طوال الأيام القليلة الماضية، كان حجم الجدل المثار في إيران حول ماهية السبب في انقطاع التيار الكهربائي المتواصل عن عشرات المدن الإيرانية، لا يتوقف، فيما عادت عملة «البيتكوين» لتتصدر عناوين الصحف الإيرانية مرة أخرى وبقوة، فما الذي حدث؟ وما علاقة البيتكوين، بانقطاع التيار الكهربائي في إيران؟

المزرعة الصينية

خرج عشرات الإيرانيين الغاضبين للشوارع للاحتجاج على انقطاع التيار الكهربائي، مطالبين المسؤولين بتفسير أسباب هذا الانقطاع، وكانت الإجابة «المزرعة الصينية لتعدين البيتكوين» في مدينة رفسنجان.

أشارت الصحف الإيرانية إلى أن السبب هو تعدين عملة البيتكوين، أكثر العملات المشفرة شيوعًا في إيران، وأعلن محافظ مدينة رفسنجان، أن المزرعة الصينية لتعدين البيتكوين أُغلقت مؤقتًا، للسيطرة على مسألة انقطاع التيار الكهربائي.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، يشرح لنا مجيد فصيحي، محافظ مدينة رفسنجان الأمر باختصار فيقول: «منذ أن جرى السماح القانوني لتعدين عملة البيتكوين واستخراجها في إيران، شيد الصينيون أكبر مزرعة لتعدين البيتكوين في إيران، في مدينة رفسنجان، المزرعة تضم 54 ألف عامل لاستخراج العملات المشفرة، وتستهلك الكهرباء بشكل كبير، لذلك جرى إغلاقها مؤقتًا، لحل هذه الأزمة».

المزرعة الصينية الأكبر لتعدين عملة البيتكوين في إيران، والتي أشار إليها السيد فصيحي، تعمل تحت إدارة مجموعة تسمى بـ«تطوير الاستثمار الإيرانية الصينية».

وفي السياق نفسه، رفض القائمون على تلك المجموعة الاتهامات الموجهة للمزرعة، بأنها السبب وراء انقطاع التيار الكهربائي؛ إذ يقول مصدر مسؤول في المجموعة تحدث لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم ذكر اسمه: «نعم مزرعتنا هي الأكبر في إيران، وأكبر مزرعة تستهلك كهرباء، لكن موقفنا قانوني، ونمتلك كافة التراخيص القانونية الخاصة بعمل المزرعة، واستهلاكها للكهرباء، أعتقد أن سبب انقطاع التيار الكهربائي لا ذنب لنا فيه».

عملة البيتكوين هي واحدة من العملات المشفرة الرقمية، ولا وجود نقدي لها، ولا تخضع لسيطرة أي حكومة أو نظام مالي عالمي، ويتطلب الحصول عليها، أو تعدينها أجهزة حاسوب معينة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، ويطلق عليها البعض اسم «قاتلات الطاقة».

تحل هذه الأجهزة معادلات رياضية لاستخراج عملية التكوين، هذه العملية تسمى تعدين البيتكوين، ويستخدم في هذا الأمر أشخاص للعمل على حل هذه المسائل الرياضية، يطلق عليهم اسم «المعدنون»، أو عمال المناجم/ المزارع.

البداية من مسجد

بدأ الحديث عن عملة البيتكوين في إيران بالتحديد في عام 2016، عندما وصلت قيمة هذه العملة المشفرة إلى ذروتها، ثم في عام 2017 تصدرت صورة لمزرعة تعدين البيتكوين موجودة في مسجد في مدينة إيرانية عناوين الصحف المحلية، وبدأ الحديث عن البيتكوين يزدهر مرة أخرى.

استغل بعض الأشخاص أن المساجد تحصل على كهرباء مجانية من الحكومة، وأنشأوا مزرعة صغيرة لتعدين البيتكوين، ثم أصدر المسؤولون الإيرانيون تجريمًا لمثل هذه الممارسات.

لكن المسئولين أنفسهم في الحكومة الإيرانية، بدأوا في التفكير في استخدام هذه العملة المشفرة للتحايل على العقوبات المفروضة على النظام المصرفي الإيراني. يقول أستاذ الاقتصاد الإيراني حميد رضا بور سليمي، لـ«ساسة بوست»: «العديد من البلاد مثل فنزويلا وكوريا الشمالية، يستخدمون العملات المشفرة للتحايل على العقوبات، وكان لا بد على إيران اللجوء لمثل هذه الحيلة، لتخطي العقوبات، والخروج من قيود النظام المصرفي العالمي».

من التحايل على العقوبات إلى الانتشار الكبير

منذ عام 2017، بدأت المراكز البحثية في إيران الإشارة إلى أهمية استخدام عملة البيتكوين في التحايل على العقوبات، وبدأ تعدين البيتكوين في إيران ينتشر تدريجيًّا إلى أن وصل الأمر إلى أن أصبحت إيران «جنة البيتكوين» في العالم.

يقول فريد صادقي، أحد النشطاء في مجال تعدين عملة البيتكوين في إيران، لـ«ساسة بوست»: «منذ عام 2017 إلى عام 2019، كان العمل على استخراج البيتكوين في إيران غير قانوني، وكان يجري تهريب أجهزة تعدين البيتكوين إلى إيران بمختلف الطرق، وأصبحت إيران قبلة الراغبين في تعدين البيتكوين بسبب أسعار الكهرباء الرخيصة في البلاد».

ولإضفاء بعض السيطرة الحكومية على هذا الانتشار الكبير، قررت الحكومة إصدار تصاريح للراغبين في إنشاء مزارع لتعدين عملة البيتكوين في إيران بدءًا من عام 2019.

يقول صادقي: «الآن أصبح لدينا المئات من المزارع الحاصلة على تصريح قانوني، يوجد في إيران على الأقل 200 ألف عامل لتعدين البيتكوين، من بلاد مختلفة مثل الهند، وأستراليا، والصين على رأس القائمة بالطبع». وبحسب السيد صادقي، فإن حوالي نصف رقم العمال في مزارع البيتكوين، يعملون في مناجم تابعة لهيئات حكومية وشبه حكومية.

دولة كاملة تعتمد على البيتكوين

بدأ الانتشار الواسع النطاق لاستخدام عملة البيتكوين المشفرة يصل إلى العديد من المؤسسات الحكومية، وشبه الحكومية، والخاصة، خاصة في عام 2019، مع زيادة وطأة العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، على الجمهورية الإسلامية، بعد انسحاب واشنطن أحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

نشرت العديد من معاهد البحوث الإستراتيجية التابعة لمؤسسات حكومية في إيران، تقارير تتحدث عن لجوء المؤسسات الاقتصادية والسياسية والأمنية إلى استخدام البيتكوين للتحايل على العقوبات. هذه التقارير، أشارت إلى استخدام كلٍّ من البنك المركزي الإيراني، ووزراة الصناعة، والبورصة الإيرانية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وكالات استخباراتية وأمنية لم تسمها بالتحديد.

يقول فريد صادقي، الناشط في مجال تعدين البيتكوين في إيران: «أغلب المؤسسات الحكومية وغير الحكومية تستخدم البيتكوين الآن، حتى وصل الأمر إلى استخدام الحوزات الدينية في مدينة قم للبيتكوين».

هل تستغل الصين إيران؟

بالعودة إلى الحادثة الأخيرة بشأن انقطاع التيار الكهربائي في عشرات المدن الإيرانية، واتهام بعض المسؤولين الإيرانيين لنشاط تعدين عملة البيتكوين بالتسبب في هذا الانقطاع، يرى البعض أن المسألة قد خرجت عن السيطرة، كما يرون أن الصين، تستغل موارد الطاقة الإيرانية لاستخراج هذه العملات المشفرة، على حساب حياة الإيرانيين.

الجدير بالذكر، أن إتاحة تعدين البيتكوين في إيران، بعد الحصول على التصاريح القانونية، قد قضى تمامًا على المزارع غير القانونية، فبعد الانقطاع الأخير للتيار الكهربائي، تناولت تقارير محلية أخبارًا تفيد بوجود الآلاف من المزارع والعمال غير المصرح لهم بالعمل في إيران، وبالتالي يحصلون على الكهرباء بشكل غير قانوني، مما تتسبب في حدوث ضرر لسكان المناطق الموجودة بها هذه المزارع.

يقول مسئول في وزارة الكهرباء الإيرانية، في حديثه لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «بعد انقطاع التيار الكهربائي، تحركنا للتحري عن الأسباب، فوجدنا أن هناك حوالي 2500 مزرعة لتعدين البيتكوين غير حاصلة على تصاريح قانونية، وتستخدم الكهرباء المدعومة من الحكومة، في المدارس أو المساجد، أو المنشآت الصناعية».

ويرى المقتنعون بفكرة أن الصين هي المتسببة الأولى والرئيسية في انتشار هذا الكم الهائل من مزارع تعدين البيتكوين في إيران، مستغلة موارد الأخيرة، مما تسبب في حرمان الإيرانيين من التيار الكهربائي لأيام. خاصة وأن أكبر المزارع الموجودة في إيران، صينية.

اقتصاد الناس

منذ سنتين
مترجم: كيف تستطيع إيران التغلب على العقوبات الأمريكية؟ البيتكوين هو كلمة السر

في حين ينفي السيد صادقي، هذه الاتهامات، فيقول: «هذه إشاعات من تيار كارهي الاستثمار الصيني في إيران، أكبر مزرعة صينية في إيران تأتي بمشاركة إيرانية، حاصلة على كافة التصاريح الحكومية، ووزارة الكهرباء تعلم باستهلاك المزرعة من الطاقة ووافقت عليه».

كما يرى صادقي، أن بعض المسئولين في وزارة الكهرباء يحاولون تجنب الاتهام بالفشل، من خلال هذه الادعاءات، «حتى وإن كان هناك مزارع غير مرخصة، فتلك مسئولية الحكومة والجهات المختصة، ولا يمكن أن يتحمل العاملون في مجال تعدين البيتكوين، المسئولية عن فشل الحكومة». وكانت الحكومة الإيرانية قد سمحت لأكبر مزرعة صينية بتعدين البيتكوين في مدينة رفسنجان، والتي تحاط بها الاتهامات الآن، بالعمل في عام 2019 والحصول على 60 ميجاواط من الكهرباء في الساعة.

وقال المتحدث باسم وزارة الكهرباء الإيرانية، السيد مصطفى رجبي مشهدي، أن أكثر من 300 ميجاواط من الكهرباء، تستخدمها المزارع الخاصة لتعدين البيتكوين في إيران بطريقة غير قانونية، خاصة بعد الزيادة الكبيرة في سعر عملة البيتكوين، التي قفزت من 8 آلاف دولار، إلى 30 ألف دولار في الآونة الأخيرة.

ويقول المصدر المسئول بوزارة الكهرباء الإيرانية، لـ«ساسة بوست»: «تستهلك مزارع البيتكوين في إيران، المصرح بها وغير المصرح، 12 ألف ميجاواط في الساعة يوميًّا لتعدين البيتكوين.

هل سيؤثر غضب الشعب من الكهرباء في البيتكوين؟

في الأيام التي سبقت انقطاع التيار الكهربائي المتواصل في المدن الإيرانية، كان البرلمان الإيراني، يتخذ خطوات جادة لدعم أكبر لتعدين عملة البيتكوين في إيران، فقدم المشرعون مشروع قانون يلزم الحكومة الإيرانية بأمر وزراة الكهرباء، بإمداد مزارع تعدين البيتكوين المصرح بها في إيران بكهرباء بتكلفة قليلة، من خلال توفير غاز منخفض التكلفة لمحطات توليد الطاقة، بهدف زيادة نشاط مزارع تعدين عملة البيتكوين.

يقول أستاذ الاقتصاد، المقيم بطهران، السيد حميد رضا بور سليمي، لـ«ساسة بوست»: «الدعم البرلماني المقدم لزيادة نشاط تعدين العملات المشفرة في إيران، يدل على نشاط مربح للحكومة الإيرانية من وراء تعدين البيتكوين، ومساعدة هذه العملات الرقمية المشفرة، للبلاد في تخطي النظام المصرفي العالمي، ولا أعتقد أن الحادثة الأخيرة لانقطاع التيار الكهربائي، سوف تؤثر في هذا النشاط».
في الوقت الحالي، وبسبب الأزمة الأخيرة، أعلنت جميع مزارع تعدين البيتكوين في إيران، توقف نشاطها لمدة أسبوعين أو ثلاثة، لعبور هذه الأزمة، دون تأثر عملهم النشط في إيران.
ويقول السيد صادقي، الناشط في مجال تعدين العملات المشفرة في إيران: «أرى أن التوقف المؤقت في هذا الوقت، أمر جيد، ولا يعني أننا سبب في الأزمة الأخيرة، إلا أننا نحاول أن نساعد الحكومة في رفع الضغط عن استهلاك الكهرباء من أجل المواطنين».

عرض التعليقات
تحميل المزيد