خِلال القرن الماضي، تُوفي أكثر من 500 مليون شخص من الأمراض المعدية. عشرات الآلاف من هذه الوفيات بسبب الإطلاق المتعمد لمُسببات الأمراض، أو السموم. وكانت معظمها من قِبل اليابانيين خلال هجماتهم على الصين في الحرب العالمية الثانية. فالأسلحة البيولوجية عبارة عن أنظمة معقدة تنشر الكائنات المُسببة للأمراض، وكذلك المُنتجة للسموم  وذلك لقتل البشر، والحيوانات، والنباتات.

تشمل هذه الأسلحة كل الكائنات الدقيقة كالبكتريا، والفطريات، والـفيروسات، وكذلك السموم الموجودة في الطبيعة المُفرزة بواسطة هذه الكائنات، أو المُشتقة من النباتات والحيوانات.

تندرج الأسلحة البيولوجية، والنووية، وكذلك الكيميائية تحت مُسمى أسلحة الدمارالشامل لكن الأكثر تميزًا هي الأسلحة البيولوجية وذلك لأنها أول أسلحة الدمار الشامل المستخدمة في الحروب، ولما تتميز به أيضًا من صِغر الحجم، وسهولة الحُصول عليها وسهولة استخدامها، وانتشارها السريع بالإضافة إلى  قدرتها التدميرية الفتاكة.

في هذا التقرير نلقي الضوء على الأسلحة البيولوجية، وبداية استِخدامها في الحروب أو الاغتيالات، وكيفية انتشارها والسيطرة عليها، بالإضافة إلى بعض الأمثلة التي تم استخدامها، وأشَهر المعاهدات لمنع انتشار هذه الأسلحة، وأخيرًا هل ستصبح بديلًا عن نظيرتها النووية.

لكن متى بدأ استخدام هذه الأسلحة؟!

181826285

قد يكونُ غريبًا أن تعرف أن استخدام الأسلحة البيولوجية بدأ في الحروب منذ 14 قرنًا قبل ميلاد المسيح. فخلال القرن السادِس قبل الميلاد سَمم الأشوريون آبار العدو بفطريات جَعلت العدو يُصاب بالهذيان. وقبل 300 سنة من الميلاد اقتبس الأدب اليوناني والفارسي والروماني أمثلة لاستخدام الحيوانات الميتة في تلويث الآبار ومصادر المياه. وفي القرن الـ14 أثناء حِصار”كافا” ألقى التتار جُثث المُصابين بالطاعون في المدينة لِنشر الوباء للعدو.

أما في العصر الحديث فقد  تَطورت الأسلحة البيولوجية. فخلال الحرب العالمية الأولى استخدم الجيش الألماني “الجمرة الخبيثة”، و”مرض الرعام”، و”الكوليرا ” كأسلحة بيولوجية.

أما في الحرب العالمية الثانية عملت القوات اليابانية مُنشأة بحثية سرية للأسلحة البيولوجية  في منطقة “منشوريا” بشمال شرق الصين. وقامت بتنفيذ الأبحاث والتجارب على السُجناء، وعَرضوا أكثر من ثلاثة آلاف ضحية للطاعون، والجمرة الخبيثة. وأعدموا بعض المُصابين وقاموا بتشريحهم لِفهم مدى تأثير هذه الأسلحة على الجِسم البشري.

استخدام الأسلحة البيولوجية في الحرب والاغتيال: كَيف يتمُ نَشرها وهل يَسهُل اكتشافها؟

لم تعد الحروب مواجهة بين جيشين، بينما يكفي إرسال فيروس قاتل لإثارة الرعب والهلع  والإرهاب. فعلى الرغم من وجود أكثر من 1200 عامل بيولوجي يُمكن استخدامه لنشر الأمراض لكن عددًا قليلًا نِسبيًا يَمتلك الخصائص التي تجعله سلاحًا مثاليًا ليُستخدم في الحروب.

العوامل البيولوجية المثالية من السهل نِسبيًا الحصول عليها واستخدامها، ولن يحتاج إلا لكمية ضئيلة جدًا لقتل مئات الآلاف من البشر والحيوانات. فالأسلحة البيولوجية من السهل جدا إخفاؤها ولكن من الصعب نسبيًا اكتشافها والحماية منها. وذلك لأنها غير مرئية، عديمة الطعم وكذلك الرائحة. تنتشر في صمت بشكل مُرعب  فيُمكن نشرها بطرق مُختلفة ومُتعددة عن طريق الهواء، والطعام وكذلك الماء.

أما حتى يكون السلاح البيولوجي فعالًا فيجب أن يكون منتشرًا في الهواء حتى يصل منه كِمية كافية إلى الرئتين حتى تَحدُث الإصابة. حيث يُستخدم الهواء والماء كطريقة مثالية لنشَر عامل بيولوجي لوُقوع إصابات جماعية. بينما الحَقن والامتصاص من خلال الجلد يُعتبر طريقة مِثالية لاغتيال أفراد محددة.

لكن متى يُشتبه في حدوث هجوم بيولوجي وكيفية الحماية منه؟

هُناك العديد من الدلائل الوبائية والأعراض المَرضية التي تُشير لحدوث هجوم بيولوجي كَحدوث الإصابة بمرض لأسباب غير معروفة، أو وجود سُلالة غير عادية، نادرة، أو مُعدلة وراثيًا منِ مرض معين. كذلك ارتفاع معدلات المرضى والوفيات ممن يُعانون من أعراض متشابهة. أو الزيادة غير المُبررة في الأمراض المستوطنة.

ومن الممكن اتخاذ تدابير وقائية ضد عوامل الحروب البيولوجية إذا اكتُشفت في وقت مبكر مثل:-

  1. الأقنعة: مثل قِناع الغاز أو ذات الكفاءة العالية التي تقوم بترشيح الهواء من العوامل البيولوجية الموجودة فيه.
  2. الملابس الواقية:  فَمُعظم العوامل البيولوجية في الهواء غير قادرة على اختراق الجلد.
  3. المُضَادات الحيوية: ضحَايا الحروب البيولوجية يمكن أن تعطى المُضادات الحيوية كَحُبوب أو من خلال الحقن الوريدي.
  4. التَطعيم: تتوفر حاليًا الأمصال الواقية للجمرة الخبيثة، والُحُمى الصفراء، والجُدري. ولكن حتى الآن لم يتم التَحصين على  نِطاق واسع من المواطنين غير العَسكريين من قبل أي وكالة حكومية.

الطَاعوُن، الكُوليِرا، والجُدَري كأسلحة بيولوجية!

175132728

لا يَزال الطَاعُون داءً مُتأصلًا في بعض مناطق العالم. ويُستخدم في الحروب البيولوجية  كعدوى لِضرب البشر والحيوانات. وتُسببه بكتريا “يرسينيا بيستس Yersinia pestis” التي  كانت سببًا للوباء في القرن السادس والرابع عشر والعشرين.

وخلافًا للاعتقاد الشائع بأن الفِئران هي السبب في نشر الطَاعُون فقد اكُتشف أن الفئران هي أولى ضحاياه وأن سبب نشر العدوى هي البراغيث.

وتنتقل العدوى عن طريق الاتصال المبُاشر بالمريض بما في ذلك الاتصال الجنسي. وقد يصُيب الطاَعُون الرئِتين، والعُقد الليمفاوية، والأوعية الدموية. كذلك الكُوليرا تُستخدم كسلاح بيولوجي. فهو مرض حاد يُصيب الأمعاء وتسببه بكتريا “فيبرو كوليراvibrio cholerae “.

لكن على عكس الطاعون أو الجدري فالكوليرا لا تنتشر بسهولة من إنسان إلى آخر، لذلك من المفترض أن تكون إمدادات مياه الشُرب الرئيسية ملوثة بالبكتريا بغزارة. حيث يُمكن للبكتريا البقاء على قيد الحياة في مياه الصرف الصحي لـ 24 ساعة، وأحيانًا إلى ستة أسابيع في المياه التي بها نِسب عالية من المواد العضوية. لكن تُقتل بسهولة أيضًا عن طريق الحرارة  أو الغليان.

أما الجُدري فكان سَببًا هامًا للمرض والوفاة في العالم النامي في الآونة الأخيرة، وفي عام 1980 أعلنت مُنظمة الصحة العالمية أنه تم القضاء على الجُدري تمامًا. وأشُير إلى آخر حالة في الصومال عام 1977.

يُعتبر فيروس الجدري شديد العدوى في الهواء. فهو مستقر بيئيًا ويحتفظ بقدرته على الإصابة لفترات طويلة. وتَحدث العدوى بالجدري عن طريق الرذاذ. حيث يتضاعف في الجهاز التنفسي، ثم ينتقل إلى العقد الليمفاوية عبر الأوعية الدموية. وتم التعرف على نوعين من الجدري، أحدهما يسبب الوفاة  في 30٪ من غير المحصنين، والآخر يسبب الوفاة في 1٪ منهم.

هل يُستخدم فيروس الإيبولا كسِلاح بيولوجي؟

في عام 1992 وجُهت تهُم إلى أعضاء جماعة “أوم شنريكيو” لذهابهم إلى “زائير” للحصول على عينات من فيروس “الإيبولا” لاستخدامه كسلاح بيولوجي.

ولأن الفيروس ذو سُمية عالية وفائق الانتشار فيعتبر كأحد الأسلحة البيولوجية الهامة. ويُعتبر فيروس”الإيبولا”  أكثر أنواع الحمى النزفية شُهرة، تم التعرف عليه لأول مرة عام 1976.

أما عن الإصابة فغالبية من يُصاب بالفيروس يلقى حتفه في فترة وجيزة إذا لم يُعالج. في عام 2012 بدأ تفشي الفيروس في أوغندا والآن في جمهورية الكونغو الديمقراطية. في عام 2014 بدأ أكبر تفشٍّ للفيروس في دول غرب أفريقيا، وسقط الآلاف من الضحايا بسبب هذا الفيروس.

أما العدوى فتنتقل إلى الإنسان بملامسة دم الحيوانات المُصابة بالمرض أو إفرازاتها أو أعضائها أو سوائل جسمها، ووُثِّقت في أفريقيا حالات إصابة بالعدوى عن طريق التعامل مع قردة الشمبانزي والغوريلا وخفافيش الفاكهة والنسانيس وظِباء الغابة.

الأسلحة البيولوجية هل ستصبح بديلًا عن الأسلحة النووية؟! اتفاقيات أسلحة الدمار الشامل

128559331

إن خصائص الأسلحة البيولوجية التي تؤهلها للاستخدام في إبادة الشعوب كثيرة.

فبسبب قُدرتها الفائقة على الانتشار، وحدوثها بشكل مفاجئ دون سابق إنذار، وتعدد المراحل التي تَمر بها حتى حدوث الإصابة مما يتيح الفُرصة لمستخدميه في الحروب تحديد مدى الضرر الذي يُريده، حيث لا تحتاج هذه الأسلحة إلى أجهزة معقدة لإنتاجها واستعمالها.

ومن المُميز أيضًا للأسلحة البيولوجية أنها لا تستَهدف إلا ما هو على قيد الحياة فقط فليس لها تأثير يُذكر على المنشآت والمباني والطرق وغيرها. بينما نظيرتها النووية  تؤدي إلى القضاء على الأفراد والمُنشآت والمباني. لذلك فالأسلحة البيولوجية هي أخطر أسلحة الدمار الشامل حيث تتفوق على الأسلحة النووية وكذلك الكيميائية مما يجعلها بديلًا مثاليًا للأسلحة النووية في المستقبل.

أما بروتوكول “جينيف” عام 1925 كان أول اتفاقية لمنع استخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية لكنه لم يَمنع امتلاكها أو تطويرها. مما دَفَع بريطانيا لِتقديم مسودة للمُعاهدة التي وُقعت في 10 أبريل 1972 وأصبحت نافذة عندما صَدَقتَ عليها 22 حكومة. أما حاليًا تلتزم 165 دولة بالمعاهدة حيث يُمنع تطوير، وإنتاج، وتخزين الأسلحة البيولوجية والسامة.

على الرغم من ذلك، فإن غياب نظام رسمي للتحقق من مدى الالتزام بالمعاهدة قد حَد من فاعليتها وأتاح الفُرصة للدول المتقدمة  بتطوير الأسلحة البيولوجية سرًا مما يَمدها بالقوة في السيطرة على العالم لِقُدرتها على إبادة الشعوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد