ظاهرة بدأت تخيم بشدة على المشهد السياسي العالمي، ولم يلاحظها الكثيرون، هي ظاهرة الرؤساء الذين يحكمون دولًا كبيرة، ولهم شعبية كبيرة في كافة أنحائها، وبالأخص في المناطق الريفية منها ومدنها الصغيرة، لكنهم يفتقدون لتلك الشعبية الجارفة في عواصم بلادهم، وبالأخص بين الأوساط الشبابية المثقفة فيها. ينطبق هذا الأمر على «فيلاديمير بويتن»، الذي يشهد شعبية كبيرة في كل روسيا، باستثناء موسكو وسان بطرسبورج، وكذلك الرئيس المجري «أوربان» المتمتع بشعبية ضخمة في شتى أنحاء بلاده، باستثناء العاصمة بوادبيست، وكذلك الرئيس «عبد الفتاح السيسي» الذي يتمتع بشعبية كبيرة في ربوع مصر، باستثثناء الأوساط الشبابية في مدنها الكبرى.

كان المفكر الأمريكي «فرانسيس فوكويوما»، أول من لاحظ هذه الظاهرة، بعد فوز «دونالد ترامب» الذي ينطبق عليه نفس الأمر، في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وحين ضرب فوكويوما المثل على هذه الظاهرة، كان الرئيس «رجب طيب أردوغان» في صدارة الأمثلة؛ حيث يتمتع أردوغان في الأساس بشعبية كبيرة بين الطبقات الوسطى والدنيا التركية المحافظة، ربما لا يتمتع بمثلها بين الأوساط المثقفة والشبابية في مدن تركيا الكبرى.

يعيدنا هذا الأمر إلى تسعينات القرن الماضي؛ لنضع أيدينا على مجموعة نقاط خطيرة وكاشفة، ربما تجعلنا نرى ما تقوله منظمات حقوقية ووسائل إعلامية عالمية عن عودة ظاهرة تعذيب المعارضين في تركيا، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) الماضي، من زاوية جديدة تمامًا.

أردوغان.. قصة الرئيس الأسود!

هل يوجد في تركيا تقسيم بين البيض والسود من المواطنين؟ وهل يوجد في تركيا مواطنين من ذوي البشرة السوداء؟ وهل أردوغان أسود البشرة؟ وما علاقة ذلك بالتعذيب؟

في البداية سنجيب على السؤالين الأولين، ونحكي قصة الرئيس الأسود، وبعد ذلك سنحاول مقاربة بقية الأسئلة في التقرير.

يعود وصف «التركي الأبيض» و«التركي الأسود»، إلى عالمة الاجتماع التركية الليبرالية «نيلوفر جولي»، التي صكت هذين المفهومين في تسعينات القرن الماضي.

رأت عالمة الاجتماع الليبرالية جولي، أن تركيا مقسمة بعنف، وعلى طريقة الفصل العنصري والاضطهاد الاقتصادي الاجتماعي، كما كان في جنوب إفريقيا، إلى قسمين: القسم الأول هم «الأتراك البيض» (النخبة الحاكمة)، الذين احتفظوا بالسلطة طوال القرن الماضي تقريبًا، واعتبروا أنفسهم النخبة التنويرية الراقية العلمانية، الأكثر تشبهًا بالأوروبيين، والقادرة على طبع المجتمع التركي بالنمط الغربي الحديث.

هؤلاء الأتراك البيض كانوا يتفاخرون بإتقان اللغات الأوروبية، ويتحدثون بها، أو يطعمون حديثهم بها دائمًا؛ ليظهروا أكثر رقيًا، وحياتهم خالية من الطقوس الدينية، ويشربون الخمر، ويجيدون الرقصات الغربية، وعلاقاتهم الجنسية أكثر تحررًا، ويحاولون دائمًا تناسي العلاقة بين تركيا وبين تراثها الإسلامي.

على الجانب الآخر، كان يوجد الأتراك السود، بتعبير جولي، وهو تعبير مجازي بالطبع، فهؤلاء المفقرون، هم في غالبهم محافظون على تدين وإيمان عميقين طبعا مظاهر حياتهم، وقد احتفظوا بهما كما ورثوهما من أجدادهم. هؤلاء السود لا يجيدون الرقص، ولا التحدث باللغات الأجنبية، ولا يحتفلون بحفلات رأس السنة على الطريقة الأوروبية، ولا يرتدون التنانير القصيرة، ولا «السموكينج» في الحفلات الراقية بالمساء.

الغريب أن هذه النخبة البيضاء، المتركزة في العاصمة والمدن الكبرى، والتي حملت لتركيا مشروع تحديث إجباري، كانت تعشق أوروبا في كل مظاهرها، وحاولت أن تجعل من تركيا قطعة أوروبية أصيلة في كل شيء، إلا في شيء واحد هو الديمقراطية، حيث حكمت تلك النخبة بالاستبداد المطلق وبالعنف وتعذيب المعارضين، الذين كانوا غالبًا منتمين للأتراك السود، إذا جاز استخدام تعبير جولي.

ولعلك الآن عزيزي القارئ تسأل: ما علاقة كل هذا بالرئيس أردوغان، وكيف يكون أردوغان تركي أسود؟

الإسلام الديمقراطي الأسود

في منتصف خمسينات القرن العشرين، كانت قطاعات واسعة من الشباب الريفيين، والقاطنين بالأناضول، قد هاجرت إلى العاصمة والمدن الكبرى، حيث الحصون العتيقة للنخبة الثرية العلمانية؛ هاجروا ومعهم أحلامهم الريفية الصغيرة، وأغلبهم يحملون في قلوبهم تدينًا صوفيًا عميقًا، وقيمًا تنتمي لتراث إسلامي عريق، يستقون منه رؤيتهم للحياة، والكثير منهم لم تبهره أضواء المدينة فيما يتعلق بالتحرر والتنانير القصيرة والخمر، وبدأ يظهر بوضوح أن الأغلبية الديمغرافية في تركيا تنحاز لصالح الأتراك السود المفقرين، والمحرومين من حق التعبير السياسي عن ذواتهم.

ربما كان رد الفعل الأكثر كشفًا، من النخبة العلمانية التنويرية، إزاء هجرات الأتراك السود، هو ما قاله «كريم جوكاي»، محافظ إسطنبول في الخمسينات من القرن الماضي، فقد عبر جوكاي حينها، عن انزعاجه من اجتياح الطبقات الشعبية للشواطئ، وهو ما يؤرق المواطنين في نظر كريم، ويجعلهم غير قادرين على الاستمتاع بالسباحة.

مع الوقت والتطورات، بدأت مجموعات من هؤلاء المهاجرين الحالمين، القاطنين في المساحات العشوائية من المدن الكبرى، تتطور اقتصاديًا، وأضحى بعضهم رجال أعمال أثرياء، برز لديهم تصور عن الإسلام بوصفه دينًا يحض على العمل والإنتاج والكفاح، بذا، مثّل هؤلاء مع الوقت طبقة برجوازية إسلامية، ذات قيم جديدة، يتبنون نمطًا من الإسلام مُشكلًا من ترابط بين قيم تراثية فيه، وقيم حديثة تنتمي للعالم الليبرالي الرأسمالي.

مثلت تلك الجماعات فيما بعد الظهير الاقتصادي القوي، للأتراك السود المتدينين؛ ليتصدروا السلطة فيما بعد.

وعلى عكس النخبة التنويرية المستبدة، كان الأتراك السود، بالرغم من حفاظهم على ميراث السلف الإسلامي، أكثر تمسكًا وتفهمًا للديمقراطية الغربية، وأكثر سعيًا إليها، فقد تبنى هؤلاء نسخة من الإسلام متصالحة مع الديمقراطية، ومع ما رأوه المزايا الجوهرية في الحضارة الغربية، بعيدًا عن التفاخر باستعمال اللغات الأوروبية وشرب الخمر، وإقامة علاقات جنسية متحررة.

والجدير بالذكر أن نيلوفر جولي، عالمة الاجتماع الليبرالية، التي صكت مفهوم الأتراك السود، كانت ترى أنها في جوهر أفكارها تجد تقاربًا مع الأتراك السود المؤمنين بالديمقراطية، وكانت تشعر أنها منهم، على الرغم من كونها ليبرالية متحررة، وهم متدينون، ولا تشعر أن ثمة علاقة تربطها بالنخب التنويرية المستبدة ذات التنانير القصيرة، وكؤوس النبيذ الفرنسي.

نعود إذن للرئيس رجب طيب أردوغان؛ كان أردوغان ابنًا لأحد المهاجرين الأناضوليين إلى إسطنبول، وكان واحدًا من أبناء تلك الطبقة الوسطى الجديدة للأتراك السود، التي تشكلت في العواصم والمدن الجديدة، تحديدًا في مناطقها العشوائية، محافظًا على تمسك بالتراث الإسلامي، ومؤمنًا بالديمقراطية والتحديث على الجانب الآخر.

ربما المدهش أن أردوغان كان مؤمنًا وفخورًا بكونه تركيًا أسود، بحسب تقسيمة جولي، وفي إحدى خطاباته للجمهور، حين كان رئيسًا لبلدية إسطنبول، عام 1998، قال بوضوح «في تركيا يوجد فصل بين الأتراك البيض والأتراك السود، وأخوكم (رجب) واحد من هؤلاء الأتراك السود»، وفي حوار له مع «نيويورك تايمز» عام 2003، أكد طيب مرة أخرى على انتمائه للأتراك السود.

في ظل حكم السود.. تركيا وطن بلا تعذيب

قبل وصول الإسلاميين الليبراليين إلى سدة الحكم في تركيا، كانت تركيا في عهد النخب العلمانية المستبدة، في صدارة الدول التي تُقدَم ضدها الشكاوى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فيما يخص دعاوى التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، وقمع المعارضين.

يكفي القول إنه، وحتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، لم يذهب لتركيا أي محقق معني بالتعذيب منذ عام 1998.

حين وصل الأتراك السود للسلطة، كانوا يدركون تمامًا قسوة التعذيب، وكيف لا؟ وهم أبناء الطبقات المهمشة، والطبقات الوسطى الجديدة التي وجدت في الديمقراطية الممزوجة بالقيم الإسلامية أيديولوجية صعودها. في الواقع ربما يختلف الكثيرون على نتائج التجربة التركية التحديثية المعاصرة، لكن تقريبًا هناك شبه اتفاق مطلق من المراقبين، حول الدور المحوري الذي لعبه الأتراك السود منذ صعدوا إلى سدة الحكم، في إنهاء ظاهرة التعذيب، وتمرير وتفعيل القوانين الكفيلة بإنهائها.

قبل تمكن تلك الطبقات الوسطى الإسلامية من السلطة في تركيا، كان التعذيب ممنهجًا في تركيا، ومظهرًا أساسيًا من مظاهر القبضة الحديدية للنخبة العلمانية الحاكمة، ومنذ عام 2002، وهو عام وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، بدأت ظاهرة التعذيب في تركيا تتلاشى إلى حد الاختفاء، بحسب التقارير الدولية.

بذلت السلطة الجديدة جهودًا ضخمة لتخليص الجهاز الأمني من عقليته القديمة، حيث تم وضع خطة علمية لزرع ثقافة حقوق الإنسان بجهاز الأمن، وفرضت السلطة إجراءات صارمة فيما يخص تسجيل احتجاز المتهمين وتدوين أقوالهم، وإلزام إيجاد مساعدة قانونية للمحتجز منذ اللحظات الأولى من احتجازه، وصارت الفحوصات الطبية على المحتجزين إجبارية ومنتظمة، وغيرت تركيا منذ عام 2002، العديد من اللوائح والقوانين للقضاء تمامًا على ظاهرة التعذيب.

اتبع الأتراك السود منذ وصولهم للحكم، سياسات صارمة خاصة بعدم التسامح مع التعذيب، وصارت تركيا وطنًا خاليًا من التعذيب تقريبًا على أيديهم، وتراجعت بشدة حوادث التعذيب في مراكز الشرطة منذ عام 2002، وبدأت التقارير الدولية تتحدث عن النجاح المذهل لتركيا في مجال مكافحة التعذيب، وقد اكتسبت تركيا سمعة طيبة للغاية بسبب هذا النجاح. بدا أن الأتراك السود يعرفون تمامًا آلام شعبهم الذي ينتمون إليه، وعازمون على التصدي لكل تلك الآلام، وبدا أنهم، وعلى الرغم من إسلاميتهم أكثر تمسكًا بالديمقراطية، وبالقيم الليبرالية الجوهرية، من النخب العلمانية التي حكمت البلاد خلال القرن الماضي.

أسطورة أن التعذيب عاد مع محاولة الانقلاب فقط

في عام 2012، بدأت أخبار التعذيب التي كانت قد انقطعت عن تركيا لعقد كامل تقريبًا، تعود مجددًا، حيث ظهرت تقارير تشير إلى تعذيب أطفال أكراد – محتجزين وفق قانون مناهضة الإرهاب الذي يعاقب الراشدين كالمراهقين في تركيا – واغتصابهم والتحرش بهم، وتعليقهم في «الفلقة»، في سجن بجنوب تركيا، وبعد تصاعد الحديث من منظمات دولية حقوقية عن الأمر، قررت السلطات التركية نقل الأطفال إلى سجن طُلي حديثًا مزينًا برسوم كارتونية، وألوان مبهجة لمساعدة الأطفال على التخلص من ذكريات التعذيب.

بالطبع كانت فكرة السجن الجديد المبهج مثار سخرية بالنسبة للبعض، لكن الأمر مر بسلام على السلطة التركية، خصوصًا أن حالات التعذيب ظلت فردية، ولم يظهر ما يدل على أنها عادت لتصبح عملية ممنهجة.

جدير بالذكر وفيما يخص حادثة تعذيب الأطفال الأكراد، أنه بعد محاولة الانقلاب في يوليو (تموز) الماضي، كانت صحيفة «لوريون دو جور» اللبنانية الناطقة بالفرنسية، قد بينت في تقرير لها، أن الأكراد بالرغم من غضبهم الشديد من أردوغان، لكنهم حبذوا الديمقراطية بكل عيوبها، على الحكم العسكري، الذي كان يذيقهم الويلات، من وجهة نظرهم، كما جاء إلى الحكم.

التعذيب المروع يعود.. ما الذي يقودنا إلى عكس الطريق؟

«ما الذي يجعل خطانا تقودنا إلى عكس الطريق.. ونحن نعرف أنه عكس الطريق؟» * بهاء طاهر، رواية نقطة النور.

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في يوليو (تموز) 2016 التي تصدت لها الجموع الشعبية، سواء من المؤيدين للنظام، أو المؤيدين للمعارضة، كتب «إدوارد لوكاس» في مقال له بصحيفة «تايمز» بعد إفشال المحاولة بأيام يقول فيه «فشل الانقلاب في تركيا، لم يحم الديمقراطية، بل قبرها، فأردوغان يبدو مصممًا على تدمير دولة القانون، بالإضافة إلى تدمير القضاء المستقل والصحافة الحرة».

على جانب آخر، وعلى أرض الأحداث في تركيا، كتبت بعض الصحافيات المعروفات بتحررهن الفكري وليبراليتهن، وقد كن في مقدمة التجمعات ضد محاولة الانقلاب، كتبن أن «أردوغان لم يعد رئيسًا ينتمي للإسلاميين ولحزب العدالة والتنمية، بل ينتمي للأمة التركية وتاريخها وحضارتها».

في حين كتبت صحيفة «جارديان»، في افتتاحية لها بعد الأحداث، أن تركيا قد تتجه إلى شكل من أشكال الديكتاتورية المنتخبة.

وبعد الأحداث بأيام، أقرت تركيا العمل بقانون الطوارئ؛ لبدء عملية التطهير ضد أعداء الديمقراطية، كما أسمتها.

«كمال أولوتش»، الذي جرى اعتقاله في أغسطس (آب) الماضي، بسجن إيزنلر في إسطنبول، بتهمة الانضمام لحزب «العمل» الكردستاني المحظور في تركيا، كان واحدًا ممن شهدوا عواقب عودة الطوارئ على ما يبدو.

بحسب شهادة كمال، فقد منعه المحققون من دخول الحمام أثناء التحقيق معه؛ مما اضطره للتبرز على نفسه، كما ربط معذبوه أوزانًا ثقيلة على خصيتيه، ووضعوا فوهة البندقية في فمه ليجبروه على الاعتراف بالانضمام للحزب المحظور، وأخبروه بأنه إذا لم يعترف، فسيغتصبوا زوجته أمام عينيه، كما حاول معذبوه إدخال عصا في مؤخرته بحسب شهادته.

نُقل كمال إلى المستشفى، وهناك طلبت الشرطة من الطبيب عدم تسجيل أي شيء، بحسب شهادة كمال الذي يقول، إنه قادر على نسيان كل أشكال التعذيب التي تلقاها، لكن الإذلال الجنسي كان الأشد فتكًا بروحه، ولا يستطيع نسيانه.

وقد تمكنت الـ«بي بي سي»، من الحصول على تقرير طبي خاص بشخصين يقولان إنهما من ضحايا التعذيب في تركيا بعد محاولة الانقلاب، وقد جرى اعتقالهما في مدينة أورفا بجنوب تركيا، بتهمة الانضمام لجماعة ماركسية خطيرة، ويقول التقرير الطبي: إن المواطنين تعرضا؛ نتيجة الضغط على قضيبيهما بعنف، لجروح في الجزء الخلفي من القضيب، وألم كبير في كيس الصفن.

التعذيب في تركيا

صورة لشهاد ساتشيجلو، أحد القائلين بتعرضهم للتعذيب، مصدر الصورة: (بي بي سي).


«شهاد ساتشيجلو»، هو نجل أحد النواب في البرلمان عن حزب «الشعوب الديمقراطي» المقرب من الأكراد، وقد اعتقل من إحدى المظاهرات المعارضة، وبعد اعتقاله جرى نقله إلى المستشفى؛ نتيجة إصابات خطيرة تعرض لها في السجن.

حين زار طاقم عمل الـ«بي بي سي»، شهاد في المستشفى، كان يبكي، ويشير التقرير الطبي الخاص به، إلى تعرضه لكسر في فقرات الظهر، وإصابة في الجمجمة وجروح خطيرة؛ نتيجة تعرضه للضرب.

أهم ما جاء في شهادة «شهاد» هو قوله «إذا كان الأمر يتعلق بعدد قليل من أفراد الشرطة، ربما تعتقد أن ذلك أمر استثنائي، لكن كان هناك أفراد شرطة على دراجات بخارية، وعناصر شرطة ترتدي ملابس مدنية، وأخرى من مكافحة الإرهاب، لقد كانوا جميعًا هناك، وكانوا مطمئنين جدًا وهم يعذبوننا».

شهادات محاميي المتهمين كذلك تشير إلى أنه «في ظل وجود قيود مشددة على العلاقة بين المتهمين والمحامين، تجلس عناصر من الشرطة والحرس في كل اجتماع بين المحامين والمتهمين، بل يقحمون أنفسهم في الحوار، ويقرأون كل خطاب؛ ما جعل الموكلين يخشون الحديث عن أي شيء مروا به»، بحسب شهادة إحدى محاميات الضحايا.

تقول حركات المعارضة التركية إنها تملك أدلة موثقة عن تفشي ظاهرة التعذيب في الفترة الأخيرة بالبلاد، ليس ضد الضالعين في محاولة الانقلاب الماضية فحسب، وإنما ضد المعارضين والماركسيين والأكراد بشكل عام، وهو ما أشارت إليه منظمة «هيومان رايتس ووتش» في تقرير صدر لها مؤخرًا عن التعذيب في تركيا، قالت فيه: إن الانتهاكات ساعد على حدوثها فرض حالة الطوارئ، التي تعطي الشرطة حق احتجاز المتهم إلى 30 يومًا، بدلًا من أربعة فقط، وتكفل لها منع استعانة المتهم بمحامي في أول خمسة أيام من احتجازه.

وتقول منظمة العفو الدولية، إنها حصلت على تقارير ذات مصداقية مرتفعة، عن وقوع حالات تعذيب مروعة بالفعل في تركيا في الفترة الأخيرة، في حين ترى وزارة العدل التركية أن الحديث عن تفشي ظاهرة التعذيب بالبلاد، هو محض افتراء.

على جانب آخر، يقوم «نيلز ميلستر»، مقرر الأمم المتحدة المعني بالتعذيب، بزيارة إلى إسطنبول حاليًا؛ للتحقيق في ما يثار حول تفشي التعذيب في تركيا، بعد تأجيل الحكومة التركية للزيارة، وهذه الزيارة ستكون في منتهى الأهمية، بالنسبة للمؤسسات الدولية ووسائل الإعلام والعديد من الباحثين؛ للوقوف عما إذا كانت ظاهرة التعذيب قد تفشت في تركيا بالفعل أم لا.

هل يتحول الأتراك السود إلى أتراك بيض؟

في تقرير لها عن تصاعد ظاهرة التعذيب في تركيا، قالت منظمة «هيومان رايتس ووتش» «إنه بموجب فرض حالة الطوارئ، تغض السلطات التركية الطرف عن ممارسات التعذيب والقمع».

وبحسب نفس المنظمة، فإن مرسوم الطوارئ قد ألغى عددًا كبيرًا من ضمانات حقوق الإنسان، التي كانت تحول بين الشرطة وبين التعذيب، وكنا قد بينا في الفقرة السابقة من التقرير، تلك الضمانات التي ألغيت.

على جانب آخر، تقول المنظمة إن الفحوص الطبية على المتهمين، كانت تجرى في أماكن الاحتجاز وبحضور رجال الشرطة؛ ما يشكك بشدة في شرعية هذه التقارير الرسمية.

العديد من الحقوقيين والمراقبين للشأن التركي، قد عبروا عن حزنهم، من أن سلطة العدالة والتنمية، التي قطعت أشواطًا كبيرة في تحويل تركيا إلى وطن خالي من التعذيب، قد عادت الآن لتلغي ضمانات منع التعذيب، وتعطي ما يشبه من وجهة نظرهم «شيك على بياض» لأجهزة الأمن؛ لتفعل بمعارضيها من اليساريين والأكراد ما يحلو لها.

حين برزت الطبقة الوسطى المتدينة في ضواحي المدن الكبرى بتركيا، في مواجهة سلطة التنويريين العلمانيين، كان الاختلاف الجوهري بينها وبينهم: إيمان أبناء تلك الطبقة الجديدة بالديمقراطية، وباحترام حقوق الإنسان، على عكس نخبة التنويريين العلمانيين، وكان واحدًا من أبرز معالم حكم الأتراك السود لتركيا في العقد الأخير، احترام حقوق الإنسان، وفق التعريفات الليبرالية، والقضاء شبه الكامل على ظاهرة التعذيب.

هذه القيم التي تحلى بها الأتراك السود الإسلاميين، هي ما جعلت عالمة الاجتماع الليبرالية جولي، تشعر أنها أقرب إليهم، وهم الإسلاميون، من النخبة العلمانية المستبدة، وربما لو ثبت تورط السلطات التركية في استخدام التعذيب الممنهج ضد معارضيهم، سيفقد الأتراك السود أهم ما ميزهم عن نخبة الأتراك البيض المستبدة، بحسب التقسيم الذي وضعته عالمة الاجتماع التركية الشهيرة.


عرض التعليقات
تحميل المزيد