لم يكن الطفل ميخائيل موسكوس ذو الثلاثة عشر ربيعًا يدري وهو يلتحق بدير كيكوس في ريف العاصمة القبرصية نيقوسيا، أن هذه البقعة من الأرض ستحضن مقبرته بعد 64 عامًا، حيث سيوصي بأن يُدفن فيها بعد مسيرة عامرة بالإنجازات والإخفاقات، فهناك بدأت حياته، وهناك انتهت، وبين البداية والنهاية حياة حافلة بالأحداث، حرص فيها دومًا على ارتداء عباءة القس السوداء، وإن لم يسلك في كثير من الأحيان النهج الذي اعتاده الناس من رجال الدين.

مكاريوس الثالث.. زعيم الأساقفة وقائد القبارصة

ولد ميخائيل موسكوس، والذي سيعرف في التاريخ باسم مكاريوس الثالث عام 1913 في مدينة بافوس على الساحل الجنوبي الغربي للجزيرة القبرصية. كان أبوه مزارعًا ألحقه بخدمة الدير وهو في الثالثة عشرة من عمره، وحصل على تعليمه الثانوي في نيقوسيا، ثم سافر لدراسة القانون واللاهوت في العاصمة اليونانية أثينا، قبل أن يحصل على منحة لاستكمال دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اختار لنفسه اسم مكاريوس، وعاد إلى قبرص ليستكمل مسيرته الكنسية.

Embed from Getty Images

ظلت بريطانيا تتحكم في قبرص منذ عام 1878، حين سيطرت على الجزيرة إبان الحرب العثمانية الروسية، ولكنها أبقتها -اسميًّا – ضمن الإمبراطورية العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، حينئذ خضعت الجزيرة للاحتلال العسكري البريطاني المباشر، وهو الوضع الذي حرص التاج البريطاني على تقنينه في معاهدة سيفر 1920، ومعاهدة لوزان عام 1923.

تاريخيًّا، انقسم سكان الجزيرة القبرصية إلى مجموعتين عرقيتين/دينيتين هما: القبارصة اليونانيون، ويشكلون نحو 80% من السكان، وهم يتحدثون اللغة اليونانية، ويدين أغلبهم بالعقيدة المسيحية الأرثوذكسية، فيما يشكل القبارصة الأتراك نحو خُمس السكان، وتعود أصولهم إلى العثمانيين الذين دخلوا قبرص منذ عام 1571، أو المهاجرين الذين جلبتهم السلطات العثمانية إلى الجزيرة، يدين أغلب هؤلاء بالإسلام السني، ويتحدثون اللغة التركية.

تاريخ

منذ 9 شهور
تاريخ طويل من صراعات البحر المتوسط.. كيف تدخلت مصر لإخماد ثورة اليونان؟

منذ القرن الخامس الميلادي، تمتعت الكنيسة الأرثوذكسية القبرصية بالاستقلالية عن أي مجمعات كنسية أخرى، وصار رجال الكنيسة مسؤولين ليس فقط عن النشاط الديني للسكان المسيحيين، بل كانوا أقرب إلى زعماء اجتماعيين وسياسيين للطائفة ككل، لذلك حين انتُخب مكاريوس عام 1950 كبيرًا لأساقفة الكنيسة الأرثوذكسية القبرصية، كان ذلك يعني أنه إلى جانب واجباته الدينية، صار زعيمًا وطنيًّا يمثل القبارصة اليونانيين، وكان حينئذ أصغر من تولى هذا المنصب في تاريخ الجزيرة؛ إذ كان عمره يبلغ 37 عامًا فقط. 

في العام نفسه، كانت الكنيسة القبرصية قد نظمت استفتاءً شعبيًّا، أسفرت نتيجته عن رغبة 97% من القبارصة اليونانيين في اتحاد جزيرتهم مع اليونان، بالرغم من تخوف القبارصة الأتراك من تلك الخطوة، جرى تقديم عريضة إلى الأمم المتحدة، وعرفت هذه الحركة باسم «إينوسيس». 

من كرسي الكنيسة إلى كرسي الرئاسة

وبدءًا من عام 1955 قامت منظمة «إيوكا» بقيادة جورجيوس جريفاس، الضابط القبرصي المتحمس الذي خدم سابقًا في الجيش اليوناني بعمليات عنف واسعة بغرض فرض الوحدة مع اليونان بالقوة، وهاجمت بقسوة كل من رفض ذلك من القبارصة اليونانيين أو الأتراك.  

كان مكاريوس في ذلك بوصفه قائدًا للقبارصة اليونانيين مؤيدًا للوحدة من اليونانيين، ولكنه أنكر لاحقًا تورطه بأي شكل في أعمال العنف التي رعاها جريفاس، بل كان يفضل الطرق الدبلوماسية وأساليب الضغط السياسي، ومع خروج الأمور عن السيطرة، ومطالبة القبرصيين بحق تقرير المصير، ألقت بريطانيا القبض على مكاريوس، وجرى نفيه إلى جزيرة سيشل عام 1956، قبل أن ينتقل إلى اليونان ليواصل معركته ضد البريطانيين من أثينا.

كانت دعوات الضم تثير مخاوف القبارصة الأتراك من هيمنة القبارصة اليونانيين عليهم، وفضلوا إما تقسيم الجزيرة، وإما البقاء تحت السيادة البريطانية، لكن بحلول عام 1959 توصل الطرفان إلى تسوية رعتها كل من تركيا (الداعم الرئيس للقبارصة الأتراك)، واليونان (التي تدعم القبارصة اليونانيين)، وبريطانيا.

بموجب هذه التسوية؛ حصلت قبرص على استقلالها، وصارت جمهورية مستقلة، لم تتحد مع اليونان، ولم تخضع للتقسيم، وجرى اتخاذ إجراءات من شأنها تهدئة مخاوف العرقية التركية في البلاد فصار لهم نحو ثلث الوظائف الحكومية، وثلث أعضاء البرلمان، ومثلوا بقوة داخل قوى الأمن والجيش، وجرى انتخاب نائب رئيس من الأغلبية التركية.

ملصق صدر عن منظمة التحرير الفلسطينية يضم صورة ياسر عرفات، مصافحًا مكاريوس الثالث

قبل مكاريوس هذه التسوية على مضض، وعاد إلى قبرص عام 1959 في حفل استقبال أسطوري، وترشح للانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بأغلبية مريحة على منافسه، تبدلت مواقف مكاريوس الذي كان قبل سنوات قليلة جزءًا من حركة «إينوسيس» الداعية إلى الاندماج مع اليونان، وصار أكثر حماسة لفكرة قبرص المستقلة، وسعى إلى إقامة علاقات متوازنة مع كل من تركيا واليونان.

جدير بالذكر أن مكاريوس الذي ظل محتفظًا بزيه الديني، بشكل جعله مميزًا عن كل القادة السياسيين حول العالم، من الأعضاء المؤسسين لحركة عدم الانحياز، وساند القضايا العربية واحتفظ بعلاقات جيدة مع القادة العرب، وفي مقدمتهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وزعيم «منظمة التحرير الفلسطينية» ياسر عرفات، وصار يُنظر إليه في الولايات المتحدة الأمريكية على أنه متعاطف مع الشيوعية، حتى إن البعض لقبه بـ«كاسترو البحر المتوسط»، تشبيهًا له بالزعيم الكوبي الشيوعي، فيدل كاسترو.

«عسكر» اليونان يدبرون انقلابًا ضد الأسقف

لكن «الأحلام الوردية» لمكاريوس الثالث، تحطمت على صخرة الخلاف بين القبارصة اليونانيين والأتراك، ومن ورائهم تركيا واليونان، كانت «الضمانات» التي شملها دستور الاستقلال للقبارصة الأتراك تثير غضب اليونانيين، فاقترح مكاريوس تعديلات تسحب بعض الامتيازات من الأتراك، واعتبر أن ذلك من شأنه أن يزيد من كفاءة الجهاز الحكومي.

على إثر ذلك اندلع قتال عنيف عام 1963، ما شكَّل فرصة لتدخل كل من اليونان وتركيا على الساحة القبرصية.

ورغم التوترات، أعيد انتخاب مكاريوس رئيسًا لولاية ثانية عام 1968، ثم لولاية ثالثة عام 1973، لكن ذلك لم يعنِ أن طريقه كان ممهدًا تمامًا، فقد تعرض لمحاولة انقلاب من داخل الكنيسة عام 1972، حينما طالبه ثلاثة من الأساقفة بالاستقالة من منصبه رئيسًا للدولة، بسبب تعارض ذلك مع واجباته رئيسًا للأساقفة، رد مكاريوس بعزل الأساقفة الثلاثة من مناصبهم، واتهامهم بالتآمر مع الحكومة اليونانية.

Embed from Getty Images

مكاريوس الثالث خلال احتفالات عيد الفصح الأرثوذكسية اليونانية في أثينا، اليونان أبريل 1957 

للمفارقة، كانت علاقة مكاريوس مع اليونان قد توترت بعد وصول العسكر إلى السلطة عام 1967، وتخوف المجلس العسكري اليوناني من توجهات مكاريوس الاستقلالية، ذات الصبغة اليسارية في بعض الأحيان، في حين كان مكاريوس ينظر بعين الشك إلى الضباط اليونانيين المقيمين في قبرص، وأولئك الموالين لأثينا داخل صفوف «الحرس الوطني القبرصي» (الجيش)، ورأى في هؤلاء تهديدًا لنظامه ولاستقلالية الجمهورية القبرصية.

دفع اليونانيون بضابطهم القديم، جورجيوس جريفاس، الذي قاد «إيوكا» لشن حرب عصابات بهدف إخضاع نظام مكاريوس، لكن الفشل كان مصيره في النهاية، وتمكن مكاريوس من احتواء أنصاره بعد وفاة جريفاس بأزمة قلبية عام 1974، وبلغ الخلاف بين الطرفين أشده حينما طلب مكاريوس من جميع الضباط اليونانيين المقيمين في قبرص مغادرة الجزيرة فورًا، ليرد المجلس العسكري اليوناني بقيادة ديمتريوس يونيدوس بتدبير انقلاب عسكري لعزل مكاريوس نفسه.

في يوليو (تموز) 1974، وجد مكاريوس نفسه على متن مروحية بريطانية بعد أن سيطرت القوات الموالية لليونان على الجزيرة ونصبت نيكوس سامبسون رئيسًا بدلاً منه، بعد ذلك بأقل من أسبوع، كانت تركيا التي تخوفت من سيطرة اليونان على قبرص، ترسل بجحافل جيشها إلى البلاد، وبعد أيام قليلة كانت القوات التركية قد سيطرت على نحو ثلث الجزيرة، وهي الأراضي التي ستشكل فيما بعد «جمهورية شمال قبرص التركية» عام 1983، والتي تحظى برعاية أنقرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من كتاب التاريخ.. لماذا تسيطر تركيا على ثلث قبرص؟

تغير النظام في أثينا، وانهارت الحكومة العسكرية اليونانية تحت الضغوط الداخلية والخارجية، وفي 23 يوليو، قدم «رئيس الأمر الواقع» القبرصي استقالته، في الوقت الذي كان مكاريوس في الخارج يحشد الدعم الدولي لحكومته «الشرعية»، ثم عاد إلى نيقوسيا بعد خمسة شهور، ليجد الجزيرة قسمت إلى شطرين: شمالي تحت الرعاية التركية، وجنوبي حيث حكومة القبارصة اليونانيين المركزية، وتفصل بين الطرفين قوات حفظ سلام دولية.

حاول مكاريوس استعادة وحدة الجزيرة، لكنه فشل في ذلك؛ إذ كان الخرق قد اتسع على الراتق، وأصبح كل فريق متمسكًا بمواقفه مهما كان الثمن، ولم تصل المفاوضات إلى أي نتائج إيجابية، وفي 3 أغسطس (آب) 1977، توفي الأسقف مكاريوس الثالث بأزمة قلبية، ليشيع جثمانه في جنازة مهيبة حضرها أغلب سكان قبرص اليونانية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد