4,326

في الأسابيع الأخيرة انتشرت في العالم العربي حمى الحجب للمواقع الإلكترونية، فحُجِب أكثر من 70 موقعًا إلكترونيًَّا إخباريًّا وثقافيًّا في أكثر من ثلاث دول عربية، من بينهم الإمارات ومصر وفلسطين، فتقول عن ذلك «لينا عطا الله» رئيس تحرير مدى مصر أحد المواقع المحجوبة في مقالٍ لها بموقع «نيويورك تايمز» إنها فوجئت بالموقع وقد اختفى من شبكة الإنترنت المصرية في الرابع والعشرين من شهر مايو (أيار) الفائت، وقد تم حجبه من مصر، مؤكدة الحالة التى تمر بها مصر من ترهيب دائم للنشطاء والعاملين بالصحافة، وتقييد لحرية التعبير وحق الاعتراض، وأن الحجب كان نتيجة لأربعة أعوام من التغطية الإخبارية المستمرة لمدى مصر، والتي تكشف حقيقة الوضع المصري الآن، بحسبها.

كل هذا وأكثر من الحديث عما تتعرض له بعض الدول العربية في الوقت الحالي من حالة التضييق على الحريات، وحجب المعرفة ومصادرة الأفكار يعيد إلى أذهاننا حوادث تاريخية كانت المعرفة والفكر فيها هما الضحية، فالوضع شبيه بما تعرضت له فرنسا في القرن السادس عشر من الرقابة على المطبوعات، فكانت النار هي اللغة السائدة لحجب المعارف، فأقاموا المحارق للكتب، وأصدروا أحكامًا بالإعدام على من يقوم بطبع كتاب.

وفي العصر الحالي عصر التكنولوجيا والسرعة، أصبحت المواقع الإلكترونية بديلًا سريعًا للكتب في المعرفة، وأصبح الحجب الإلكتروني أيضًا هو النار الجديدة التي تلتهم الأفكار.

اقرأ أيضًا: تاريخ القراءة: كيف تغيرت منذ عصر الإغريق وحتى الآن؟

«محارق الكتب».. طريقة الحجب في فرنسا القرن السادس عشر

يقول روبرت دارنتون في كتابه «ثورة الطباعة»: «ليس من السهل أن نصدق، أنه منذ القرن السادس عشر وحتى الثورة الفرنسية كانت الرقابة على الخطابة والكتابة بموجب القانون الفرنسي، وكان هناك شرطة تحاصر الأفكار، فكان الوضع الطبيعي ألا يكون هناك حرية للصحافة أو لنشر الكتب في ذلك الوقت، وكان الحاكم منذ بدايات حكمه يعمل على إنشاء منظومة متكاملة تتحكم في سوق النشر والطباعة وحتى بائعي الكتب، من أجل إحكام القبضة على نشر الأفكار للعامة».

أما روبرت نيتز في كتابه تاريخ الرقابة على المطبوعات، فقد صرح أن القانون كان يمنع طبع أو بيع أي كتاب دون إذن من الحكومة، وأنه في ذلك الوقت من التاريخ الفرنسي، رفضت الحكومة إعطاء هذا التصريح لعدد كبير من الكتب التي كان ينتظرها الجمهور بشغف، ويشير نيتز إلى أن البداية كانت مع أطروحات مارتن لوثر، وهو مفكر وراهب ألماني، سجل اعتراضه على صكوك الغفران من خلال 95 أطروحةً ناقشت سُلطة البابا، والتي بعث بها إلى الأسقف ماينس لتعجل بأمر انفصاله عن روما، فنُشرت وطبعت عبر ألمانيا عام 1517، ولكن ومع حلول عام 1521 أُدينت أطروحاته من قبل السوربون في فرنسا، وفي عام 1523 طُلب من رئيس القضاء أن تُحرق كتبه، بل تم اتهامه بالهرطقة ونفيه خارج البلاد، فكانت تلك هي الشرارة الأولى لتاريخٍ طويل من الكتب الممنوعة.

ومن هنا تم إصدار القانون الذي سيتم بمقتضاه فرض السيطرة على النشر والطباعة الفرنسية، فكان فرنسوا الأول حامي الآداب والمطبعة هو أول عاهل يتولى تلك المهمة، بل بعد أن أصدر الملك مرسومًا رسميًا بمنع طبع أو بيع أي كتاب متوعدًا المخالفين بحبل المقصلة، كان فرنسوا هو العاهل الأول أيضًا الذي يربط بين الرقابة وبين حكم الإعدام.
كان خوف الحاكمين الديكتاتوريين وقتها من أي كتبٍ تحمل جدلًا لاهوتيًا أو تتعرض لشخص الحاكم بالهجاء، ويشير جورج مينوا في كتابه «الكنيسة والعلم» إلى أنه حتى الكتب العلمية في هذا الوقت لم تنج من القمع، خاصة تلك التي لم تستطع أن تثبت ما جاء في الكتاب المقدس، أو أن هناك حياة أخرى بعد الموت، وكانت فهارس الكتب المُراقبة يتم الإعلان عنها عن طريق المناداة العمومية في منعطفات مدينة باريس.

أما الحادثة التي كانت الأشهر في تاريخ القمع الرقابي، فكانت تلك التي تناولت مقتل المفكر والعالم «إتيان دوليه» عام 1547 بطريقة مفجعة، حيث كانت الكنيسة تحصر الكاتبين والمترجمين في ترجمة الكتاب المقدس ونصوص الدين وتفسيره بما يتوافق مع المفهوم الراسخ لهما، فكانت أي محاولة للخروج عن النص أو التجديد أو التفسير بطريقة مغايرة يتم الحكم عليها بالهرطقة، وكان «دوليه» من بين هؤلاء المترجمين المحكوم عليهم بالهرطقة، حيث اعتبرته جامعة السوربون مذنبًا لما ورد في أحد ترجماته الدينية من الحديث عن الحياة بعد الموت، وفي ساحة كنيسة نوتردام تم تحويل كل كتبه المنشورة، بل كل كتاب كان يقتنيه في مكتبته إلى رماد، بل قاموا بتقديمه هو شخصيًا للمحرقة، تاركين النار تأكل جسده في أغسطس (آب) من العام نفسه على صوت الجرس الكبير لهذه الكنيسة.

الأفكار لها أجنحة

بداية من عام 1534 كان نشر أو طبع كتب الإصلاح الديني في المملكة قد صار صعبًا وغير متاح، بل كانت فرنسا تشهد موجة من الاضطهاد لكل مختلف عن المذهب الكاثوليكي، جاء على أثرها مذبحة سانت بارتيليمي والتي استهدفت قتل البروتستانت الموجودين في فرنسا بهدف القضاء عليهم، فهاجر الكثير من البروتستانت إلى جينيف في ذلك الوقت، وهو أمر كان من الممكن أن يترتب عليه انتهاء حركة الإصلاح الديني في أوروبا، إلا أن الكاتبين وعمال المطابع وبائعي الكُتب قد قاموا بعمل منظومة أخرى موازية لمنظومة الحكم، سرية تمركزت في مدينة ليون الفرنسية، وتخصصت في طبع الكتب غير التقليدية، واعتمدوا كتب الإصلاح الديني، فطبعوا أكثر من عشرين كتابًا في خلال عامين، وكانت مدينة جنيف السويسرية في ذلك الوقت بمثابة عاصمة تنويرية تأتي منها الكتب إلى فرنسا، وهاجر إليها أغلب المضطهدين في بلادهم، بل كانت 70% من نسبة الكتب الممنوعة في فرنسا مطبوعة في جينيف، وبالوصول لعام 1563 كان هناك أكثر من مائتي مُعلم ومرافق ومتدرب يعملون في المطابع السويسرية.

أما في فرنسا، فعلى الرغم من أن المخالفين لتلك القوانين الصارمة كان ينتهي بهم الحال إما في السجون وإما المحرقة، إلا أن هذا لم يثن الطباعين والمترجمين عن مواصلة ما بدؤوه في الإصلاح الديني، فكانت رزم الكتب تصل من جنيف إلى فرنسا بطريقة سرية بحيث تخفي تحت البضائع أو في براميل، وكان يتم بيع الكتب أحيانًا مع باعة الخردة المتجولين بالريف، نظرًا لصعوبة مراقبتهم، وكان المكتبي في جينيف لا يستلم ثمن الكتب إلى بعد تسليمها وبيعها في فرنسا، وأية خسارة أو ملاحقة من الشرطة يتكفل بها مكتبي جينيف، ومن يتم الإمساك به وفي حوزته أحد هذه الكتب يحرق معها، ولذلك لجأ الكثير من الطباعين إلى وضع معلومات زائفة على أغلفة الكتب، وكان القُراء يقومون بإخفاء أية ملصقات أو مطبوعات أو كتب مما ورد ذكرها في القائمة الممنوعة، لأن مصير القارئ لم يكن مختلفًَا عن مصير الكاتب أو الطابع.

وكان نتيجة كل هذا التضييق هو انتشار المطبوعات التي تقوم بهجاء الملك هنري الثالث، بل إن بعض الكتاب الساخرين كانوا لا يتوانون عن عمل نشرات ساخرة وهجائية وبها شتائم أحيانًا في حق الملك، وكان يتم بيعها في سرية تامة للقراء الشغوفين من السكان المتعطشين للمعلومات، فنشأ نتيجة لذلك روابط تستخدم الملصقات والنشرات الهجائية كوسيلة دفاعية ضد الشرطة القمعية، تعمل على إثارة القلق الشعبي أو إطلاق الشائعات والسخط.

لكن كان أهم النتائج لكل هذا القمع هو ازدياد النهم العام للقراءة بدعوى من الفضول والشغف لمعرفة ما تحتويه تلك الكتب والمطبوعات أو النشرات الممنوعة من معلومات، فكان القراء على الرغم من التهديدات والحجب والمحارق يسعون خلف البائعين السريين ليقتنوا كل جديد من الكتب القادمة من الخارج.

أربعة دروس مستفادة من التجربة التاريخية الفرنسية

يقول روبرت نيتز في نهاية كتابه تاريخ الرقابة على المطبوعات: «إن المعارك المُقبلة لحرية التعبير بالنشر، ستدور بلا شك غدًا في مجالات ليس لها مع الكتاب سوى علاقة بعيدة»، وقد أصبح تنبؤه أمرًا واقعيًا، حيث أصبحت المواقع الإلكترونية اليوم في عالمنا العربي تخوض المعارك نفسها التي خاضتها الكتب والمطبوعات في فرنسا قبل الثورة الفرنسية، ولكن هل هناك حقًا كتاب فاسد وآخر ملائكي؟ وهل يمكن للمادة المكتوبة أيًا كانت أن تجعل من الشخص مجرمًا أو إرهابيًا؟

  1. ما الأساس الذي يرتكز عليه الحجب؟ هل هناك قراءة سيئة؟

يطرح «نيتز» تساؤلًا في كتابه وهو: هل هناك قراءة سيئة؟ إن خاصية المنع تلك التي تعطي الرقابة حقًّا في أن تحدد ما الذي يستحق أن يُمنع وما الذي يستحق أن يقرأ، لا تستطيع نفسها أن تجزم بأن المادة المكتوبة يمكنها أن تُحرض على القتل أو الجريمة أو الفساد، فيقول: «فكرة الرقابة بالذات تفترض أن «دي ساد» يقود إلى الأعمال الحقيرة، أما بول كلوديل فيقود إلى الملائكية، وهذا وهم، فأثناء محاكمة أعمال دي ساد لفت جان بولان انتباه المحكمة قائلًا: أي كتاب يمكنه أن يقود إلى الفساد، فهناك العديد من الأشخاص تأثروا بروايات غير مؤذية، وكم من الجرائم ارتكبت باسم الأديان وكتبها المقدسة».

اقرأ أيضًا: ماركيز دو ساد.. «إله» الخلاعة والمجون عند قُدماء التنويريين

ولذلك وفي نظر الكثير من النقاد، ليس علينا أن نتعامل مع المادة المحجوبة وكأنها صراع ما بين النور والظلام، أو أنها مادة فاسدة لا تصلح للقراءة، وإلا لمنعت الكتب المقدسة نتيجة للجرائم والحروب التي ارتكبت باسمها.

2. مع الحجب.. النهم يتدفق نحو المعرفة

في الحقيقة وإن قمت بقراءة تاريخ الرقابة على المطبوعات، ستكتشف أن المنع والحجب، وحتى المحارق التي نُصبت للبشر قبل كتبهم لم تمنع الناس عن شغفهم في معرفة المعلومات الخفية التي تريد لهم السلطة العليا ألا يعرفونها، وستكتشف أنه كلما زاد القمع والضغط، زادت نسبة وجود الكتب الممنوعة في البلاد، ونهم القراء لقراءتها، فنسبة الكتب الممنوعة التي كانت تطبع في فرنسا وقت الحظر كانت تتزايد وتيرتها كل عام عن العام السابق له، وهو مؤشر مهم يشير إلى التزايد الكبير في نسبة القراء لتلك المطبوعات والكتب.

3. الرقابة.. حلم كاذب بالكمال

يقول نيتز في كتابه إن الرقابة أداة سلطوية لا يمكنها أن تؤسس سوى للديكتاتوريات، ويستكمل قائلًا إن الرقابة وهم خطير يجعلك تعتقد أنك تستطيع أن تسمو إلى الكمال، بإجراءات الإكراه، فمعركة الخير والشر اختيارية، ويحددها الإنسان العاقل بإرادته الكاملة وليس بإرادة السلطة، فأنت لا تستطيع بالمنع أن تثني إنسانًا عن عملٍ إجرامي، إلا إذا كان هذا الوازع من داخله، ولذلك فإن الرقابة نفسها التي تسمو للكمال هي التي تكشف عدم كمال المجتمعات البشرية، فيشير نيتز إلى أن الرقابة دائمًا ما تكون على علاقة بالسلطة، وأن المنع دائمًا ما يكون للأفكار غير التي لا تتوافق معها، وأن الاضطراب السياسي هو الذي يؤدي بالوسائل القمعية إلى تمكين عودة الرقابة لما كانت عليه.

4. بيان الثورة الفرنسية: «كل مواطن يستطيع أن يطبع بحرية»

يشير نتيز في كتابه إلى أن تطور المجتمع يتناسب طرديًّا مع غياب الرقابة، فالثورة الفرنسية والتي كانت ثورة شاملة نهضت بهذا المجتمع وانتقلت به من عصور الظلام والقمع، إلى عصر التقدم التكنولوجي والثورة الصناعية، كان من نتائجها تخفيف كل تلك المحظورات التي تتخذها الرقابة ضد الكتب والمطبوعات، حتى وإن لم تنهها تمامًا في ذلك الوقت.

«كل مواطن يستطيع أن يطبع بحرية» كان هذا هو البيان الصادر ليل 4 أغسطس من عام 1789 جراء قيام الثورة الفرنسية، وبموجب المادة الحادية عشرة من حقوق الإنسان ألغت الجمعية الوطنية حكم الرقابة، مستكملة هذا البيان بالتالي: «إن حرية الأفكار والآراء هي أحد أثمن حقوق الإنسان، في استطاعة كل مواطن إذن الكلام، والكتابة والطباعة بحرية، شرط أن يُسأل عن سوء استعمال هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون».