أحمد طلب 8
أحمد طلب 8

818

«اعتقالات واسعة، واتهامات بالخيانة، وعقوبات تصل إلى الإعدام» قد تجد نفسك أمام هذه الأشياء في عدة دول بالشرق الأوسط فقط إذا كنت تعمل بتجارة العملة بعيدًا عن الجهاز المصرفي، وهو السوق المشهور بالسوق الموازي أو السوق السوداء للعملة، حيث تشن الحكومات حملات أمنية واسعة على العاملين بهذه السوق ضمن محاولات للسيطرة على نزيف العملة المحلية، ولكن لماذا تظهر هذه السوق؟ وما هي الأسباب التي تدفع الحكومات لمطاردة العاملين بها؟ وهل تعكس الواقع الاقتصادي؟

تظهر الأسواق السوداء للعملة في الغالب عندما يتم العمل بسعر الصرف الثابت، وفي هذا النظام يحدد البنك المركزي سعر صرف ثابتًا لعملته ويحافظ عليه، وذلك حتى لا يتغير سعر الصرف من يوم إلى آخر، إذ يدعم المركزي العملة المحلية في هذه الحالة من خلال محاولة ضمان توازن العرض والطلب على العملة المحلية مقابل العملات الأخرى، وفي هذه الحالة تحتاج البنوك المركزية لاحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية لتخفيف التغيرات في العرض والطلب.

ويأتي ظهور السوق السوداء عندما تتعرض الدول التي تتبنى نظام سعر الصرف الثابت لأزمات اقتصادية ونقدية تؤثر بالتالي على العملة المحلية، لذلك تظهر فجوة بين قيمة العملة الحقيقية وسعر صرفها الثابت الذي يحدده المركزي، وتزيد هذه الفجوة كلما كانت الاحتياطيات النقدية للبنك المركزي قليلة، وفي هذه الحالة يذهب المتعاملون في سوق الصرف إلى مصارف غير رسمية بحثًا عن السعر الحقيقي للعملة، وكلما زاد التراجع الاقتصادي توسعت السوق غير الرسمية (السوق السوداء).

اقرأ أيضًا: غموض العملات.. 7 أسئلة تجيبك عن كل ما يدور في بالك حولها

وبالطبع تعجز البنوك المركزية في تلبية الطلب على العملة الصعبة، بينما تتحكم السوق السوداء التي يتم فيها تداول العملة بقيمتها السوقية مع تجاهل الأسعار المحددة من الحكومة – ذلك لأن النظام المقيد لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة – وتتوسع هذه السوق عندما يدرك الناس أن عملتهم لا تستحق القيمة الثابتة المحددة لها من الحكومة، فعندها يتجهون إلى تبديل أموالهم بعملات أخرى أكثر استقرارًا، وهذا هو السبب الرئيس لظهور السوق السوداء للعملة في كثير من دول الشرق الأوسط.

وخلال السطور القادمة سنتعرض لتجارب كل من مصر والسودان وإيران مع السوق السوداء، وكيف تعاملت هذه الدول مع الأزمة، وموقفهم من العاملين بهذه التجارة.

مصر.. حرب طويلة تنتهي ببراءة السوق السوداء

استمر صراع الدولة المصرية مع السوق السوداء للعملة عدة سنوات وعلى عدة فترات، بدأت بأزمة الثمانينيات، مرورًا ببداية الألفية الحالية وتحديدًا (2002-2003)، وصولًا إلى ما بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وذلك في أواخر 2012 إلى نهاية 2016، وفي كل مرة كانت الأزمة تنتهي بقرار بتعويم العملة المحلية.

فالسوق السوداء التي كانت موجودة بالثمانينيات تم القضاء عليها عندما اعتمدت مصر برنامجًا للإصلاح الاقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي في بداية التسعينيات (1991)، كان أهم بنود هذا البرنامج تحرير سعر صرف الجنيه ليتحدد وفقًا لقوى العرض والطلب، وبالفعل اختفت السوق السوداء للدولار ليتساوى سعره الحر مع السعر داخل البنوك وشركات الصرافة.

Embed from Getty Images

ومنذ نهاية 2001 وحتى 2003، تعرض الاقتصاد المصري إلى تراجع كبير في موارد النقد الأجنبي، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور سوق سوداء للعملة مرة أخرى، ولكنها اختفت كذلك بعد تعويم الجنيه في 2003، واستقر سوق الصرف إلى حدٍ ما حتى نهاية 2012، عندما تعرض الاقتصاد المصري لحالة من التدهور الحاد أدت إلى سيطرة السوق السوداء على سوق الصرف ولكن مع تحرير سعر الصرف في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، اختفت السوق السوداء حتى الآن.

ومع تحرير سعر الجنيه تم تداوله عند نفس المستويات التي كانت متداولة في السوق السواء، وهو ما يعد اعترافًا ضمنيًا من البنك المركزي بأن السوق السوداء كانت تعبر عن القيمة السوقية الحقيقية للعملة المصرية، بمعنى أن هذه السوق كانت تعمل طبقًا لآليات العرض والطلب، أي أن الحرب التي خاضتها الحكومة للقضاء على السوق السوداء انتهت بلجوء الدولة للسعر المتداول بالسوق وقتها، وهو ما أدى في النهاية إلى اختفاء التعاملات بها وانتقال كل التعاملات إلى المصارف الرسمية سواء من صرافات أو جهاز مصرفي.

اقرأ أيضًا: لماذا عادت السوق السوداء للدولار إلى المشهد المصري؟

وبالنظر إلى الحالات الثلاث المذكورة نجد أن أزمة السوق السواء في مصر كانت في كل مرة أزمة سياسات حكومية خاطئة لا أكثر، وعندما تم إصلاح هذه السياسات اختفت السوق السوداء، وذلك بعيدًا عن الأضرار الاقتصادية التي حدثت نتيجة هذا الإصلاح – التعويم – فلا مجال للحديث عنها الآن.

وتعالوا بنا ننتقل بالحديث إلى زاوية أخرى من حرب الحكومة مع السوق السوداء في آخر مراحل ظهورها في البلاد، ففي الثامن من يونيو (حزيران) 2016، قبل أشهر من التعويم أقرت الحكومة المصرية قانونًا ينص على فرض عقوبات بالسجن على من يبيعون العملة الأجنبية في السوق السوداء، بحيث يعاقب «بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر، كل من يتعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات المرخص لها بذلك».

Embed from Getty Images

جاء ذلك بعد حملة كبيرة شنها البنك المركزي المصري على مكاتب الصرافة وإغلاق عدد كبير منها بعد أن منح القانون محافظ البنك المركزي سلطة تعليق ترخيص أي شركة صرافة لمدة عام علاوة على فرض غرامة مماثلة في حالة مخالفة القواعد، ويكون للبنك في حالة تكرار المخالفة الحق في إلغاء ترخيص الشركة، وكذلك فرض غرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه كل من خالف أيًا من أحكام القانون الخاص بتنظيم عمليات النقد الأجنبي.

هذه الحرب سواء الأمنية التي جاءت من جانب الحكومة أو إغلاق وتعليق التراخيص للصرافات والتي جاءت من جانب البنك المركزي لم تحرك ساكنًا، واستمرت السوق السوداء في التمدد، ما يعني أن كل هذه الإجراءات فشلت في القضاء على السوق السوداء ولم تختفِ إلا عندما جاء قرار التعويم والذي كان بمثابة إقرار بأن سعر السوق السوداء كان يعكس الواقع الاقتصادي لا أكثر.

Embed from Getty Images

لكن هل يمكن أن تعود السوق السوداء في مصر مرة أخرى؟ يتوقف هذا الأمر أيضًا على السياسات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة ففي حال تدخل البنك المركزي بأي شكل لتحديد سعر معين للعملة، من الممكن أن تعود السوق السوداء، ولكن طالما يتحرك السعر حسب آليات العرض والطلب من الصعب أن تعود السوق السوداء للنشاط مرة أخرى.

السودان.. تجار العملة متهمون بالخيانة العظمى ويعاقبون بالإعدام

بالرغم من التاريخ المصري الطويل مع السوق السوداء إلا أن الأزمة في السودان لها تاريخها الطويل كذلك، ولكن لم تختَر الدولة السودانية التعويم حلًّا للأزمة كما فعلت مصر، فبحسب ما يقول التيجاني الطيب إبراهيم، الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، إنه في بداية التسعينيات أقدم نظام الحكم الحالي على إعدام ثلاثة أشخاص وجد بحوزتهم عملات أجنبية مع بدايات ظهور تجارة العملة في البلاد، وذلك في محاولة فاشلة لكبح هذه التجارة في مهدها.

ولم تختف السوق السوداء للعملة في السودان تقريبًا منذ ظهورها، ولكنها تراجعت نسبيًا منذ العام 2000 إلى 2007، وذلك مع دخول عائدات النفط مما أدى إلى توفر العملات الأجنبية بالبلاد، ولكن بعد انفصال جنوب السودان، تغير الوضع تمامًا وشهدت هذه السوق انتعاشًا قويًا، إذ قفز سعر الدولار من 2.5 جنيه للدولار في 2007 إلى 40 جنيهًا للدولار مؤخرًا.

وفي محاولة لدعم العملة المحلية قامت السودان بعملية تبديل ظنًا منها أن هذا الإجراء قد يحل الأزمة، إذ تم استبدال الدينار بالجنيه وجعلته يساوي 10 جنيهات، وحددت سعر الدولار وقتها بـ18 دينارًا، لكن واصلت العملة تدهورها، ما دفع البلاد للعودة مرة أخرى إلى الجنيه.

Embed from Getty Images

وفي الأشهر الأخيرة عانت العملة السودانية من التدهور الحاد، فقد هوى الجنيه السوداني إلى مستوياتٍ قياسية منخفضة في السوق السوداء خلال الأشهر القليلة الماضية، وذلك في ظل تخفيض قيمتها في البنوك إلى 18 جنيهًا مقابل الدولار مع بداية 2018، مقارنة مع 6.7 جنيهات في بداية 2017، وفي وقت سابق من الشهر الماضي سمحت الحكومة للعملة بالهبوط إلى مستوى بلغ 31.5 جنيهًا مقابل الدولار، ومع كل هذه الخطوات لم تختف السوق السوداء.

المركزي السوداني رفع السعر التأشيري – إضافة حافز للسعر الرسمي – بداية من فبراير (شباط) الجاري إلى 30 جنيهًا؛ وذلك بهدف استقطاب مدخرات السودانيين العاملين بالخارج وعائدات الصادرات، ولكن بالرغم من ذلك لم يستقر السعر عند هذا المستوى، ورغم هذا التخفيض، فإن الدولار غير متوفر لجميع الشركات، لذلك تشهد السوق السوداء انتعاشًا كبيرًا، وأصبحت هي المعبرة أكثر عن السوق؛ إذ هبط الجنيه السوداني إلى نحو 40 جنيهًا للدولار في وقتٍ سابق من الشهر الماضي.

اقرأ أيضًا: كيف وقع الجنيه السوداني في فخ السوق السوداء المصرية؟

هذا التدهور قابله محاولات جديدة من البنك المركزي للسيطرة على الوضع، إذ إنّ البنك حظر الودائع بالعملة الصعبة التي كان مصدرها السوق السوداء؛ وهو الأمر الذي حد من الصعود أكثر للدولار، ولكنه لم يقضِ على السوق السوداء، بل كان إعلان محافظ بنك السودان المركزي أن المتاجرين في العملة لا بد أن يحاكموا بتهمة الخيانة العظمى دليل على إفلاس المركزي من الحلول الاقتصادية.

وخلال السنوات الماضية لجأت الحكومة قبل المركزي للتعامل الأمني مع الأزمة إذ شنت بالفعل حملات واسعة بدأت في أغسطس (آب) 2016، عندما طاردت التجار في السوق الموازي، ما أسفر عن توقيف 26 تاجرًا من أكبر تجار العملة وإيداعهم سجن كوبر الاتحادي بالخرطوم.

لكن مؤخرًا ذهب الأمر إلى ما هو أبعد من الاعتقال، إذ أصدرت الحكومة السودانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي قرارات مشددة لمواجهة انهيار العملة أمام الدولار، وقررت توجيه تهم تخريب الاقتصاد القومي وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب لتجار العملة والسماسرة والمتعاملين في النقد الأجنبي في السوق السوداء، وتصل عقوبات هذه التهم للإعدام والسجن المؤبد، في استحضار من الحكومة لتجربة التسعينيات.

Embed from Getty Images

عمومًا، عندما تقرأ السطور السابقة ربما سيغيب عن بالك أن السوق السواء هي أزمة اقتصادية يجب أن تعالج بالسياسات الاقتصادية وليس بالقبضة الأمنية، وكما هو الحال بالنسبة للنموذج المصري فالأمر في السودان كذلك يرجع إلى الخلل في العرض والطلب على العملة الأجنبية، فمصادر العملة الصعبة في البلاد تعاني، ولن يعالج هذه المصادر إعدام تجار العملة بل إصلاح اقتصادي حقيقي ربما يجب أن يكون بدايته تحرير سعر الصرف لسد الفجوة بين سعري الصرف الرسمي وغير الرسمي وتعيد الدولار للنظام المصرفي الرسمي وتختفي السوق السوداء كما حدث في مصر.

ويرى رئيس تحرير صحيفة «التيار» السودانية عثمان ميرغني، أن إجراءات الحكومة «لن تعيد العافية للجنيه، لأن أغلبها جرب وفشل، حتى عندما بلغ الأمر حد تنفيذ أحكام قاسية بالإعدام على مواطنين لمجرد حيازتهم عملات صعبة»، موضحًا أن أحوال الجنيه ترتبط بإصلاح شامل للوضع الاقتصادي.

إيران.. السوق السوداء جذور قديمة وأسباب عميقة

منذ نجاح الثورة في إيران في عام 1979، مرت العملة الإيرانية بمراحل عدة غلب عليها التراجع، فبعد أن كان 100 ريال إيراني تساوي دولارًا أمريكيًا في 1979، هوى إلى قرابة 1200 ريال للدولار عام 1990، إلا أن السقوط الأكبر عندما سجل الدولار 8630 ريالًا عام 2000، وبعد تحسن طفيف في 2004 عندما سجل الريال 8320 للدولار، عادت العملة للسقوط مجددًا لتنهار إلى نحو 14840 ريالًا للدولار في عام.

خلال كل هذه السنوات كانت السوق السوداء حاضرة ولكن لم تكن مسيطرة وكانت الفجوة بينها وبين السعر الرسمي أقل، ولكن هذا الأمر تغير مع مطلع 2012 عندما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء بأكثر من 4 آلاف ريال، إذ كان السعر الرسمي نحو 10800 ريال، بينما اقترب من 15 ألف ريال للدولار في السوق السوداء، ومع نهاية 2012 كانت العملة الإيرانية قد فقدت نحو 80% من قيمتها مقارنة بسعرها بداية العام، حيث تجاوز سعر الدولار الواحد 40 ألف ريال.

اقرأ أيضًا: الريال الإيراني يتصدر قائمة العملات الأقل قيمة في العالم 

ومنذ ذلك الحين كان الريال يتم تداوله بأقل من هذا المستوى إلى أن وصل في الآونة الأخيرة، في السوق السوداء (الحرة) إلى 46500 ريال للدولار الواحد، بعدما كان بنحو 30 ألف ريال قبل عامين، ومع بداية 2018 نشطت السوق السوداء كثيرًا، وزاد طلب الإيرانيين على الدولار، وهو الأمر الذي ساهم في استمرار تراجع العملة المحلية وهو ما أدى لتراجع أكبر في أسعار العملة المحلية.

Embed from Getty Images
في المقابل فقد البنك المركزي القدرة على ضبط السوق، وهو الأمر الذي دفع الحكومة للجوء إلى الخيار الأمني، إذ اعتقلت السلطات عشرات الأشخاص من تجار العملة خلال الأشهر الماضية، كما أغلقت مئات الحسابات المصرفية وجمدت الأموال بها، على خلفية تهم ترتبط بالمساهمة في تذبذب أسعار الصرف في إيران.

بينما تتوعد السلطات القضائية بالإعلان عن أحكام قاسية بحق من يساهمون بتغيير أسعار الصرف في السوق السوداء، ولكن لم تنجح هذه المحاولات في السيطرة على سعر الصرف وهو ما يجعل البلاد في حاجة عاجلة لإيجاد حلول اقتصادية حقيقية لحل هذه الأزمة وذلك لعدم جدوى هذه الحلول لأنها لا تمس المشكلة الأساسية، ولعل أقل هذه الحلول هو تحرير سعر الصرف وتركه لقوى العرض والطلب.

على الجانب الآخر وبحسب دراسة لمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية بعنوان «تراجع أسعار صرف العملة الإيرانية: الأسباب والتداعيات»، فإن أزمة سعر الصرف في إيران لها جذور قديمة وأسباب عميقة، وعلى رأسها، تراجع موارد الدولة من العملة الأجنبية، ووجود أكثر من سعر صرف في إيران على مدار التاريخ، إذ يوجد سعر الصرف الحكومي المثبَّت، وسعر صرف السوق السوداء (الحرة)، وسعر صرف المرجع، بالإضافة إلى الركود الاقتصادي الذي استمرّ فترات طويلة توقفت معه آلاف المصانع عن العمل وتراجعت معه الصادرات غير النِّفْطية، وارتفاع الواردات والضغط على الاحتياطي الأجنبي.

Embed from Getty Images

ربما توضح النماذج السابقة أن الحل الأمني لا ينجح دائمًا مع مثل هذا النوع من المشاكل الاقتصادية، بل ربما تفاقم هذه الحلول من الأزمات، حال تمسكت بها الدولة وأهملت الإصلاح الاقتصادي الحقيقي الذي يعالج الأزمات من الجذور.