ربما تساءلت مثلما تساءل الكثيرون من عشاق الموسيقى بعد سماع أحد الألحان المميزة للموسيقار المصري «عمار الشريعي»، أو بعد أغنية كلاسيكية للمغني والعازف الأمريكي «راي تشارلز»؛ كيف تأتي تلك الإجادة والبراعة من أشخاص ذوي إعاقة بصرية وربما بدرجة أكثر تميزًا عن مبدعين مبصرين؟

ولطالما أثار هذا التساؤل اهتمام المتخصصين أيضًا من الباحثين والدارسين للإعاقة البصرية، وظل تفوق بعض الأمثلة من فاقدي البصر في مجالات متعددة مثل التأليف الأدبي والشعري وحتى الابتكارات اللغوية يثير تساؤلًا آخر أكثر عمقًا؛ هل لفقدان البصر علاقة بالموهبة وهل يعمل على شحذها لتصير أكثر حدة وأكثر تألقًا؟ وماذا عن شحذ الحواس الأخرى التي تصير أكثر حدة عند المكفوفين؟

أدمغتهم تختلف.. جذريًا

أظهر بحث أكاديمي مطول نشر في مجلة «ساينس دايركت» العلمية بعنوان «أثر الإعاقة البصرية على التنظيم الهيكلي والوظيفي للمخ البشري» أن فاقدي البصر منذ الطفولة تمر أمخاخهم بتغيرات جذرية شديدة ليتمكنوا من توسيع مدخلات حواسهم الأخرى لاحتواء أكبر قدر من البيانات يستطيعون جمعه، حيث يتمكن فاقد البصر في سن مبكرة من إعادة تهيئة أو توظيف القشرة البصرية Visual cortex في أمخاخهم من أجل استجابة أفضل للمحفزات السمعية، وكلما كان عمر فاقد البصر أصغر اشتدّت قوة القشرة السمعية في المخ لديهم بفضل لدونة «مرونة» الموصلات العصبية Neural plasticity.

طفلة مكفوفة من جنوب أفريقيا تتعلم عزف البيانو.

وفي بحث آخر قام به فريق من جامعة «مالبورن» الأمريكية أظهر أن فاقدي البصر في سن صغيرة تطّور أمخاخهم ما يعرف بتمييز تردد الصوت الكامل Pitch discrimination والتمييز الدقيق بين درجات ترددات الصوت أكثر من المبصرين بشكل كبير حتى دون الحصول على تدريب موسيقي؛ وإن كان للتدريب الموسيقي أثر كبير في رفع تلك القدرات.

أذن واحدة تكفي!

في بحث مشابه بعنوان فقدان البصر والسمع المُحفَز: صورة عصبية، تظهر نتائج تشير إلى اختلاف التكوين العصبي لفاقدي البصر وزيادة حساسية موصّلاتهم العصبية حيث استطاع الشخص ذو الإعاقة البصرية أن يحدد موقع الصوت بدقة عالية باستخدام أذن واحدة فقط، بينما يمكن للإنسان المبصر تحديد مكان الصوت بدقة باستخدام كلتا أذنيه، حيث يطرح الاستنتاج في البحث أن فاقدي البصر تكون لديهم قوى «شبه خارقة» في تلك الحالة حيث يمكنهم توظيف مركز الإبصار المعطل في المخ لمعالجة المهام الصوتية لاستكشاف العالم بشكل أفضل.

نعم لديهم قوى خارقة

في دراسة لفريق علمي ترأسه «آدم أوكيلفورد» أستاذ الموسيقى البريطاني بجامعة روهامبتون بعنوان «تركيز على الموسيقى» Focus on music، قام من خلالها بإجراء العديد من استطلاعات الرأي على أكثر من 40 طفلًا من فاقدي البصر وكذلك آبائهم وبعض مدرسي الموسيقى والمعالجين الموسيقيين؛ أظهرت النتائج بعدها أن للطفل فاقد البصر قدرة على تمييز «النوتة الموسيقية الكاملة» أو الكمال النغمي Pitch perfect  – وهو قدرة التعرف إلى أي نوتة موسيقية وإصدارها دون مرجعية مسبقة – بحوالي 4 آلاف مرة أكثر من الشخص المبصر.

البروفيسور آدم أوكيلفورد – في المنتصف - في إحدى الحفلات الموسيقية وبعض الموسيقيين فاقدي البصر.

وفي استطلاعات الرأي التي أجراها الفريق على آباء الأطفال المكفوفين أظهرت نتائج تشير إلى أن 48% من الأطفال فاقدي البصر يبدون اهتمامًا كبيرًا بالأصوات التي يسمعونها يوميًا، مقارنة بنسبة 13% فقط للأطفال المبصرين، وحوالي ثلثي الأطفال فاقدي البصر يلعبون آلة موسيقية مقارنة بنسبة 41% من الأطفال المبصرين يقبلون على لعب آلة موسيقية، بينما أقر آباء كل الأطفال الذين يلعبون آلة موسيقية بأن لعب الموسيقى يساعد أبناءهم فاقدي البصر على الراحة والاسترخاء بشكل كبير.

وفي بحث أكاديمي لمركز «بيث إسرائيل» الطبي في أمريكا أجري على الكمال النغمي pitch perfect عند الموسيقيين فاقدي البصر أظهر أن نسبة 60% من الموسيقيين فاقدي البصر يمكنهم الوصول للكمال النغمي، بينما 10% فقط من الموسيقيين المبصرين يمكنهم الوصول للكمال النغمي.

أساطير موسيقية.. من تشارلز إلى مكاوي

راي تشارلز.. الموسيقى جزء من جسدي

مغنٍ وعازف بيانو وكاتب أغانٍ أمريكي ويعد من رواد موسيقى «السول» وولد مبصرًا في إحدى ضواحي ولاية «جورجيا» وتوفي عام 2004، وفقد بصره في السابعة من عمره، أرسلته أمه للدراسة بإحدى المدارس للصم والمكفوفين وسرعان ما أظهر شغفًا كبيرًا لتعلم الموسيقى، بدأ بعدها مسيرة فنية حصد خلالها العديد من الجوائز وصنع الكثير من الإنجازات الموسيقية منها حصوله على جائزة «جرامي» الموسيقية 27 مرة إلى جوار تراث موسيقي هائل، ولقب بالعبقري وأبي موسيقى السول.

«راي تشارلز» أبو موسيقى «السول» في حفل موسيقي عام 1998.

وفي مقولة شهيرة له عبّر تشارلز بها عن مدى ارتباطه بالموسيقى قال: «لقد ولدت والموسيقى بداخلي، الموسيقى كانت واحدة من أعضاء جسدي مثل ضلوعي وكليتي وكبدي، مثل قلبي ودمي، لقد كانت قوة بداخلي بالفعل عندما صعدت إلى المشهد، لقد كانت حتمية بالنسبة لي كالطعام والماء».

عمار الشريعي.. التحدي والوصول

موسيقار وملحن مصري من مواليد محافظة المنيا في عام 1948، وُلِد فاقدًا للبصر وتلقى تعليمه في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، تعلم العزف على أربع آلات موسيقية هي الأوكورديون والإكسليفون والأورج والبيانو، توفي عام 2012 وترك ملف إنجازات موسيقية يحتوي على ما يزيد عن 200 عمل.

من الـ200 عمل موسيقي 50 فيلمًا سينمائيًا و150 مسلسلًا تلفزيونيًا وأعمالًا إذاعية ومسرحية متعددة، وحصد جوائز عديدة كان أهمها جائزة مهرجان «فالنسيا» في إسبانيا عام 1986 وجائزة مهرجان «فيفييه» في سويسرا عام 1989، وتعد من أشهر أعماله الأيقونية للمستمع العربي هي موسيقى مسلسل «رأفت الهجان»، وموسيقى فيلم «البريء»، وفي حديث شهير له حكى عن تحدياته مع فقدان بصره:

يحكي عمار: «طرح اسمي لوضع موسيقى تصويرية لفيلم سينمائي، فسخر البعض متسائلين: كيف يضع كفيف موسيقى تصويرية لفيلم مصور؟ ويومها قلت للمخرج: سأتكفل بتسجيل الموسيقى على نفقتي الخاصة، وإذا نجحت أحصل على حقوقي، وإذا فشلت فسوف أتحمل التكاليف وحدي وسألت المخرج عن أحداث الفيلم، ثم وضعت الموسيقى على الحوار، ونجح الفيلم، وقدمت بعد ذلك موسيقى أكثر من 50 فيلمًا».

ستيفي وندر.. العبقرية مع الميلاد  

مغنٍ وملحن وكاتب موسيقي أمريكي من رواد موسيقى «الجاز» ولد في ولاية «ميتشيجن» الأمريكية عام 1950 فقد بصره بعد ولادته بشهور قليلة وأظهر موهبة كبيرة في سن أربعة أعوام فقط عندما بدأ في استكشاف الآلات الموسيقية في جوقة الكنيسة التي تربى فيها، وبدأ في تعليم نفسه دون أي تدريب محترف، وأتقن العزف على عدة آلات في سن 11 عامًا.

«ستيفي وندر» في حفل التراث وموسيقى الجاز 2017.

حصد «وندر» 29 جائزة «جرامي»، وحصد جائزة الأوسكار لأفضل أغنية أصلية لعام 1985 وما يزيد عن 32 ألبومًا غنائيًا ومن أكثر مواهبه تميزًا هي إجادته التامة للكمال النغمي Perfect Pitch والتي تعد من أكثر المواهب غموضًا في تفسيرها، حيث كتب باحث علم النفس «ويليام لي آدامز» لموقع «سايكولوجي توداي» مقالًا بعنوان «غوامض الكمال النغمي» قال فيه إن تلك القدرة عادة تأتي مع الميلاد وليست موهبة مكتسبة يمكن تنميتها وذكر أن «ستيفي وندر» ضمن من يملكونها منذ الميلاد وبالفطرة.

سيد مكاوي.. من الإنشاد إلى تعليم الذات

موسيقار وملحن مصري من مواليد القاهرة عام 1928، ولد مبصرًا وفقد بصره إثر علاج خاطئ في سن صغيرة، ولم يتلق تعليمًا اعتياديًا نظرًا لإعاقته البصرية بل أقبل على عالم الإنشاد الديني، وحفظ وقراءة القرآن الكريم ثم بعدها حفظ المقامات الموسيقية ببراعة شديدة، وبحسب إحدى رسائل الماجستير التي كان موضوعها الموسيقار «سيد مكاوي» بعنوان «دراسة تحليلية لبعض ألحان سيد مكاوي والاستفادة منها في تحليل الموسيقى العربية» أنه تعلم الموسيقى تعلمًا ذاتيًا من خلال استماعه إلى أسطوانات بعض مشايخ المنشدين مثل «إبراهيم سكر» والشيخ «علي محمود» وموسيقيين مثل «سيد درويش وعبده الحامولي».

أوبريت الليلة الكبيرة أشهر أعمال «سيد مكاوي».

توفي عام 1997 وترك وراءه ميراثًا موسيقيًا كبيرًا يزيد عن 50 عملًا موسيقيًا إذاعيًا وتلفزيونيًا، ولحَّن عدة أغانٍ لكبار المطربين منهم «ليلى مراد» و«شادية» و«أم كلثوم»، وتلقى عدة جوائز محلية منها وسام الجمهورية من الطبقة الأولى، وعالمية مثل شهادة تقدير نقابة الصحفيين الأمريكيين عام 1994 وجائزة موسيقى الشعوب بجامعة «كاليفورنيا».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!