لم تعد صناعة الأسلحة البيولوجية حكرًا على العلماء، بعدما اقتحم القراصنة هذا المجال؛ ما يمثل تهديدًا خطيرًا على الأمن القومي، يحتم ضرورة تحسين قدراتنا على كشفه وتعطيله، إذا كنا نأمل في إبقاء هذا العدو اللدود، المقبل بخيلِه ورجِلِه، تحت السيطرة.

يعود تاريخ الحرب البيولوجية إلى عدة قرون؛ حيث وقع أحد أقدم نماذجها المعروفة عام 1155م عندما سمم الإمبراطور فريدريك بربروسا آبار المياه بأجساد بشرية في حصار تورونتا، بإيطاليا. وفي عام 1972، صدَّق مكتب الأمم المتحدة لشئون نزع السلاح على اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتكديس الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتوكسينية وتدميرها، لكن بنودها ملزمة فقط للدول الـ170 الموقعة عليها، دون 23 دولة أخرى لم توقع، منها: إسرائيل وتشاد وكازاخستان، إلى جانب المجموعات المستقلة والأفراد الساعين لتوظيف مثل هذه الأسلحة.

ثم جاءت رسائل الجمرة الخبيثة عام 2001 إلى الولايات المتحدة لتكشف أن اتفاقية 1972 تكبح جماح جانب واحد من المشكلة؛ ذلك أن أسلحة الدمار الشامل، التي كانت سابقًا تحت سيطرة الدول القومية حصريًّا، أصبح الآن بإمكان الأفراد حيازتها ونشرها، وفي 2010، تم التوصل إلى أن هذه الرسائل التي بُعثت إلى قادة سياسيين ووسائل إعلام في أنحاء العالم تشكل هجومًا إرهابيًّا، شنَّه الدكتور بروس إيفينز، وهو خبير في الميكروبيولوجي يعمل لدى وزارة الدفاع الأمريكية.

وفي أبريل ومايو 2013، وقع هجومان بيولوجيان منفصلان برسائل “الرايسين”، يُعتَقَد أن المسئول عنهما أفراد، استطاعوا، دون خبرة علمية أو دعم، تصنيع عنصر بيولوجي، وإن كانت قوته لا ترقى لمستوى السلاح الفعال.

وبالمقارنة مع رسائل الجمرة الخبيثة عام 2001، يتضح أن رسائل الرايسين 2013 تمثل تحولاً في إنتاج الأسلحة البيولوجية من الأفراد المدربين إلى المواطنين العاديين؛ حيث يُعتَقد أن أول مجموعة من الرسائل أرسلها مدرب كاراتيه من توبيلو بميسيسيبي، فيما اعترفت ممثلة غير متفرغة وربة منزل من دالاس بتكساس، في ديسمبر 2013، بإرسال المجموعة الثانية. وأظهرت هذه الأحداث الأخيرة أن المعرفة التكنولوجية المتواضعة نسبيًّا لا تحول دون نشر أسلحة الدمار الشامل، ما يخلق تهديدًا جديدًا يُدعى “القرصنة البيولوجية”.

في مقال نشرته واشنطن بوست عام 2005، أشار ستيف كول وسوزان جلاسر إلى إمكانية العثور عبر شبكة الإنترنت على معلومات حول كيفية حقن الحيوانات، مثل الفئران، بالطاعون الرئوي، وكيفية استخلاص الميكروبات من الدم الملوث، وكيفية تجفيفها بحيث يمكن إرسالها بنظام التوصيل عبر جسيمات الأيروسول، ما يحولها إلى سلاح بيولوجي.

إذا كانت هذه المعلومات حقًّا متوفرة للجميع، فهل يمكن حجبها عن إرهابيّ يحدوه تصميم؟!

ويستند المقال في تأكيده على خطورة القرصنة البيولوجية إلى إستراتيجيات القراصنة البيولوجيين المراوِغة، ومحدودية طرق الكشف الحالية، ويخلُص إلى ضرورة اتخاذ تدابير أكثر فعالية لكبح هذا التهديد المتنامي طويل المدى الذي يمثله هذا الجيل المعدل من عوامل الأسلحة البيولوجية.

خطر عوامل الحرب البيولوجية

على عكس الأسلحة التقليدية، أو أسلحة الدمار الشامل الأخرى، تتمتع أسلحة العملاء البيولوجيين بقدرة على خلق حالة من الانفلات الجامح. وبينما يقتصر ضرر القنبلة أو القذيفة المدفعية على دائرة الانفجار، وتتبدد آثار أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والنووية مع مرور الوقت، فإن الأسلحة البيولوجية على النقيض عبارة عن كائنات مجهرية يمكنها التكاثر والانتشار بأعداد مضاعفة من مضيف إلى آخر؛ وبالتالي لديها قدرة على أن تكون لا متناهية زمانًا ومكانًا، بل إن المضيف ذاته يعمل كمضّخم للعامل. أضِف إلى ذلك السمة المشتركة بين كل أسلحة الدمار الشامل، وهي وجود فارق زمني بين وقت الإصابة وظهور الأعراض، أو ما يسمى بفترة الحضانة، التي يشعر المصاب خلالها بالصحة ويستطيع مواصلة حياته، ما يزيد من احتمالية الانتشار.

في عام 2003، أجرت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA) دراسة (جايسون) لتحديد أفضل وسائل لكشف وتحديد وتخفيف آثار إطلاق عامل بيولوجي داخل الولايات المتحدة، وخلُصَت إلى أن التقنيات الحالية، وتلك المتوقع تطويرها في غضون السنوات الخمس المقبلة، لا يمكنها تحقيق تغطية وطنية من أجهزة الاستشعار. بدلاً من ذلك، ينبغي استخدام أجهزة الاستشعار الحالية في المواقع الحيوية وفقًا لقواعد اللعبة المقررة سلفًا. أما خارج نطاق هذه العُقَد الحرجة، فتوكل مهمة المراقبة الحيوية للإرهاب البيولوجي إلى الرقابة الطبية؛ التي ينبغي أن يكون أحد عناصرها الأساسية هو الشعب الأمريكي، باعتباره شبكة قوامها 288 مليون جهاز استشعار محمول، لديه القدرة على اكتشاف مسببات المرض والإبلاغ عنها.

ونتيجة لوباء أنفلونزا H1N1، أكدت الإستراتيجية الوطنية للمراقبة الحيوية 2012 أكثر نتائج تقرير (جايسون)، وطالبت بأن تتجاوز المراقبة الحيوية الطبية التهديدات البيولوجية والإشعاعية والنووية والكيميائية. هذا التوسع يزيد من قدرة الرقابة الطبية على معالجة “مجموعة أوسع من التحديات الصحية للإنسان والحيوان والنبات”، في محاولة لتحسين الكشف المبكر عن الأمراض الناشئة والأوبئة، والمسببات الأخرى.

ورغم ذلك فإن المراقبة الطبية محدودة ذاتيًّا؛ حيث تعتمد كليًّا على الإبلاغ الذاتي عن الأعراض والأمراض، والذي لا يحدث إلا بعد فترة الحضانة. هذا الفارق الزمني يمنح القراصنة البيولوجيين فرصة للقيام بنشاط خبيث يهدف إلى زيادة الضرر ونشر آثار الأسلحة البيولوجية، وعلى سبيل المثال، مع تأخر الأعراض وسهولة السفر يمكن للفرد الأمريكي الانتقال إلى مكان في العالم في غضون بضع ساعات من إصابته بالسلاح البيولوجي؛ مع احتمالية نقل الإصابة إلى المئات، إن لم يكن الآلاف، على طول الطريق، وهذا هو النوع الذي يفضله القرصان البيولوجي، أكثر من مسببات المرض الخبيثة للغاية، وسريعة الظهور، بجانب امتلاكه عدة إستراتيجيات لتعظيم فترة حضانة السلاح البيولوجي لتفادي شبكة المراقبة الحيوية الطبية.

إستراتيجيات القرصان البيولوجي

توجد العديد من عوامل الحرب البيولوجية بشكل طبيعي حول العالم، أو تُستخلص بسهولة من النباتات، ويمكن تحويلها عبر القرصنة البيولوجية، ومع ظهور التقنيات الحديثة أصبح بإمكان القرصان البيولوجي توظيف إستراتيجية أو أكثر لزيادة الفعالية التكتيكية أو الإستراتيجية للعامل البيولوجي، وأبرز هذه الإستراتيجيات، خمسة؛ هي: “الذئب في ثياب الحملان”، و”حصان طروادة”، و”المحاكاة الساخرة”، و”اليسار المزيف” و”نوبة الغضب”، ويمكن استخدام أي من هذه الإستراتيجيات بشكل منفصل أو بالتزامن، ولا يتطلب إنجازها مختبرات كبيرة أو متطورة، علاوة على ذلك يجد القرصان البيولوجي مجموعة كبيرة من البيانات العلمية في المجلات الطبية رهن إشارته، ما يمنحه إطارًا لتنفيذ إستراتيجيته.

الدفاع ضد القرصان البيولوجي

تحسين طرق الكشف

التقدم في مجال التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية يُسَهِّل تعديل أكثر من عامل للسلاح البيولوجي، مع زيادة السُّمِّية، والقدرة على الانتقال، والفتك. كما أن العديد من شركات الهندسة الحيوية حول العالم تبيع علنًا الآن مجموعات “الكل – في – واحد” للباحثين بهدف إجراء تجارب الحمض النووي المؤتلف. أضِف إلى ذلك إتاحة مثل هذه المجموعات للجمهور، وانخفاض التكاليف، ما يجعل القرصان البيولوجي تهديدًا قابلاً للاستمرار، لكنها في المقابل تتيح مكافحة الإرهاب البيولوجي عبر أنظمة كشف أرخص وأكثر موثوقية.

إحدى وسائل إحباط عمل القرصان البيولوجي هو تطوير أجهزة الاستشعار البيولوجية والفيزيائية والكيميائية التي تكشف وتحدد بموثوقية العوامل البيولوجية. أحد الأمثلة على ذلك، المنافسة السنوية التي تنظمها مؤسسة الآلة الدولية المهندسة وراثيًّا (IGEM). وعبر مختبراتها الـ 242 حول العالم، تتضمن الأهداف المبتكرة لهذا التنافس، تعزيز السلامة والأمن البيولوجيين بالتركيز على العلاجات أو كشف/ تحديد هوية التوكسين.

الكشف عن استجابة المضيف

من الضروري الاستمرار في زيادة حساسية وخصوصية أساليب الكشف، لكن هذا بدوره قد يزيد من التعرض للقرصنة، فلمَّا كانت هذه الأساليب تستند بشكل كبير إلى القدرة على كشف حواتم محددة، فإن العديد من إستراتيجيات القرصنة البيولوجية المذكورة آنفًا يمكنها الاستفادة من ذلك. النهج البديل هو التركيز ليس على العامل ذاته، بل على استجابة المضيف، الذي يعمل في هذه الحالة كمكبر يُسهم في الكشف المبكر الذي يؤدي بدوره إلى منع تطور العدوى.

إعاقة التسليم

يعتبر نظام التسليم أحد الحلقات الرئيسية في سلسلة القرصنة البيولوجية. فالكائنات الدقيقة بحاجة إلى مضيف أو ظروف مخبرية مستقرة للبقاء على قيد الحياة، لكن بعضها يمكن وضعه بفعالية في بَوغ (خلية تكاثر لاجنسي، تنقل النبات من حالة الركود إلى حالة النشاط أو العكس) سلبي يبسط انتقال العدوى. وعملية التسليم البيولوجية ليست سهلة؛ ذلك أن العديد من العوامل البيولوجية، مثل الجمرة الخبيثة والرايسين، لا تنتقل من شخص لآخر، ما يتطلب تسليم ملايين الجراثيم على مساحة واسعة. لكن عبر إدارة المعطيات العلمية، قد يمكن إعاقة تطور نظام التسليم المستقرَّ، المستخدم في أغراض خبيثة.

كبح الإنتاج

إن الحدَّ من بيع المواد المستخدمة في تصنيع السلاح البيولوجي، أو على الأقل رصدها، يجعل من الصعب على القرصان إنشاء عامل بيولوجي مُعدَّل غير مكتشف.

الخلاصة

على عكس الأسلحة التقليدية أو أشكال أسلحة الدمار الشامل الأخرى، يصعب احتواء الأسلحة البيولوجية؛ حيث توفر الفترة الزمنية التي تحدث بشكل طبيعي بين الإطلاق والتحديد فرصة لمسببات المرض كي تنتشر بصمت، ويمكن لهذه الفترة الزمنية أن تزيد إذا أصبح القرصان البيولوجي أكثر مهارة في إخفاء العوامل أو تعديل مرات الحضانة، ما يتسبب في زيادة انتقال العدوى، ومفتاح الحل هنا هو تقليص كبير للفارق الزمني اللازم لتحديد التهديد البيولوجي بنجاح والاستجابة وفقًا لذلك.

لكن ثمة مفارقة؛ فالأساليب العلمية والتكنولوجيا الجديدة لا تؤدي فقط إلى اكتشافات جديدة في مجال الطب، لكنها أيضًا توفر معلومات تسهم في تمكين القرصان البيولوجي، كما أن تعديل عوامل الأسلحة البيولوجية لا يُصَعِّب فقط التعرف عليها، لكن أيضًا قد يجعل الطرق العلاجية المعروفة غير فعالة.

وقد سلطت رسائل الرايسين عام 2013 – إلى جانب العديد من الأدوات منخفضة التكلفة والإستراتيجيات المتاحة – الضوء على أن القرصان البيولوجي يشكل خطرًا حقيقيًّا ومعاصرًا، ومكافحة قدراته لن تكون سهلة ولا رخيصة، ورغم عقبات الإنتاج والانتشار التي لا يزال يتحتم على القرصان مواجهتها من أجل إحداث تدمير فعال وسط عدد كبير من السكان، فإن توافر المعلومات العلمية والتكنولوجية يجعل هذا الخطر وشيكًا، ما يتطلب بحثًا مستمرًّا لتطوير أدوات تحديد المخاطر مبكرًا، صحيح أن تكاليف الدفاع البيولوجي المالية باهظة، لكن خطر عدم كبح جماح القرصان البيولوجي أكبر بكثير.

* من مركز مكافحة الإرهاب (CTC).

– الرابط

عرض التعليقات
تحميل المزيد