على ضفاف نهر توراج في مدينة تونجي البنجالية القريبة من العاصمة دكا، يقام حدث ديني سنوي بتنظيم من جماعة التبليغ والدعوة، ويعرف بـ«بيشوا اجتماع». وإلى هذا الاجتماع الذي لا يعتبر فرضًا إسلاميًّا، بل مجرد تقليد أطلقته «التبليغ والدعوة»، يتوافد الحضور من أكثر من 90 دولة، بالملايين، لحضور برنامج مُزدحم بالخطب، والدروس، والذكر.

«هذا الاجتماع الذي يجري في بلدنا، يعد ثاني أكبر تجمع إسلامي بعد الحج. ولهذا فقد جئنا هنا للانضمام إلى الآلاف من أجل الصلاة، كي يغفر الله لنا خطايانا، كما نصلي من أجل السلام لبلدنا، وجميع البلدان الإسلامية»، هكذا أوضح منير الزمان سبب مشاركته في اجتماع بيشوا.

وحضر منير الزمان لسماع العديد من الشيوخ الذي سيتحدثون عن الدين والدعوة الإسلامية، وسيحظى الرجل ببرنامج يتضمن الصلاة، والتفكّر، والاستماع لدروس وخطب دينية، لدعاة من باكستان والهند من المدارس الدينية المشهورة، إذ يُترجم ما يقال في هذا البرنامج إلى أكثر من 12 لغة، بينها العربية، والصينية، والإنجليزية، والبنجالية، والتاميلية.

يقول مؤسس مدرسة المنارة، من مصر، عمرو زكي، إن هدف هذا الاجتماع السنوي، هو «تحميل مسؤولية الدين ودعوة الناس إلى الله، وربط الناس بالله، عن طريق الحكمة والرحمة واللين، وبنفس الطريقة التي قام بها الأنبياء».

وفي معرض رده على المنتقدين لعقد المؤتمر، قال زكي «القرآن كله دليل على الحركة والدعوة، والأمر بين مثل الشمس»، مُؤكدًا على أن المهم في هذا الاجتماع، هو «بيان كيف نغير الصورة الذي أخذها العالم عن المسلمين من كونهم متطرفين، وأصحاب مصالح، إلى أشخاص رحماء لينين يخافون على العالم كله، عن طريق أخلاقهم ومعاملاتهم، فالتركيز على الأخلاق والمعاملات الحسنة صلب، وسبب رئيس في نجاح الدعوة».

حضور أكبر من الحج

«بيشوا اجتماع» تعبير يجمع بين اللغتين العربية والسنسكريتية، وتعني كلمة بيشوا عالمي، ويُقسّم الاجتماع الذي يُعقد منذ عام 1966 إلى مرحلتين، كل مرحلة ثلاثة أيام، وتبدأ المرحلة الثانية وهي الأهم في 20 يناير (كانون الثاني)، وسط إجراءات أمنية مكثفة، يقام فيها الصلاة وطقوس دينية إسلامية على مدار ثلاثة أيام، وتشارك فيها جموع تُقدر بمئات الآلاف من الشرق الأوسط، والهند، وباكستان، والولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا.

 

ويعتبر البعض أنّ الاجتماع هو ثاني أكبر اجتماع للمسلمين بعد الحج، وهناك من يستشهد بالأرقام ليثبت أنه أكبر حشد عالمي للمسلمين، إذ تتحدث الأرقام عن أربعة ملايين شخص يحضرون الاجتماع، فيما تخطى عدد حجاج مكة المكرمة المليون و800 ألف، خلال عام 2016، وذلك حسب الهيئة العامة للإحصاء في السعودية.

حضور سياسي وفصل طبقي

بالرغم من نفي جماعة التبليغ والدعوة علاقتها بالسياسة، ونفي أي طابع سياسي لاجتماع بيشوا، إلا أن هذا الاجتماع يشهد مشاركة واضحة لشخصيات سياسية، ففي الاجتماع الحالي من المقرر أن تشارك رئيسة الوزراء البنجلادشية الشيخة حسينة واجد، وزعيمة المعارضة أيضًا خالدة  ضياء، إضافة إلى حضور العديد من السياسيين.

وتجدر الإشارة إلى مشاركة سابقة في هذا الاجتماع، لعسكريين باكستانيين، وصفوا بالديكتاتوريين، لم يُعرف عنهم التزامهم بالتعاليم الإسلامية، أمثال الجنرال أيوب خان، والجنرال يحيى خان، ويقال إنه في حالة تغيّب إحدى الشخصيات المهمة، كالرئيس أو رئيس الحكومة، أو أحد الوزراء، أو زعماء المعارضة، «تكفهرّ الوجوه، ويصبح الغائب حديث العامة والإعلام، ومحل انتقاد»، كما تقول الكاتبة اللبنانية شهيرة سلّوم، مضيفة «هذا الحدث يروّج للفصل الطبقي بين أفراد المجتمع؛ إذ إن لجان جماعة التبليغ التي تنظم الحدث، تقوم بتشييد خيم منفصلة للوفود الأجنبية والموظفين الحكوميين والسياسيين. أما الناس العاديون فلا يمكنهم بلوغ هذه الخيم».

وتقول سلوم إن الهدف وراء هذا الاجتماع، كان «تنشيط الفكر الإسلامي داخل المجتمع البنجلادشي، حيث تمثّل نسبة المسلمين 88% من عدد السكان، أي ما يوازي أكثر من 114 مليونًا»، مُشيرة في مقال لها بصحيفة الأخبار اللبنانية، تحت عنوان «بيشوا اجتماع.. ينافس الحج»، إلى عدم اهتمام الصحافة في البداية بالاجتماع، الذي كانت أعداده قليلة في مسجد كاكرابل، في الستينات، قبل أن تكثر الحشود بمرور الوقت، ليتنقل مقر الاجتماع في التسعينات إلى منطقة تونجي التي تبعد 10 أميال، شمال العاصمة البنجلادشية دكا. وبدأ الاجتماع يأخذ صبغة رسمية، بظهور قيادات الحكومة العسكرية به، في سبعينات القرن الماضي.

التبليغ والدعوة.. النشأة والمآخذ

تأسست جماعة التبليغ والدعوة الإسلامية، في أوائل العشرينيات في الهند، ويُعد المؤسس الأول للجماعة هو محمد إلياس الكاندهلوي، الذي ولد في كاندهلة، إحدى قرى سهارنفور الهندية، وتعلّم في أكبر مدرسة للمذهب الحنفي في شبه القارة الهندية، وهي مدرسة ديوبند، قبل أن يُؤسس التبليغ والدعوة عام 1926.

 

تمددت بعد ذلك الجماعة، لتنتشر في أكثر من 150 دولة، بدءًا بالهند، ثم باكستان، وبنجلاديش، ثم في الدول العربية، كما يسجل لها حضور في الدول الأوروبية. وتوصف بأنها أقرب إلى كونها جماعة وعظ وإرشاد، مع حرصها على البعد عن السياسة.

ويؤمن  نشطاء الجماعة أنهم إذا «أصلحوا الفرد، سيزول المنكر من المجتمع بشكل تلقائي»، إذ تعمل الجماعة على تبليغ فضائل الدين الإسلامي، معتمدة على الترغيب والترهيب لاستقطاب المنتمين لها. وتمتنع الجماعة، كما أسلفنا، عن  الخوض في السياسة، وأيضًا في الخلافات المذهبية، اتقاءً للجدال والانقسام والعداوة كما يقول أنصارها.

وتتعرض الجماعة لعدة انتقادات، بخاصة من التيارات السلفية، منها إهمال أمور الدنيا، وضعف مستويات دعاتها العلمية، والتركيز على «الرقائق» دون تدريس الأحكام الفقهية والعقدية.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد