كشف تحقيق أجرته السلطات الأمريكية، مطلع الأسبوع الجاري، عن تهديد مباشر بالقتل تلقّاه كبير محققي وزارة الخارجية الأمريكية من مدير شركة «بلاك ووتر» في العراق أثناء تحقيقه في أنشطة غير قانونية قام بها بعض المقاتلين التابعين لها في عام 2007.

وبعد أقل من شهر، فتحت قافلة أمنية تابعة لشركة «بلاك ووتر» للخدمات الأمنية النار على 17 مدنيًا عراقيًا، بينهم طفل ذو 9 سنوات في «ساحة النسور»، في حادثة لفتت الأنظار إلى أعمال «مشبوهة» تجريها الشركة التي تعاقدت مع الحكومة الأمريكية لتقديم خدماتها في العراق مقابل مليارات الدولارات.

وقال «جاك ريشتر»، كبير المحققين الذي تلقّى تهديد القتل، إن المقاتلين التابعين لشركة «بلاك ووتر» كانوا يعتبرون أنفسهم «فوق القانون».

شركة أمن أم مرتزقة؟

تأسست شركة «بلاك ووتر» في عام 1997 على يد رجل الأعمال وضابط البحرية الأمريكية السابق «إيريك برنس»؛ لتقدم خدمات الحراسات الخاصة والتدريب، لكن مجال عملها ونطاقه اختلف تمامًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم غزو العراق في 2003.

مع تعثر عمل وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي ايه) في أفغانستان، ووصول بعثة دبلوماسية أمريكية ضخمة إلى العراق، وبداية جهود «إعادة الإعمار» التي كانت تتطلب تدريب قوات الشرطة والجيش العراقي تمهيدًا لانسحاب القوات الأمريكية، أصبحت شركة «بلاك ووتر» عمليًا – بعبارات مديرها نفسه – «امتدادًا للاستخبارات الأمريكية» والحامي الرئيسي للدبلوماسيين الأمريكيين في العراق.

ويسمح القانون الأمريكي بإنشاء شركات أمنية تعمل على تدريب وتسليح أفرادها ليقوموا بأعمال الحراسة الخاصة، لكن مطلع الألفية الثالثة شهد توسعًا كبيرًا في إسناد بعض مهام الجيش الأمريكي والاستخبارات إلى هذا النوع من الشركات؛ مما حوّل «بلاك ووتر» – حسب منتقديها من السياسيين الأمريكيين – إلى «فرق من المرتزقة».

ووصلت نسبة المهام العسكرية التي أسندت للشركات العسكرية الخاصة في أفغانستان إلى 62% من إجمالي المهام؛ حصلت «بلاك ووتر» منها على نصيب الأسد، حتى أمنت وجودها في أفغانستان، بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية منها، بإنشاء معسكر خاص يستقبل القوة الأمريكية العاملة هناك مقابل عقد يصل إلى 22 مليون دولار.

تغيرت ملكية الشركة مرتين بعد مؤسسها «برنس» وغيّرت اسمها إلى Xe ثم Academi في 2011، لكنها تستمر منذ أكثر من 10 أعوام في جذب الضباط المتقاعدين، ومنتسبي الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية السابقين، وبعض مستشاري الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش الابن» الذين صكّوا مصطلح «الحرب على الإرهاب»، ثم كانوا أكبر المستفيدين منه ماديًا بعد تقاعدهم والتحاقهم بشركة «بلاك ووتر» وعقودها الباهظة مع الحكومة الأمريكية.

وينتسب إلى الشركة مقاتلون من جنسيات عدة أبرزها أمريكا والبوسنة وتشيلي والفلبين، وتعمل بشكل رسمي أو من خلال شركات وسيطة في عدة دول حول العالم منها إسرائيل.

فوق القانون

حادثة قتل الـ 17 مدنيًا لم تمر مرور الكرام في الأراضي العراقية؛ فقد ألغت بغداد تمديد تصريح «بلاك ووتر» للعمل في العراق، وقُدم المتهمون بالقتل إلى المحاكمة، لكن محكمة أمريكية برأتهم من التهم في عام 2009، قبل أن تبدأ محكمة أخرى في نظر نفس القضية من جديد الأسبوع الماضي.

وثائق القضية الأولى التي جاءت في أكثر من 10 آلاف ورقة، بعضها سري، كشفت انتهاكات عدة ارتكبها جنود «بلاك ووتر» في العراق، وانحياز مسؤولي السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية إلى جانبهم، حتى بعد تهديد كبير المحققين «جاك ريشتر» بالقتل.

لم يؤدِ ذلك التهديد إلى تصعيد الموقف، بل إلى قرار مفاجئ اشتركت فيه وزارة الخارجية الأمريكية مع سفارتها في بغداد بإنهاء التحقيق، وعودة فريق المحققين برئاسة «ريتشر» إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أسرع وقت ممكن.

أنهى الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما تعاقد وزارة الخارجية الأمريكية مع «بلاك ووتر» لحماية دبلوماسييها بمجرد وصوله إلى السلطة في عام 2009، لكن الحكومة الأمريكية لا تزال تتعامل مع الشركة في أعمال أخرى – سرية ومعلنة- كان آخرها ما كشفته صحيفة «دير شبيجل» الألمانية عن إرسال حوالي 400 جندي تابع لـ «بلاك ووتر» إلى شرق أوكرانيا، إبان الأزمة هناك في مايو الماضي، لحساب الجيش الأمريكي، ولا تزال حدود عمل الشركة تتقاطع بشكل «غامض» – حسب تعبير رئيس لجنة التحقيق الأمريكية – مع عمل الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية.

ويقول محللون إن رغبة وزارة الخارجية الأمريكية في حماية أنشطة «بلاك ووتر» في العراق من التحقيق والمتابعة قد أسمهمت بشكل كبير في التعجيل بالانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من هناك، حتى من أنشطة التدريب والتطوير الأمني؛ مما أثر على بناء الجيش العراقي وقدرته على مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي تهدد تماسك العراق في الوقت الحالي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد