ما يخبرنا به بعض العراقيين من ذوي الأصول الأفريقية في قضاء الزبير التابع لمحافظة البصرة عن الاضطهاد والعنصرية الموجه لهم من أبناء المنطقة، أنه شكل لديهم أزمة نفسية واجتماعية في ذات الوقت، في حين أن الإجراءات الحكومية لم تنتصر لهم حتى الآن رغم تحركهم المحلي، إذ شكل لهم حياة بائسة، على حد وصفهمن وصل الأمر إلى أن شابًا دفع حياته ثمنًا لمعارضة التمييز العنصري ضد «ذوو البشرة السمراء» كما يحبون أن يطلق عليهم.

في هذا التقرير نسرد قصة «ذوي البشرة السمراء في العراق» الذين يكافحون من أجل تجريم كلمة تطلق عليهم بشكل يومي، ويسعون للحظي بكرسي في الشأن السياسي العراقي أسوة بالأقليات التي تعيش على ذات الأرض.

«عبد».. كلمة تعكر صفو عيشتهم

يمتلك العراقيون السود تاريخًا عمره ما بين 1300 إلى 1400عام في البلاد، وأغلبهم هم من نسل من استقدموا من شرق أفريقيا، ولاحقًا ثاروا ضد حكامهم في عهد الخلافة العباسية، طِبْقًا لما ذكره المؤرخ والكاتب العراقي، الدكتور فيصل السامر في كتابه «ثورة الزنج».

ففي أوائل العصور الوسطى، استورد ملاك الأراضي في محيط مدينة البصرة جنوب العراق، عبيد من شرق أفريقيا؛ للعمل في تجفيف المستنقعات المالحة شرق المدينة، وينحدرون من بلاد النوبة وزنجبار والمناطق الساحلية القريبة من البحر العربي، وفقًا لحديث رئيس تجمع أبناء البشرة السمراء، عبد الحسين عبد الرزاق، لموقع «الجزيرة».

نحن في هذا التقرير لا نتحدث عن عبيد مملوكين لدى الإقطاعيين فعصر العبوية قد انتهى، بل نتحدث حاليًا عن مواطنين يحملون الجنسية العراقية ويعيشون في البلاد أبنًاء للوطن منذ سنين عدة؛ ولكن الذي يعتصر قلوبهم هو كيف يعاملهم قطاع من أبناء مجتمعهم، وكيف يرونهم على أنهم أدنى منهم ويلقبونهم بصفة «عبيد».

تمكن «ساسة بوست» من الحديث مع بعض النساء العراقيات في منطقة الزبير بمدينة البصرة والتي يقطنها الأغلبية من ذوي البشرة السوداء، يعملن معلمات مدرسات في مدينة البصرة، ويشاركن أيضًا في جمعية «أنصار الحرية الإنسانية» المدافعة عن حقوق أصحاب البشرة السمراء في العراق.

«حتى وأنا أمشي لازم تنطلق عليا كلمة السودة، أو العبدة»، تصرح، انتصار مبروك، بكل عفوية أن العبارة هذه تكاد تسمعها بشكل يومي خلال سيرها لعملها في مدرسة آسيا بالبصرة، فهي تعمل مدرسة لتعيل أسرتها. تضيف» «بسبب العنصرية فقد أخوتي الذكور عملهم».

«ما أعرف السبب، يعني ليش يعاملون هيك الطبقة السمرة»، باللهجة العراقية تفيد انتصار أن أخوها فلاح تعرض للطرد من مديره في دائرة الكهرباء، «وصار يعني بعض الإشكالات ويا المهندس، ناس مشتكين عن عطل في محولة الكهرباء، وهو مخلص وقت الشغل مالته»، ولكن ذلك لم يثن مديره من النداء له أمام الناس «يا عبد».

وتتابع انتصار: إنه مهما كانت الدرجة العلمية لدى أبناء جلدتها؛ فإنهم وقت ذروة الغضب عليهم تنطلق منهم هذه الكلمات التي باتت متجذرة في عقولهم الباطنية، ولكون المدير ينحدر من عشيرة عراقية كبيرة تمكنه من مركزه، استطاع أن يطرد فلاح ويفسخ عقده.

حادثة فلاح لم تكن الأولى التي يصرح بها ذوو البشرة السمراء، فميثم جاسم، مسؤول العلاقات العامة الخارجية والمحلية، في جمعية «أنصار الحرية الإنسانية»، استعرض لـ«ساسة بوست»، الاضطهاد الذي تعرض له بسبب لونه قائلًا: «كنت أعمل سابقًا في شركة موانئ العراق بمدينة أم القصر، بعد تخرجي من الكلية البحرية، وتركت العمل بسبب تدهور الأوضاع الأمنية عام 2007، وبعد محاولتي العودة كباقي زملائي رفض طلبي بسبب موقف شخصي من أحد المسؤولين، الذي اعتقد أني قريب لعضو سابق في حزب البعث، رغم عدم صلتي بذلك الشخص باستثناء أن لونه أسود».

«أعمال السخرة مخصصة لذوي البشرة السمراء في العراق»

في قضاء الزبير يستوطن قرابة 400 ألف نسمة من أصحاب البشرة السمراء، حيث يتخذون من القضاء مركزًا لهم فيما ينتشرون في باقي محافظات العراق بأعداد قليلة جدًا، وفقا لما أورده يقوله سعد سلوم، الخبير في شؤون التنوع في العراق، والذي نوه إلى «أن أي إحصائية لأي مكون في العراق مجرد افتراضات، وعادة تميل الجماعات إلى تضخيم أرقامها».

ومن جانبه يعتقد رئيس تجمع أبناء البشرة السمراء، أن أعدادهم تتجاوز مليون ونصف المليون نسمة، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية تؤكد هذه التقديرات.

تم التعامل مع العراقيون السود أو ذوو البشرة السمراء كما يحبون أن يطلق عليهم، بشكل متزايد على أنهم أدنى منزلة، مما قوض قيمتهم الإنسانية في ثقافة عنصرية ضد السود، فتقول سعاد مبارك، عضو جمعية أنصار الحرية الإنسانية والتي تأسست عام 2009، لـ«ساسة بوست»، «إن النظرة الدونية لأصحاب البشرة السمراء من قبل المجتمع العراقي، سبب أزمة لدى الفئة العاملة لدينا، فأغلب العائلات لدينا تحت مستوى خط الفقر».

وتعزي «مبروك» الأسباب، إلى أن أغلب الذكور لا يعملون في الوظائف الحكومية، ويقتصر عملهم في المجال الخاص، وبالأخص أعمال السخرة وخدمة رجال العشائر في دواوينهم، أو إما كشرطي أمن خاص، أو عامل نظافة، أو سائق، أو العمل في المزارع.

هذا الكلام أكدته زينب قرندس، مستشارة تحالف الأقليات في عموم العراق، خلال حديثها لـ «ساسة بوست»، حيث قالت: «أن أغلب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لأبنائنا السود هي دون مستوى خط الفقر، أغلبهم لا يعملون وإن كان لديهم شهادات علمية، ولكن يعملون في مجال القطاع الخاص أو في مجال السخرة، هذا أثر على حالتهم النفسية، والمعيشية، والاجتماعية أمام المجتمع، بسبب النظرة الدونية، وعدم الاعتراف بهم كإنسان له حقوق حاله حال أقرانه من الأقليات الأخرى»، بحسب تحليلها.

تنمر وأشياء أخرى

شكلت حالة الانزعاج عند أصحاب البشرة السمراء في العراق، بسبب التمييز الذي يشعرون به موجة نزوع نحو الهروب من الواقع سواء عند الأطفال أو الشباب. فتروي، «مبارك» أن أطفال ذوو البشرة السمراء في المدارس لم يسلموا من هذا التنمر، فالعديد منهم – دون وجود إحصاءات رسمية أو من منظمات غير حكومية- بات يتهرب دراسيا؛ بسبب إطلاق الطلاب عليهم صفة «العبد»، وهي كلمة لم يجرمها القانون العراقي، بالرغم من مرور 210 عام على إلغاء تجارة الرقيق، و75 عامًا على إعلان اتفاقية الأمم المتحدة لقمع الاتجار بالأشخاص واستغلال الغير بالبغاء في ديسمبر (كانون الأول) 1942، وقد قامت الدولة العراقية بإلغاء الرّق بمرسوم ملكي من الملك فيصل الأول سنة 1924.

هذه النظرة إلى ذوو البشرة السمراء في العراق، فسرها لـ«ساسة بوست»، أستاذ علم الاجتماع في مدينة البصرة، عباس قاسم، بأنهم فعلا يعانون معاناة كبيرة حتى هذه اللحظة تحت خطة مقيمين ومن الدرجة الثانية بنظر أبناء البلاد، وغالبيتهم في البصرة وذي قار وميسان وحتى العاصمة بغداد.

حالة الاحتقار الاجتماعي لم تقف هنا، فطبقًا لكلام «قاسم»، فإن هناك حالات أخرى تظهر بشكل أكبر للتقليل الذي يتعرض له السود في العراق، مثل مسرحية «عرس الغجر» التي عرضت قبل أربع سنوات، وتضمنت أكثر من وصف لإحدى بطلات العرض وهي سوداء البشرة إحداها بـ«القردة»، ما قوبل بغضب عارم من ذوي البشرة السمراء.

بعد قتل الحلم.. لا تمثيل سياسي حتى اللحظة

يطالب السود في العراق بضرورة سن قانون التنوع الثقافي لتجريم كل من يدعو الى التمييز العنصري، وبما يضمن مشاركتهم داخل المجتمع العراقي، فالاعتراف بأصحاب البشرة السمراء كأقلية في العراق إلى جانب باقي الأقليات، هو من أبرز مطالبهم.

تشرح مستشارة تحالف الأقليات في عموم العراق، زينب قرندس، لـ«ساسة بوست»، عدم التجاوب القوى السياسية لمطالبهم وتهميشهم، «بسبب عدم وجود قيادات فاعلة للسود، حيث أبناء الأقلية المسيحية حصلوا على مقاعد بسبب مطالبهم، بالرغم من أنه لا يوجد أعداد كبيرة للمسيحيين ما يقارب 1-2%، ولكن هم حصلوا على مقعدهم، لكن عندما قدمنا حالنا حال الأقلية المسيحية في تلك الفترة لم نحصل على أي مقعد نيابي، بسبب عدم وجود قيادات فاعلة وعاملة في هذا المجال».

النائبة في البرلمان العراقي عن محافظة البصرة فاطمة الزركاني، رفضت نسب مطالب التمثيل البرلماني وبقية مشاكل أصحاب البشرة السمراء إليهم، وقالت إن «هناك جهات خارجية تحاول تفتيت المجتمع البصري، والدفع باتجاه إيجاد حالات تمييز عنصري بين مكوناته، فالسُمر في المحافظة لهم طعم خاص، وطيبتهم لا يمكن وصفها، وهم منا ونحن منهم».

ولكن حتى الآن، يخلو البرلمان العراقي وجميع مناصب الدولة العراقية منذ تأسيسها من أية شخصية بشرتها داكنة، وكذلك لم تجد أية شخصية اجتماعية لها قرار أو نفوذ في المجتمع، من أصحاب تلك البشرة. «حركة العراقيين الحرة»، هي أول جهة رسمية من هذه الأقلية، أسسها «جلال دياب» وآخرون من العراقيين ذوي البشرة السمراء عام 2007، وهي تجمع مدني يهدف إلى نيل حقوقهم بعيدًا عن العنصرية أو التمييز،

كانت أبرز مطالب الحركة الاعتراف بوجود المكون الأسود العراقي (الأفرو-عراقي) في الدستور العراقي، والاعتذار الرسمي عن التاريخ الطويل من التمييز والعنصرية ضد هذا المكون، وتشريع قانون لتجريم كلمة «عبد» التي تطلق على السود العراقيين، والمعاقبة القانونية للتمييز ضدهم، وتضمينهم في المناهج الدراسية، ودمجهم في المجتمع العراقي رسميًا.

ولكن فكرة الحركة لم تدم طويلا، فتم تقويض مشاركتهم السياسية في البلاد، وبقيت كما هي قبل عهد صدام حسين وبعده، فلم يصل أي منهم إلى مستوى وزير أو نائب في البرلمان الوطني أو عضو في المجالس البلدية أو مدير عام أو ما شابه ذلك، بالرغم من مشاركة مرشحين أكثر من مرة إلى مجلس محافظة البصرة، لكنهم لم يفزوا بأي مقاعد، في حين شكل اغتيال «دياب» في أبريل (نيسان) 2013 بعد محاولته الترشح لمنصب نائب في البرلمان صدمة لبني جلدته، وهو الذي ألهمه فوز الرئيس الأميركي باراك أوباما في خوض السباق السياسي.

ووفقا لموقع «المونيتور» فإن وثيقة نُشرت على موقع «ويكيليكس»، تسرد تصريحا لمدير المكتب الإقليمي للسفارة الأمريكية في البصرة، رامون نيجرون، «أن المجتمع الأسود في العراق يعيش بشكل غير متناسب في ظل النظام السياسي القائم على المحسوبية»، وبحكم تجمع ذوو البشرة السمراء في تكتل موحد يعتقد «نيجرون» أنهم قادرون على جمع ما يكفي من الأصوات للفوز بمقعد واحد على الأقل في مجلس محافظة البصرة.

«قرندس» ترى أن موت «دياب» – الذي أطلق عليه لقب مارتن لوثر كنغ العراق بعد اغتياله – سلط الضوء على معناتهم واضطهادهم، وعزز لديهم الطموح للوصول إلى الحقوق المشروعة، بما في ذلك الاعتراف بوجودهم، وتجريم أي نوع من الاضطهاد ضدهم، ودمج برامج التوعية الاجتماعية في المناهج المدرسية للدعوة إلى احترام الأجناس والألوان والأديان.

وتذكر «قرندس» أن هذا من شأنه أن يمهد الطريق للتمثيل العام في المجالس المحلية والبرلمان وجميع الدوائر الحكومية، ويلقي الضوء عليها في وسائل الإعلام، مما يؤدي إلى تخصيص جزء من وسائل الإعلام الرسمية للدولة لها.

لكن الكاتب «سلوم» يرى من جهته، أنه لا يمكن تغيير ثقافة مجتمعية راسخة منذ آلاف السنين بسهولة أو سرعة، وفي المقابل البدء بالتغيير أمر ضروري اليوم قبل الغد، مع إضافة الكثير من المواد الدراسية التي تعزز ثقافة التنوع والمساواة وتقبل الأخر والتي من دونها لا يمكن إحراز أي تغيير حقيقي في مجتمعنا.

المصادر

تحميل المزيد