقل بأن هذا كله لعبة».

أو ما نقلته سلمى أيضًا عن جدها: «في السجن كان له زميل صربي يعمل في صناعة لوحات الشطرنج، وكانا صديقين جدًّا، في ذلك الوقت كان لدى جدي دفاتر صغيرة، وكان يكتب فيها ذكرياته؛ لأنها في وقت لاحق ستنشر في كتابه «هروبي إلى الحرية»، وكان يجب ألا تبقى هكذا، الرقابة كانت مرعبة في ذلك الوقت في السجن، لكن ذلك الرجل زميله أو صديقه الذي يصنع لوحات الشطرنج قام بمساعدته، وتم تهريب تلك الدفاتر من السجن في هذه اللوحات الشطرنجية».

أو ما ذُكر بخصوص المجاهدين العرب الذين توافدوا إلى البوسنة والهرسك، واللغط الذي أثير بخصوص هذه المسألة، رغم أن عليًّا أقسم ألا يسلم أحدًا منهم أو يرغمه على مغادرة بلاده بعد عقد اتفاق السلام ورغم الضغوط الغربية في شأن ذلك، وبالفعل صدق الرجل ولم تبدأ مشاكلهم الحقيقية إلا بعد عهده.

أو ما قالته ابنته «سابينا» عندما اختطف في مطار سراييفو؛ ففي الفترة الأولى من الحرب، وتحديدًا في الثاني من مايو (أيار) 1992 دُعي الرئيس إلى مفاوضات في لشبونة، فاشترط أن يتوقف الصرب عن قصف المدينة أولًا، وبالفعل توقفوا، ووعدته المجموعة الأوروبية بتقديم كافة الضمانات لأمنه، خرج من المطار الذي يسيطر عليه الجيش اليوغسلافي بقيادته الصربية، وما إن وصل لشبونة حتى عاد الصرب فواصلوا القصف، فقطع المفاوضات وقرر العودة.

تقول سابينا: «لقد انطلقنا عائدين في طائرة المجموعة الأوروبية، لكن عندما هبطت بنا الطائرة في روما للتزود بالوقود، حاول قائد الطائرة الاتصال بمطار سراييفو، فلم يرد عليه أحد، وعندما أصبحنا قريبين جدًّا من سراييفو، وحان موعد الهبوط، سألناه ما العمل؟ ففضل أن نتوجه إلى «زغرب»، وبمجرد أن غيرت الطائرة مسارها في اتجاه «زغرب» حتى اتصل مطار سراييفو، قالوا إنهم موجودون، وإن مراقبة الطيران جاهزة، وعندما هبطت بنا الطائرة، سألني أبي إن كنت أرى أحدًا، وكان أول ما رأيته الدبابات التي أحاطت بنا موجهة فوهات مدافعها باتجاه طائرتنا».

ثم تسهب سابينا في الحديث عن تلك الليلة التي باتت فيها وأباها الرئيس مختطفين لدى القوات الصربية في المطار، ولم ينقذهما إلا حادثة طريفة عندما اتصلت مواطنة بالمطار فالتقط علي – وكان بين خاطفيه- سماعة الهاتف سريعًا ليقول لها أبلغي العالم أن الرئيس مخطوف، وهي الليلة التي وصفها لاحقًا بأنها أصعب ليلة قضاها في حياته.

أو قصة الحارس «مصطفى كاروفيتش» عن علاقات علي في السجن مع رهبان وقساوسة آخرين مسجونين، مثل القسيس «زوفكو» من مدينة «شيروكي برييغ»، وكان هناك القسيس «يانيتش» من مدينة «سوكولاتس».

أو ما ذكره المشرف النفسي للسجن «نيوغسلاف إليز»، وهو صربي، عن لقائه بعلي بعد أن أصبح رئيسًا: «كان ذلك في مبنى الرئاسة، في مكتبه. بقينا حوالي ساعة أو ساعة ونصف الساعة ونحن نتحدث، بالرغم أنه كان من المقرر لي أن أبقى في مكتبه نحو عشرين دقيقة  فقط، تحدثنا عن الأيام التي مكثها هناك، عن الأشخاص الذين كانوا مسجونين هناك. اهتم بأسرتي، وسألته عن أسرته. تكلمنا عن كل شيء».

الرجل لا ينتقم بل يستقبل الذين سجنوه في قصر الرئاسة، هذه التفاصيل الصغيرة كانت تهزني هزًّا، إنها أكبر بكثير من دقائقها المعدودة.

(5)

الله عليك يا علي، لقد استبعدتُ ما استبعدت، ثم وجدت أن الأهم هو ما أبقيته؛ وهو يلخص حياتك كلها؛ التمرد والثبات.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد