تُعرف آخر جمعة من كل شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بالجمعة السوداء، والمرتبطة بتخفيض عالمي لأسعار مختلف المنتجات، وفي بعض الدول العربية، تُسمى بالجمعة البيضاء.

تواصل «ساسة بوست» مع عدد من المصريين؛ لاستكشاف كيفية تفاعلهم مع ذلك اليوم، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد، خاصة بعد تعويم الجنيه المصري، وما استتبعه من ارتفاع جنوني في الأسعار.

وتباينت طرق التعاطي مع اليوم، بين من تواصلنا معهم، على سبيل المثال، لم يشتر «أبو محمد» شيئًا في تلك الجمعة، التي لم يكن يعرف عنها الكثير على أية حال، أما «أم مالك» فوجدت أن «الأسعار نار»، لم يفرق اليوم في شيء، فيما قرر محمد شراء جهاز إلكتروني ذلك اليوم، استفادةً من التخفيضات، بينما ذهب «عبد المنصف» إلى الأسواق، وعاد خالي الوفاض.

جمعة كغيرها

مرت الجمعة السوداء على «أبي محمد» (29 سنة) كغيرها من الأيام، دون أن يشتري شيئًا؛ لأنه لم يكن يعلم عنها شيئًا، بالرغم من نيته المبيتة الذهاب لشراء ملابس الأسبوع القادم.

أبو محمد الوالد لطفلين، والذي يعمل مقاولًا للدهانات، ليست لديه أية أفكار مسبقة عن أسعار ما يُريد شراءه «بنزل أشتري باللي معايا، ولو الفلوس مكفتش بنزل تاني بعدها بفترة».

لا يرفض أبو محمد قرار تعويم الجنيه، الذي اتخذه البنك المركزي مطلع الشهر الجاري، وأدى لخفض قيمة الجنيه الشرائية بنسبة 48%، لكنه يرى أنه «لم يكن في وقته». ويروي كيف أثر القرار على عمله الخاص، فيقول إن الخامات التي يستخدمها ارتفع شعرها «شويتين»، لكن من جهة أُخرى، لم يُؤثر قرار التعويم على مصاريف الاحتياجات الأساسية للأسرة، كما يقول.

«الأسعار نار»

تكررت تلك الجملة أكثر من مرة على لسان أم مالك خلال حديثها لـ«ساسة بوست». وأم مالك (36 عامًا) أم لثلاثة أطفال، وتعمل مُعلمة في القطاع العام، وتُصنّف نفسها على أنها من الطبقة المتوسطة.

لم تهتم أم مالك بالجمعة السوداء، بالرغم من أنها قررت التسوق يومها، لكن دون أن تدري ماهيّة اليوم، فوجدت أن «الأسعار نار»، عندما علمت أنه يوم له خصوصيته مع الأسعار تفاجأت، «كان يوم عادي مثل أي يوم».

وأشارت إلى أنها تأثرت كثيرًا؛ بسبب قرار تعويم الجنيه، الذي تسبب في ارتفاع أسعار العديد من المستلزمات التي اضطرت إثر ذلك التخلي عنها، بما في ذلك المواد الغذائية، لكنها ترى أن الملابس أكثر السلع التي ارتفعت أسعارها.

نفس الإمكانات وضعف الثمن

أولى محمد (22 عامًا)، اهتمامًا خاصًا بالجمعة السوداء، وتركّز اهتمامه على التخفيضات التي تقوم بها بعض مواقع البيع الإلكتروني على الأجهزة الإلكترونية، والتي قد يصل بعضها إلى 70%.

ويقول محمد لـ«ساسة بوست»، إنه كان ينتظر يوم الجمعة السوداء لشراء جهاز إلكتروني خاص به، تجنبًا لما وصفه بـ«الارتفاع الجنوني شبه اليومي لأسعار الإلكترونيات في مصر».

اشترى محمد الجهاز الذي كان يُريده، وبالرغم من التخفيضات، إلا أنه سعره يظل مرتفعًا، «نفس الجهاز بنفس الإمكانات من شهور قليلة، كان بنصف الثمن»، يُوضح محمد.

وقال محمد، إنه كان يتوقع قبل عدة أشهر انخفاض سعر الإلكترونيات في مصر، ولكنه تفاجأ بارتفاع سعرها بالتوازي مع انخفاض سعر الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، لافتًا إلى أنه بات التأخر في شراء أي شيء خسارة، فقد يتضاعف السعر في أي وقت، حسبما قال.

خالي الوفاض

مثل محمد، كان عبد المنصف (28 عامًا) ينتظر الجمعة السوداء لشراء بعض الاحتياجات. يقول عبد المنصف، إنه ذهب إلى بعض محال الملابس، فوجد أن الأسعار مرتفعة جدًا؛ ما دفعه لسؤال أحد العاملين في محل بيع الملابس عن التخفيضات المنتظرة، فأجابه أن التخفيضات تكون «في التوكيلات العالمية فقط».

ويُذكر أن اللواء «عاط بعقوب»، رئيس جهاز حماية المُستهلك، كان قد وصف التخفيضات المزعومة بمناسبة الجمعة السوداء، بـ«الوهمية».

عاد عبد المنصف إلى منزله خالي الوفاض؛ لأنه «لم أجد تخفيضات، والأسعار مرتفعة جدًا»، مُضيفًا بسخرية «هحوش ثمن الملابس، والعام القادم سأشتريها».

ويعمل عبد المنصف في القطاع الخاص إلى جانب عمله في القطاع الحكومي لزيادة دخله، ولا يزال أعزبًا. وكان يعتبر نفسه من بين الطبقة المتوسطة، لكن بعد تعويم الجنيه، «الطبقة المتوسطة حصلّها هزّة؛ لأن قيمة المال انخفضت، وأسعار المشتريات تضاعفت»، كما قال.

آثار تعويم الجنيه على تركيبة المجتمع المصري

تعد الطبقة الفقيرة هي الأكثر تضررًا من قرار تعويم الجنيه، الذي قد يزيد نسبة المنضمين للطبقة الفقيرة، وتآكل الطبقة المتوسطة.

وتعاني مصر من ارتفاع نسبة الفقر المادي، والفقر المدقع، بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدر في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويُعرِّف التقرير الفقر المدقع بـ«الفقر الغذائي أي عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية».

بينما يُعرف الفقر المادي بـ«عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، وغير الغذائية «كالمأكل والملبس والمسكن والصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات»، وأفاد التقرير بارتفاع نسبة الفقر المادي في المجتمع المصري، من 26.3% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 27.8% في عام 2015.

أما عن نسبة الفقر المدقع في المجتمع المصري، فقد ارتفعت من 4.4% في عام 2012- 2013 ـ أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي ـ إلى 5.3% في عام 2015، وأحد أكثر الأرقام الصادمة التي كشفها تقرير «الإحصاء» أن 81.8% من الفقراء غير مشتركين، وغير مستفيدين بالتأمينات الاجتماعية، إذ يشترك في التأمينات الاجتماعية 8.7% فقط، فيما يستفيد من تلك التأمينات 8.9% من الفقراء.

وبحسب «الإحصاء» فإن مبلغ 322 جنيهًا شهريًا للفرد يمثل متوسط قيمة خط الفقر المدقع، بينما يمثل مبلغ 482 جنيهًا شهريًا للفرد متوسط قيمة خط الفقر المادي، وقيمة خط الفقر للفرد هي تكلفة حصوله على السلع والخدمات الأساسية، وبالأخذ في الاعتبار انخفاض القيمة الشرائية للجنيه بنسبة 48% بعد قرار تعويمه، تنخفض القيمة الشرائية لمبلغ 482 جنيهًا بنسبة 48%؛ لتصبح 250.64 جنيهًا، وبذلك ينخفض «الفقراء ماديًا» إلى فئة دون «الفقر المدقع» تلك الفئة التي يحتاج الفرد فيها شهريًا ما لا يقل عن 322 جنيه غير عائم، وبذلك تصبح نسبة من هم دون فئة «الفقر المدقع» في مصر بعد تعويم الجنيه 27.8%، أي ما يوازي 25.729.219 مواطن مصري.

وقبل التعويم قال اللواء «أبو بكر الجندي» رئيس «الإحصاء» «إن 15% من سكان مصر ينفقون أكثر من 50 ألف إلى مليوني جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم إلى تلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 74 ألف جنيه سنويًا، وقبل التعويم ذكر الجندي أن 67% من المجتمع المصري ينفق ما بين 20 إلى 50 ألف جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم لتلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 29.6 ألف جنيه سنويًا، وبذلك يتقلص عدد المنضمين تحت تلك الفئة التي تُعد بمثابة الطبقة المتوسطة، ويرتفع عدد المنضمين لطبقات اجتماعية أدنى».

اقرأ أيضًا: الآثار الاجتماعية لـ«تعويم الجنيه».. أين تذهب الطبقة المتوسطة؟

وأيضًا: 6 أسئلة تشرح لك كل ما قد تريد معرفته عن قرض صندوق النقد الدولي لمصر

عرض التعليقات
تحميل المزيد