خلال العشر سنوات السابقة، نقل النظام السوري مؤسساته داخل المدن إلى أحياء خاضعة لسيطرته، ليجتذب أكبر شريحة من المواطنين ورؤوس الأموال نحوها، ويحكم سيطرته على مفاصل الحياة. لم تعش كل المناطق في سوريا حالة الحرب، ومهّد ذلك أرضية لبعض سكان هذه المناطق للعيش ولكن بطريقة مختلفه.

حياة الطبقة الغنية التي تعيش في الوقت الحالي الرَفَاهيَة في سوريا، لا يتخللها السؤال عن المأكل والمشرب والقوت اليومي، ذهب «ساسة بوست» ليستكشف كيف يعيش أغنياء هذه المناطق حياة النعيم في ظل ظروف اقتصادية صعبة، حياة ربما يجدها المراقبون للشأن السوري ضربًا من الخيال، في بلد تصدر فيه تقارير توحي بأنه غير صالح للمعيشة. في البداية سنذهب في رحلة قصيرة عن واقع حال أكثر من 80% من الناس في سوريا.

أحوال سوريين بعد عقد من الثورة

اليوم، يعيش غالبية الشعب السوري في فقر، يعيش أكثر من 80% من الناس في سوريا تحت خط الفقر العالمي، مما يعني أنهم يكسبون أقل من دولار واحد في اليوم. أدى الأثر الاقتصادي للصراع المستمر إلى معدل بطالة بلغ 55% أو أكثر.

الفساد منتشر في سوريا، تحتل سوريا المرتبة الرابعة في قائمة الدول الأكثر فسادًا في العالم، تتركز الوظائف عالية الأجر في دمشق، عاصمة البلاد، ومن الصعب الحصول على وظيفة في العاصمة دون «الواسطة». «الواسطة» هي كلمة عربية تُترجم إلى «المحسوبية» أو «النفوذ».

دمرت الحرب التعليم، إذ أكدت الأمم المتحدة وقوع 74 غارة على المدارس، والاستخدام العسكري لـ 24 مدرسة في المدّة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2019، ونتيجة لذلك، ألحق القتال أضرارًا بالعديد من المدارس أو دمرت بالقنابل. أكثر من 33% من أطفال سوريا – أكثر من 2 مليون – لا يذهبون إلى المدرسة.

هناك حوالي 1.3 مليون طفل معرضون للانسحاب من المدرسة، تحاول اليونيسيف العمل على توفير التعليم للأطفال السوريين، وتقوم المنظمة بإصلاح المباني المدرسية المتضررة، وتوفر برامج التعلم في المنزل للطلاب في المناطق التي لا توجد بها مدارس وتدير برامج تدريب المعلمين.

هناك تفاوت كبير في الثروة في سوريا، قبل عام 2011، ازدهرت الأعمال الصغيرة السورية. ومع ذلك، أغلق العديد منها في العقد الماضي، احتكر عدد قليل من أصحاب الأعمال التجارية الكبرى ما يقرب من 75% من الاقتصاد.

ويلجأ الكثير من السوريين للفرار من البلاد، هناك 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا، وفي لبنان يعيش حوالي 70% من الشعب السوري تحت خط الفقر، أما في الأرْدُنّ، يعيش حوالي 93% من اللاجئين السوريين تحت خط الفقر، الظروف المعيشية للاجئين السوريين صعبة، لكنها ربما تكون أفضل من أزمة العيش في خضم الحرب الأهلية.

لا يمكن للبعض أن يتوقف عن العيش لأن مناطق أخرى تعيش في حرب!

خلال العقد الأخير، تأقلمت العوائل ميسورة الحال التي تعيش في مناطق النظام السوري، ولا سيما المحافظات التي لم تشهد قتالًا أو لم تسيطر عليها المعارضة السورية، كأجزاء من العاصمة دمشق والسويداء وطرطوس واللاذقية، فهنالك الحياة استمرت وكأن الحرب في دولة أخرى.

خلال حديث «ساسة بوست»، مع «محمد المسالمة» ابن أحد المقاولين المنحدرين من مدينة درعا، وقد اتخذّ من مدينة طرطوس الساحلية مقرًا له، قال: «إنه لا يمكن لفئات عدة من السوريين الذين لم ينخرطوا في الحرب أن يتوقفوا عن الحياة في البلاد، بسبب أن هنالك مناطق أخرى تعيش حالة حرب، فكل شخص يقرر مصير وسلوك حياته».

وبما أن الحياة في طرطوس تسير دون عراقيل، وأعمال والده لم تتوقف، فلم يفكّر «المسالمة» في الخروج من سوريا، ولا سيما أن الحياة التي اعتادها لم تتغير عليه، قبل اندلاع الثورة أو خلال الحرب الجارية، كما يروي «المسالمة».

الفواتير المرتفعة ليست عيبًا!

«شيء محزن»، هكذا اختار المواطن السوري «عبد المحسن»، أن يعلق على صورة لفاتورة أحد المطاعم في مدينة طرطوس، وقد تجاوز ثمن الطعام فيها ربع مليون ليرة سورية. «لماذا الاستغراب؟»، بهذه الجملة علقّ «المسالمة»، ورفيقه «توفيق حيدر» ابن العائلة الشامية التي تشتهر بصناعة الحَلْوَيَات والمعروفة بماركة «أبو عرب حيدر»، على سؤال فاتورة المطعم، فالشابان يعتقدان أن المبلغ المدرج ضمن الفاتورة، طبيعي لأن البلاد تمر بأزمة انهيار لليرة. ولكن ما لا يراه أبناء الطبقة الفارهة، أن ثمن وجبة عشاء على شاطئ طرطوس، تعادل رواتب خمسة موظفين يعملون لدى حكومة النظام السوري.

الصورة العامة التي انطبعت لدى السوريين أو من يهتم بالوضع السوري، أن المطاعم والفنادق أغلقت ولا يرتادها أحد، كون الغالبية العظمى تعيش ظروفًا اقتصادية صعبة، ولكن الوجه الآخر للحياة لم يكن ليظهر لنا، لولا حوارنا مع الأشخاص الذين يرتادون هذه الأماكن، وأيضًا انتشار بعض صور الفواتير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

انهيار سعر صرف الليرة، وعدم توافر مدخول مالي، لم يؤثر في أبناء الأغنياء أو من يعيشون حياتهم في الوقت الحالي، ولا يدهشهم أن تكون الفاتورة خيالية مع ارتفاع الأسعار الخيالي للمواد الغذائية الأساسية، بذريعة «قانون قيصر»، الذي يستثني الدواء والغذاء، ولكنه لا يستثني القطاع المالي اللازم لاستيراد هذه المواد.

المفارقات التي تراها الطبقة الفقيرة، يعدّها «المسالمة» و«حيدر» من حقّهم أن تكون متوافرة، فهم يرون وجوب توافر منتجات كمالية، كموبايلات آيفون الجديدة، وسيارات من أحدث الطراز تدخل إلى البلد، كمثل بقية البلدان التي لا يريدون زيارتها، فهم قادرون على العيش في بلادهم.

أما بالنسبة لحلول سد عجز الموازنة من جيوب الشعب، في شكل ضرائب لإعادة إعمار بلد يلزمه أكثر من 400 مليار دولار، فهم يعتقدون أنهم كبقية الشعب وذويهم يدفعون ما عليهم من ضرائب. من المشاهد المتناقضة، التي نقلها موقع «صور»، أنه ثمة إنفاق استهلاكي مرتفع في مناطق النظام السوري، ففي احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة المنصرمين، كانت مطاعم دمشق محجوزة كلها، ولا توجد أماكن إضافية لقادمٍ جديد تأخر في الحجز، إذ أغلقت معظم مطاعم الخمس النجوم حجوزات حفلة رأس السنة قبل نحو شهر من انطلاقها.

التعليم المتطور حكر على «الشبعانين»

«بلد الطوابير»، هكذا يطلق السوريون خلال الفترة الماضية مسمًى على بلادهم، بعدما ملأت طوابير الناس محافظاتها اصطفافًا إما للبنزين، أو للخبز، أو لسلع أخرى، وعلى الرغم من عدم وجود حلحلة لأزمة المواد الأولية من قبل النظام السوري، ظهر طابور جديد وَسْط العاصمة دمشق، هذه المرة لـ«الشبعانين فقط»، حسب تعبير «أم حمزة»، فالطابور الجديد كان أمام شركة «إي ماتيل للاتصالات»، والغرض آيفون جديد أطلقته شركة أبل العالمية.

«الشبعانين» تعبير محلي في سوريا، يطلقه الأهالي على العائلات الغنية أو الذين لديهم مداخيل مالية عالية وغير مدينين، والمقصود فيه أن هؤلاء الأشخاص لا يطرق الجوع أبوابهم، «فكيف بدو يجوع وهو واقف بطابور يشتري موبايل سعره بين 4 ملايين إلى 5.5 مليون ليرة سورية»، بحسب أم حمزة.

«أم حمزة» التي تحدثّ معها «ساسة بوست»، زوجة سابقة لأحد تجّار السيارات في مدينة دمشق، تقول: «إن تأثير الأزمة طال الطبقة المتوسطة والفقيرة في البلاد، ولكن لولا أموال زوجها واستمرار أعمال معرضه، لما استطاعت إكمال تعليم ابنها في الجامعة».

الجامعة التي تتحدث عنها «أم حمزة»، هي الجامعة «الافتراضية» الخاصة، الواقعة على أطراف مدينة دمشق، يبلغ قسطها في الوقت الحالي للفصل الواحد مليون ليرة سورية، أي إن من يريد دراسة أربع سنوات للحصول على شهادة البكالوريوس بحاجة لثمانية ملايين ليرة سورية، ما يعادل الآن 1600 دولار أمريكي.

وتضيف «أم حمزة»، «لو زوجي كان موظف، براتب 60 ألف ليرة، ما رح أقدر أعلم ابني في جامعة خاصة بتعليم متحضر»، فالجامعات الحكومية تعاني من اكتظاظ الطلاب، والتعليم بات هنالك أشبه بمدارس الدول الفقيرة قديمًا، حسب وصفها.

حياة الملاهي والأعراس الأسطورية لم تنقطع

«حفل أسطوري كما في الأحلام»، هكذا وصف الشاب المنقطع عن التعليم، «يزن الباسم»، لـ«ساسة بوست»، حفلة زفافه التي كلفته حوالي 4 ملايين ليرة سورية، وهو سعيد بزفافه الذي جرى الشهر الماضي، دون الحاجة للتفكير مجددًا في ميزانية الزفاف وكيف ستؤثر في مستقبله.

«الباسم» ليس من الطبقة الغنية أو ورث مالًا، إنما ينتمي للعائلات ذات الدخل المحدود المنحدرة من مدينة درعا، ولكن ما دعاه إلى الإنقاق العالي على زفافه، هو مشاهدته لحفل زفاف الشاب «صبحي جود» وعروسته «علا ميهوب»، الذي أقيم بفندق «أفاميا» في اللاذقية، الذي وصف بالتاريخي في الأوساط السورية، ولكن الاختلاف أن عائلة «جود» تمتلك، مجموعة شركات صناعية تحت اسم «مجموعة جود» منها (جود للحديد، وجود للأخشاب).

ذات المشهد المناقض لمشاهد الحرب والبؤس في عموم سوريا، تشاهده في مدينة جرمانا بريف دمشق، أو ما باتت تُعرف بـ«لاس فيجاس» دمشق، التي تحتضن 200 منزل ناشط في مجال الدعارة، من أصل 55 ألف بيت في كامل سوريا حسب ما صرح به، وزير الاقتصاد السوري السابق، محمد نضال الشعار، على صفحته الشخصية في موقع «فيس بوك».

وتحتضن جرمانا، ما يقرب من 30 ملهًى ليلي، أغلب روادها هم شبان تتراوح أعمارهن بين 18 و25، وتنشط في الفترة قبل 12 ليلًا، ويكون دخول الفتيات مجانًا، في حين يتنوع رواد الملهى بين العساكر ومتطوعي الأفرع الأمنية والضباط، وأشخاص عاديين يعملون طوال الأسبوع ليسهروا هذه الليلة، فالسهر لم يعد محصورًا بشريحة معينة عمرية أو اقتصادية.

ويرى «توفيق حيدر»، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن الملاهي ليست حكرًا على شريحة معينة من الرواد، وهي تندرج تحت إطار الحرية الشخصية، مضيفًا «حتى لو في بمناطق المعارضة مسموح هالشي كان شفت اللي عم يحكوا عنهم تحت خط الفقر، موجودين بهيك أماكن».

إذن.. من أين يأتي هؤلاء بالأموال؟

في دراسة لمركز «فرات للدراسات»، خلُصت إلى أن العائلة السورية المؤلفة من خمسة أفراد، تحتاج إلى 686 ألف ليرة لتأمين احتياجاتها الشهرية من الطعام فقط، حتى تعيش بمستوى عامي 2009 و2010، في حين أن خط الفقر الدولي محدد عند مبلغ 1.90 دولار للشخص الواحد في اليوم، بحسب البنك الدولي، وهو الجهة المخولة بتحديده.

وللإجابة عن السؤال، من أين يأتي هؤلاء بالأموال؟ ، سأل «ساسة بوست» جميع من تحدث معهم حول ذلك، وكانت إجابة صاحب الزفاف الأسطوري، «يزن»، أن أخوته الأربعة الذين يعيشون في هولندا وألمانيا والدنمارك، هم من يرسلون له الأموال ولعائلته، فطبقًا لما رواه «يزن»، فإن كل فرد من أشقائه يرسل 300 دولار أمريكي شهريًا، أي ما يعادل 6 ملايين ليرة سورية، وهي كافية لأن يعيش حياة الأغنياء.

أما بالنسبة لـ«المسالمة»، و«حيدر»، و«أم حمزة»، فكان الجواب موحدًا، أن أعمال ذويهم لم تتوقف، فهم في الأصل يعيشون هذه الحياة، ولكن الاختلاف بعد اندلاع الثورة السورية، كان في زيادة الأصفار على أرقام العملة فقط.

وحول بقية الشباب الذين لا تمتلك عوائلهم استثمارات داخلية، فإن هجرة أقاربهم كانت كفيلة بأن تغير حياتهم إلى حياة الأغنياء نتيجة انهيار الليرة السورية، فغيرهم من السوريين الذين ليس لديهم مهاجر في الخارج، يكافحون من أجل تأمين لقمة عيشهم.

الحديث السابق، أكده الباحث الاقتصادي، سمير الحلبي، في حديث لموقع «صور»، أن دخل الطبقة التي ينتمي لها «المسالمة» و«حيدر» لم ينخفض، و«حجم أعمالها لم يتراجع بالشكل المعلن عنه، بدليل ما نراه من حياة رَفَاهيَة وبذخ كبيرين في الشوارع فضلًا عن الحفلات والنشاطات الخاصة».

المصادر

تحميل المزيد