«كل طفل في حاجة إلى والده»، جملة نسمعها كثيرًا عن العلاقة بين الآباء والأبناء، لكن هل من أدلة علمية تدعمها؟ افترض علماء النفس، وغيرهم من الباحثين على مدى عقود، أن الرابطة بين الأم والطفل هي الأكثر أهمية في حياته، وأخذت غالبية الدراسات تركز على طبيعة هذه العلاقة، وتفسير كثير من السلوكيات بناءً عليها.

وخلال العقود القليلة الماضية، بدأ العلماء يدركون على نحو متزايد أهمية وجود الآباء في حياة أبنائهم؛ إذ تُشير البحوث الجديدة إلى أن دور الأب في تربية أطفاله أكثر أهمية بكثير مما كنا نظن، وبدأ يتضح مدى تأثر أجساد الآباء واستجابتهم لدور الأبوة تمامًا مثل الأمهات. علاوة على ذلك، قد يؤثر أسلوب الأبوة الذي يسلكه الأب مع أطفاله على نموهم أكثر من الأم في بعض الأحيان.

نتناول في السطور التالية نتائج أبرز التجارب، التي أجراها الباحثون في علم النفس التطوري وعلم نفس الأطفال، حول أهمية دور الأب في حياة أبنائه، والكيفية التي يؤثر بها وجوده على حياتهم ومستقبلهم، بالإضافة إلى اختيار شركاء حياتهم.

البداية داخل الرحم.. ما قبل الولادة

تكشف الدراسات أنه بمجرد أن يحدث الحمل لدى الأم، وما يصاحبه من تغيرات هرمونية وفسيولوجية، يبدأ جسم الأب بالتغيير أيضًا، ويشهد تغيرات هرمونية مماثلة. يُعاني  أكثر من خُمس الرجال الذين ينتظرون قدوم مولود من زوجاتهم من أعراض الحمل بالتزامن معهن، مثل الغثيان والقيء، بل وقد يشعرون بالانقباضات، ويعانون من آلام المخاض كذلك، فيما يُعرف بـ«متلازمة الحمل التعاطفي، أو متلازمة كوفاد «Couvade Syndrome».

وبالرغم من عدم وجود تفسير قاطع للأمر، تُرجح بعض النظريات البيولوجية إمكانية حدوث أعراض متلازمة كوفاد؛ لإعداد الرجال للأبوة من خلال مزامنتها مع زوجاتهم؛ من أجل تركيز اهتمامهم على الأولاد المحتملين. في حين يرى علم النفس التطوري أنها امتداد لمشاعر الرجل قبل الإنجاب، ويُرجحون أن الرجل الذي يُصاب بهذه الأعراض يتصف بعد ذلك بالحنان الشديد تجاه أبنائه.

Embed from Getty Images
وبعد أن يقوم أحد الحيوانات المنوية من الأب بتخصيب البويضة، ينمو الطفل داخل رحم الأم خلال الأشهر الـ9 القادمة، وتنمو خلالها رابطة قوية بين الأم وطفلها، غير أن تلك العلاقة ليست حكرًا على الأم. يبدو أن علاقة الأب مع طفله تبدأ حتى قبل أن يولد؛ إذ أوضحت الأبحاث، التي أُجريت في المملكة المتحدة، أنه بإمكان الجنين التعرف على صوت والده وهو لا يزال داخل رحم أمه.

يُمكن للجنين سماع صوت أمه من داخل الرحم في وقت مبكر، يصل إلى الأسبوع السادس عشر من الحمل، ويرفع صوت الأم المألوف من معدل نبضات قلب الجنين، كعلامة واضحة على استجابته لصوتها.

فضلًا عن ذلك، لا يمكن للجنين سماع الأصوات فحسب، بل في أحد الاختبارات كانت استجابته لصوت الأب أكبر من الأم؛ إذ كان معدل ضربات القلب بعد سماع صوت الأم 136 نبضة في الدقيقة، مقابل 144 بعد سماع صوت الأب؛ لذا فإن الاستجابة الأكبر تأتي من الأب، كما يمكن للأطفال حديثي الولادة تمييز صوت الأب بعد 4 ساعات فقط من الولادة.

ساعات الأبوة الأولى

يُعد ‹‹التستوستيرون›› أهم هرمون ذكوري عند الرجال، والمسؤول عن ظهور جميع صفات الذكورة، بدايةً من خشونة الصوت وزيادة كتلة العضلات إلى الأداء الجنسي والقدرة الإنجابية، وقد أظهرت الدراسات حدوث انخفاض في إنتاج هرمون التستوستيرون لدى الآباء من البشر مباشرةً بعد وصول ذريتهم إلى العالم.

يشهد الآباء الجدد انخفاضًا يُقدر بنحو 30% في مستوى التستوستيرون، مقارنةً بمستوى الهرمون في أجسامهم قبل أن يصبحوا آباء، ويبقى الهرمون منخفضًا لمدة تصل إلى 3 أشهر، أيضًا يختلف تركيزه عند الآباء الذين يُشاركون بنشاط في رعاية أطفالهم عن الذين لا يُشاركون بدور فعال؛ إذ وجد أن الآباء الذين يقضون 3 ساعات أو أكثر يوميًا في رعاية أطفالهم، يكون تركيز التستوستيرون لديهم أقل مقارنةً بالآباء غير النشطين.

Embed from Getty Images
ويُفسر علم النفس التطوري هذا الانخفاض الذي يحدث عند الآباء مع أطفالهم الجدد، بأنه يدعم الدور التطوري لوظيفة الأب ويُعده كي يُصبح والدًا جيدًا؛ إذ ترتبط معدلات التستوستيرون العالية في جميع أنحاء المملكة الحيوانية، بالسلوك العنيف والتنافسي عند الذكور خاصة في مواسم التزاوج.

وعندما يكون هناك طفل على وشك القدوم، فلا يلزم وجود ذكور يتسمون بالعنف والعدوانية حول هذا الرضيع؛ لأن الذكور الذين يحملون مستويات مرتفعة من التستوستيرون، يكون لديهم مستويات منخفضة من التسامح والصبر؛ الأمر الذي لن يجعلهم يتحملون الأمر عندما يبدأ الطفل في البكاء.

لا يقتصر الأمر على هرمون التستوستيرون فحسب، بل هناك تحولٌ آخر يحدث في دماغ الآباء الجدد لدى ولادة أطفالهم، يتمثل في زيادة مستوى هرمون «البرولاكتين». تُعد وظيفة هذا الهرمون الرئيسة تعزيز عملية الرضاعة عند النساء، وتأخذ مستوياته في الارتفاع في أجسامهم خلال الثلث الأخير من الحمل؛ كي يُعد الثدي لوظيفة الرضاعة، وللدهشة تحدث زيادة مماثلة في تركيز البرولاكتين عند الآباء خلال الأيام التي تسبق ولادة أطفالهم.

يُساعد هذا التحول المفاجئ في هرمونات الآباء على توجيه انتباههم إلى الطفل الجديد، وتركيز الاهتمام على رعايته والحفاظ على حياته؛ إذ يدفع انخفاض هرمون التستوستيرون مع ارتفاع البرولاكتين الآباء للاستجابة العاطفية نحو أطفالهم بشكل أكبر عند التعرض لصوت بكائهم.

هرمون الحب والتغيرات الدماغية

شهدت الأدوار التقليدية للأم والأب تغيرًا جذريًا خلال الربع الأخير من القرن الماضي، وقد أعاد الرجال تعريف معنى أن تكون والدًا في أقل من جيل؛ إذ اعتاد الآباء في بريطانيا خلال السبعينات، قضاء ربع ساعة في المتوسط يوميًا في القيام بالأنشطة المشتركة مع أطفالهم، والآن ارتفع هذا الرقم إلى ما يقرب من ساعتين، وأصبح العديد من الآباء يرغبون بأن يكونوا أكثر انخراطًا في تربية أطفالهم.

Embed from Getty Images
بالإضافة إلى التغيرات الهرمونية السابق ذكرها، تتخلل علاقة الوالد بولده جرعة من الأوكسيتوسين (هرمون الحب)، يُسمى (الأوكسيتوسين) كذلك؛ لدوره في إحداث الترابط والتعاطف والإيثار في العلاقات. يُساهم الأوكسيتوسين في تحسين السلوك الأبوي، ومن المثير للاهتمام ما أشارت إليه إحدى الدراسات عن استجابة الطفل المباشرة للارتفاع في مستوى الأوكسيتوسين عند الأب.

ذكرت الدراسة أن الآباء الذين استنشقوا جرعات من الأوكسيتوسين خلال التجارب، كانوا أكثر شراكة وتفاعلًا مع أطفالهم. فضلًا عن ذلك أظهر الأطفال ارتفاعًا في مستويات الأوكسيتوسين يتناسب مع المستويات المرتفعة عند الآباء، ويُساعد ذلك في تعزيز استعداد الأطفال الفسيولوجي والسلوكي للمشاركة الاجتماعية.

تُساهم جميع تلك الاستجابات الهرمونية في تهيئة، ومساعدة الآباء على لعب دورهم في تربية أطفالهم، لكن التغيرات ليست على مستوى الهرمونات وحدها؛ إذ تُظهر صور الرنين المغناطيسي حدوث نمو في المناطق الدماغية المسؤولة عن العاطفة والتواصل؛ من أجل توفير الدفء والرعاية للوليد الجديد، ويظهر هذا النمو في أدمغة الآباء منذ الشهر الأول بعد ولادة أطفالهم.

على الجانب الآخر، فإن تفاعل الأب مع طفله أمر هام لتحقيق النمو الأمثل للطفل، وهذا ما أدركته جيدًا بعض المجتمعات التي أعطت الأمر قدره المستحق من الأهمية، مثل كندا التي يُسمح فيها للآباء بأخذ إجازة لرعاية أطفالهم، يحصل عليها 25% من الآباء الكنديين، وتصل النسبة إلى 80% في مقاطعة كيبيك، التي تمنح إجازة قدرها 5 أسابيع مدفوعة الأجر.

بين لعب الطفولة واختيار شريك الحياة

بالإضافة إلى تأثير دور الأب على النمو الجسدي لطفله، يملك نمط اللعب الذي يمارسه الأب مع أبنائه تأثيرًا بارزًا في تشكيل شخصياتهم. يمكن لأسلوب اللعب أن يساعد الطفل على التطور، من خلال تعلّم تخطي الحواجز والمخاطرة، ويُكسب الطفل أيضًا تعلّم احترام الحدود، وكذلك طريقة استكشاف ما وراءها.

الطفل التربية دورك

ويمتد تأثير الأب إلى أبعد من ذلك؛ إذ يمكن أن ينمي أسلوبهم الخاص في اللعب اللغة عند الطفل. يرجع السبب في ذلك إلى أن الآباء يميلون إلى استخدام لغة حديث الكبار مع أبنائهم التي تتسم بكونها أكثر تعقيدًا وثراءً، على عكس اللغة التي تستخدمها الأم مع طفلها، والتي تتعمد فيها تكرار الكلمات البسيطة حتى يعتادها الطفل ويألفها.

وقد أظهرت الأبحاث أن الآباء لديهم تأثير أكبر من الأمهات على تنمية لغة الأطفال بين سن سنتين إلى 3 سنوات، وكلما كانت مفردات الأب المستخدمة أكثر، كلما ارتفعت نتائج الطفل في اختبارات اللغة بعد عام.

علاوةً على ذلك، يدخل الأطفال الذين شارك آباؤهم بدور فعال في سنوات حياتهم الأولى المدرسة بمزيد من الثقة والصبر، والاهتمام بالمشاركة في الأنشطة، وتزداد احتمالية قدرتهم على تسجيل درجات عالية في المدرسة بمعدل الضعف.

Embed from Getty Images
وخلال فترة المراهقة، يملك أسلوب الأب التأثير الأكبر في توجيه سلوك أبنائه وتعليمهم النظام، وإرشادهم للطريقة التي يدخلون بها عالم الراشدين ويواجهون الحياة. إلى جانب أن الآباء لديهم القدرة أكثر من الأمهات بكثير على غرس الطموح والتنافسية في نفوس أبنائهم.

ويلعب وجود الأب دورًا محوريًا في حياة ابنته، خاصةً في مرحلة البلوغ وما بعدها؛ وكلما بلغت الفتاة يكتسب دور الآباء أهمية متزايدة في حياتها، وفي طريقة ارتباطها مع الجنس الآخر؛ إذ يتأثر اختيار الفتاة لشريك حياتها بشخصية والدها بشدة.

وقد أظهرت الأبحاث أنه عندما تسعى المرأة إلى الزواج، فإنها تميل إلى اختيار الرجل الذي يُشبه والدها، إذا كانت علاقتها بوالدها جيدة خلال نشأتها، ويكون هذا الشبه في الطباع والمعاملة وقد يصل في كثير من الأحيان إلى الشكل أيضًا.

المصادر

s