استكشاف الإنسان للفضاء، لم يعد أمرًا متوقفًا عند علماء الفضاء ووكالة «ناسا»، بل إن مؤسسات مثل «سبيس إكس» التي يمتلكها رجل الأعمال الشهير إيلون ماسك تهدف إلى إرسال مركبات فضائية سياحية يكون على متنها مدنيون لاستكشاف الفضاء بغرض المتعة والترفيه.

تلك الخطوة تعد تقدمًا ملحوظًا في علاقتنا بالفضاء، ولكنها مثلها مثل أي تقدم يحققه الإنسان، من الممكن أن يكون لها وجه قبيح يكشف عن نفسه في خضم احتفالنا بالإنجاز، وفي هذا التقرير نوضح لك خطرًا وصفه علماء الأحياء الفلكية بأنه «خطر أفظع من الخيال»، وهو يترصد بالأرض، بسبب استكشاف الإنسان للفضاء، «التلوث الميكروبيولوجي».

زوار غير مرغوبين من الفضاء

«التلوث الميكروبيولوجي» بين الكواكب كان يحدث قبل استكشاف الإنسان للفضاء عن طريق النيازك والأجسام الفضائية التي قد تقع على الأرض أو تتلامس معه، وتلك التفاعلات قد تتسبب في تلوث ميكروبيولوجي ولكنه بطيء وخارج عن إرادتنا، ولكن ما وضحه علماء الأحياء الفلكية، أنه من شأن سفر الإنسان للفضاء واستكشافه، التسريع من عملية التلوث على كوكب الأرض بالكائنات الفضائية الدقيقة، وهذا النوع من التلوث له نوعان كما صنفهما العلماء، الأول «تلوث أمامي» وهو حين يأتي إلى كوكب الأرض جسم دقيق غريب، و«التلوث العكسي» عندما تلوث الكائنات الحية الدقيقة الأرضية كوكبًا آخر خارج مجالنا.

عندما تعود البعثات الفضائية إلى كوكب الأرض، تحمل معها جزءًا من الفضاء على شكل كائنات دقيقة وميكروبية، وهو أمر يعلمه جيدًا رواد الفضاء، ولذلك يقومون بإجراءات تنظيف تمر بها مراكب الفضاء والقادمون عليها، ولكنها في بعض الأحيان لا تكون كافية للتخلص من جميع الكائنات الدقيقة القادمة من الفضاء والتي ستبحث عن مكان في الأرض لتعيش فيه، ولذلك هذا النوع من التلوث الذي يطلق عليه علماء أحياء الفضاء «التلوث الميكروبيولوجي»، هو أمر لا فرار منه طالما أصر الإنسان على استكشاف الفضاء.

«الخوف ليس من الكائنات الفضائية الخضراء التي تأتي على أطباق طائرة مثلما نرى في الأفلام، بل الخوف من التلوث الميكروبيولوجي الذي تتعرض له الأرض الآن وهو خطر أفظع من الخيال».

هكذا وصف علماء الأحياء الفلكية الخطر الذي يهدد الأرض بسبب التوسعات الحديثة في استكشاف الفضاء، والتي لم تعد تقتصر على وكالة ناسا ورجال الفضاء المحترفين، بل أصبحت تتضمن رحلات مدنية خاصة تخطط لها شركة «سبيس إكس»، وقد ورد هذا التحذير في دراسة نشرت في بداية هذا الشهر نوفمبر (تشرين الثاني)  تحت عنوان «Alien organisms – hitchhikers of the galaxy?» وألحق بها دراسة أخرى بعنوان «Planetary Biosecurity: Applying Invasion Science to Prevent Biological Contamination from Space Travel».

وقد أكدت تلك الدراسات أن غزو البشر للفضاء لن يكون في اتجاه واحد؛ فالفضاء سيغزونا أيضًا ولكن بالكائنات الدقيقة والميكروبية، فما نوعية المخاطر التي يشكلها هذا النوع من الغزو على كوكب الأرض والبشر؟

«أمراض فضائية ليس لها علاج على الأرض»

عندما انتشر وباء كورونا؛ عكف العلماء في أنحاء العالم على دراسة هذا الفيروس والبحث عن لقاح له؛ نظرًا إلى أن الفيروس مهما كان معقدًا في دراسته، فهو يتكون من معطيات يعرفها العلماء، ومن ثم صناعة اللقاح ستكون مضمونة ولا تحتاج سوى الوقت الكافي، ولكن ماذا لو هاجم الأرض فيروس أو وباء أو مرض من الفضاء الخارجي؟

وضحت الدراسات السابق ذكرها أن تعزيز «الأمن البيولوجي الكوكبي» لم يعد خيارًا، وهي الإجراءات المسؤولة عن مراقبة التلوث الناتج من غزو الإنسان للفضاء وحماية كوكب الأرض من الكائنات الدقيقة القادمة من خارجه، وأكد علماء الأحياء الفضائية أنه إذا لم تؤخذ إجراءات صارمة في هذا الشأن فستتعرض الأرض للغزو من قبل «الكائنات الحية الدقيقة الفضائية»، هذا بعد أن أثبتت الدراسة أن الغزو الميكروبيولوجي قد وصل فعلًا إلى الأرض وأصبح منتشرًا «بشكل غير مسبوق».

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
«جاكوبين»: أثرياء العالم يحتفلون في الفضاء بينما تحترق الأرض!

وقد رصد علماء الأحياء الفضائية في القطب الجنوبي من كوكب الأرض غزو نوع من البكتريا المعوية الفضائية المقاومة للعقاقير المصنعة على كوكب الأرض، وانتشرت تلك البكتيريا وأصابت وقتلت مجموعة كبيرة من حيوانات الفقمة والطيور البحرية، لكنها – حتى الآن- لم تجد طريقها للإنسان.

وتحذر عالمة الأحياء الفضائية شيريل نيكرسون من جامعة ولاية أريزونا أنه من الأفضل اكتشاف ما يمكن أن يحدث للميكروبات الأرضية  إذا تفاعلت في الفضاء قبل أن نرسل البشر في رحلات طويلة المدى هناك، لأنهم من الممكن أن يعودوا إلى الأرض وهم يحملون الغزو الوبائي الفضائي في دمائهم.

الخطر الذي يواجه الأرض من الأمراض القادمة من الفضاء، لا يتوقف عند الميكروبات الفضائية فقط، بل إن الأمراض الأرضية عندما تصل للفضاء فهي تتصرف «بشكل مقلق» على حد وصف الخبراء، فقد يكون رائد فضاء أو زائر مدني على المريخ مصابًا بالأنفلونزا وهو هناك، فيجد هذا الفيروس ما يتفاعل معه في الفضاء ليتحوَّر لمرض أكثر خطورة وغير مفهوم للبشر ويغزو الأرض عند العودة، خاصة وأن بعض الرحلات للمريخ قد تستمر شهورًا؛ ما يمنح الوقت للميكروبات والفيروسات للتفاعل والتغير.

خطر ميكروبيولوجي يهدد النظم البيئية والعلم يطالب بـ«حلول صارمة»

في الدراسة المنشورة بموقع «بيو ساينس» وصف مؤلفو الدراسة، أنتوني ريكياردي من جامعة ماكجيل وزملاؤه، التلوث الميكروبيولوجي القادم من الفضاء بأنه خطر يهدد النظم البيئية على كوكب الأرض، موضحين أنه يجب أن يصبح قضية أمن بيولوجي عالمية تتطلب «حلولًا صارمة»؛ لأن التهديد أصبح أكثر إلحاحًا عن الماضي؛ على الرغم من الحذر الشديد من وكالات الفضاء في عزل السلالات البكتيريا القادمة من الفضاء، والتي لديها مقاومة شديدة للمطهرات الأرضية في غرف نظيفة.

هذا «السيناريو المثير للقلق» يتضمن مخاطر لا تخص علم الأوبئة فقط، بل سيكون له خطورة على التنوع البيولوجي واستقرار البشر على كوكب الأرض، بل عملية التطور في الكائنات الحية أيضًا، فقد يغير الغزو الميكروبي القادم من الفضاء ديناميكيات التفاعلات بين المفترس والفريسة والطفيلي والمضيف، والعديد من النظم البيئية الأخرى التي قد بنى العلماء فهمهم للطبيعة على كوكب الأرض على أساسها.

وأكدت الدراسة أنه ليس هناك حل سوى الاكتشاف المبكر لهذا النوع من التلوث، وتقييم المخاطر، والاستجابة السريعة، والعمل على تطوير إجراءات احتواء للأنواع الغازية القادمة من الفضاء لتكون أكثر فعالية، وحتى يتم كل ذلك يجب الاعتراف دوليًّا بمخاطر «التلوث الميكروبيولوجي»، خاصة وأن إحدى المشكلات الرئيسية هي أن إرشادات حماية الكواكب الحالية المتطورة ليست إلزامية.

تلك الكائنات الدقيقة التي قد تأتي لنا من الفضاء، والتي نجهل مم تتكون وما هي قادرة على فعله، سيكون لها القدرة على التأثير في الحيوانات والنباتات، وليس البشر فقط، وقد يستطيع ميكروب واحد مجهول من الفضاء أن يدمر واحدًا من أهم المحاصيل الإستراتيجية على كوكب الأرض، فمعنى كلمة «تهديد النظم البيئية» تعني في المقابل تهديد حياة الإنسان على كوكب الأرض؛ لأنه يحصل على غذائه وهوائه من تلك النظم البيئية، والتي إذا وقع فيها تغير غير مفهوم أو غير قابل للاحتواء، قد يهدد حياته كاملة على الأرض قبل أن يستطيع اكتشاف حلول فعالة.

«عواقب وخيمة وغير محتملة»: «الوقاية خير من العلاج»

يوضح العلماء أيضًا أنه رغم وصول بعض التلوث الميكروبي لكوكب الأرض، فإن فكرة غزو الأرض كاملة من قبل هذا النوع من التلوث ليست قريبة أو محتلمة الآن، ولكنها ليست مستحيلة أيضًا، وشبهوا الأمر بالزلزال القوي النادر الذي لم يضرب الأرض بعد، ولكنه إذا ضربها من الممكن أن يدمرها وللأبد من خلال «عواقب وخيمة وغير محتلمة»، ولذلك هو من أنواع الخطر التي يجب التعامل معها بمبدأ الوقاية خير من العلاج، لأن الوقاية قد تكون متاحة وفي يد البشر الآن، ولكن العلاج قد يكون مستحيلًا وقت حدوثه.

وعلى الرغم من أهمية الأمن البيولوجي للفضاء، فقد ذكر العلماء في أكثر من دراسة أنه ليس هناك تعاون كافٍ بين علماء الأحياء وعلماء الأحياء الفلكية، والذي من شأنه تعزيز البروتوكولات الدولية الحالية للأمن البيولوجي للكواكب لكل من الأرض والأجسام خارج كوكب الأرض، التي يمكن أن تحتوي على الحياة، وأنه من الضروري التعاون بين العلماء والقادة لتقوية خطوط الدفاع الكوكبية ضد هذا الخطر الذي وصفه العلماء بكونه «أفظع من الخيال».

قد يكون من الصعب عليك – عزيزي القارئ- أن تتخيل خطرًا يهدد الأرض على شكل كائنات حية دقيقة قادمة من الفضاء؛ وهذا لأن الدراما عززت فهمنا للغزو الفضائي على شكل رجال برؤوس كبيرة خضراء يستخدمون أسلحة الليزر ويدمرون الأرض، ولكن مؤخرًا بدأت حتى السينما العالمية الالتفات لهذا النوع من الغزو، وقد جسده فيلم «Annihilation» الذي قامت ببطولته ناتالي بروتمان، ومن إخراج أليكس جارلاند، فإذا كنت تريد أن ترى رؤية خيالية مخيفة نفسيًّا عما قد يحدث للأرض من التلوث الميكروبيولوجي القادم من الفضاء، فمشاهدة هذا الفيلم قد تكون نافذة على ذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد