ضجت الثورة التكنولوجية الهائلة التي شهدتها بداية الألفية الحالية، باحتلال المدونات مكانة كبيرة على الشبكة العنكبوتية، حتى أصبحت بمثابة «سلطة خامسة» كما وصفها الإعلامي الفرنسي «إجناسيو راموني»، ومنصة تديرها بالأخص المعارضة ضد السلطة المطالبة بالحرية والديمقراطية.

لكن قبل اكتمال العقد الأول لهذا التدوين، بدأت تتراجع مكانته لحساب وسائل أخرى فرّغ فيها الكتّاب ما يجول في خواطرهم من الكلمات، حتى اعتبر ذلك «أفول عصر التدوينة»، ورغم تقهقر التدوين الكلاسيكي أيضًا في موريتانيا إلا أنه ما يزال يشكل محطة لا تشابه محطة تدوينية أخرى في العالم، محطة تتناغم فيها جميع معالم المجتمع الموريتاني، من توافق وأزمات وصراعات متفاقمة.

المدونون الموريتانيون في كل قضية

يستعرض تقرير صحافي موقف المدونين الموريتانيين من الأزمة الجامبية، التي نجمت عن انسحاب الرئيس الغامبي المهزوم يحيى جامي من المشهد، وآخر يتناول موقفهم من تعيين المترجم السابق للإنجيل إلى اللهجة الحسانية المحلية «البان ولد السالم»، مديرًا لمحو الأمية وتعليم الكبار، وتقرير ثالث خاص بحملتهم ذات شعار «ركلي فظتك المسروقة» أي (احسب نقودك المسروقة)، وهي حملة خاصة باتهام وزارة الاقتصاد والمالية الموريتانية بالضلوع في اختلاس 778 مليون أوقية (2.4 مليون دولار أمريكي) من أموال الفقراء.

إذًا، يُقحم المدون الموريتاني نفسه في أدوار كثيرة بهدف تبصير الرأي العام بقضايا عديدة ويفرض بشكل واضح نوعًا من التعاطي مع تطلعاته، يقول المدون الموريتاني «أحمد ولد جدو» : «التدوين والنشاط على الشبكة بشكل عام في موريتانيا فرض نفسه كفاعل في المشهد في الكثير من القضايا، تبدأ من خلال النشطاء وعبر حملاتهم وليس من خلال الصحافة التقليدية ولا منظمات المجتمع المدني، وقد ساهمت صحافة المواطن في إحراج النظام أكثر من مرة وجعلت الوزراء يرتبكون ويدخلون في ردود على ما ينشره المدونون والنشطاء والمستخدمون الموريتانيون من وقائع ومعلومات».

بالعودة لتاريخ دخول خدمة الإنترنت إلى موريتانيا نجد أنها كانت في عام 1997 إلا أن عام 2006 شهد نقلة هامة، عندما أنهت شركتا «ماتل» و«شنقيتل» احتكار الشركة الموريتانية للاتصالات «موريتل» للإنترنت، حيث انخفضت الأسعار وتمكن جميع الموريتانيين على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية من استخدام الإنترنت.

وسجلت فترة الإطاحة بنظام الرئيس ولد الطايع مرحلة مهمة مُنح الموريتانيون على إثرها هامشًا لا بأس به من حرية الرأي والتعبير، فأخذت المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي تتطرق للمشاكل الاجتماعية والآراء السياسية، وتمكن المدونون في موريتانيا من أخذ دور كبير في الرقابة على السلطة وفضح الفساد في المؤسسات الموريتانية من خلال التوثيق ونشر المعلومات السريعة، وكما يقول المحلل السياسي إسماعيل ولد يعقوب فقد استطاعوا «نزع البساط من تحت الوسائل التقليدية للإعلام في صناعة الرأي العام، بل أكثر من ذلك، ففي كثير من الأحيان يشكلون مصدرا للخبر؛ وبواسطة التدوين وجدت طبقة جديدة من القراء وأشكال جديدة من القراءة وبالتالي أنماط جديدة من الوعي وصناعة الوعي قد لا تستوعبها الأطر التقليدية للإعلام والرقابة والمتابعة».

المدونة الموريتانية منال محمد حاولت في حديثها لـ«ساسة بوست» أن تُوضّح أكثر طبيعة ما يُمكن تسميته بـ«مجتمع التدوين» في موريتانيا، بقولها: «نحن بطبيعتنا مجتمع يُحب الكتابة والأدب و الشعر، ويتابع بشغف التطورات السياسية والقضايا من حوله»، من أجل ذلك مثّلت مواقع التواصل الاجتماعي وقت ظهورها «فرصة للتعبير والمشاركة والتفاعل».

التدوين في قبضة المعارضة

تعج ساحة المدونين في موريتانيا بالنقاشات الهادئة كما الحادة، وتُطرح فيها القضايا العلمية والأدبية، لكن القضايا السياسية تتربع على عرش التناول، إذ يبقى هذا المدون حريصٌ على تسليط قلمه تجاه الحكومة بشكل كبير، فقد أراد المدون الموريتاني توجيه رسالة للسلطات في بلاده، مفادها أن «زمن إغلاق ومصادرة الصحف قد ولّى ولم يعد يجدي لإخراس الصوت المعارض».

وكثّف المدونون الموريتانيون تواجدهم على الشبكة العنكبوتية للدفاع عن آرائهم السياسية وإطلاع الرأي العام المحلي عليها، كما شكل التدوين حلقة تربط بين المعارضين في الداخل والخارج، أولئك الذين أطلقوا العديد من المواقع الإلكترونية لمواكبة الأحداث السياسية، وبتعبير المدون والأكاديمي الموريتاني عبد الله ولد إسلمو «فهناك مستوى من التأثير والتأثر المتبادل بين السلطة والمدونين»، بمعنى أن المدونين يُثيرون القضايا التي كانت السلطات تُحاول إغفالها، هذا من جانب المدونين، أمّا من جانب السلطات فيقول عبدالله ولد إسلمو إنها «استطاعت أن توجه اهتمامات بعض المدونين إلى قضايا ليست ذات أهمية كبرى في حين تصرفها عن أخرى أكثر إلحاحًا في نفس الوقت».

«اختصار واقع البلد يفرض أن يكون للتدوين دور مهم في المشهد العام، فهو حاجة وليس ترفًا، وقد تجسد ذلك في الكثير من الحملات أحدثت الكثير من الزخم، وأعتقد أن الأمر في طريقه إلى التوسع، فالظلم ينتشر لكن الإنترنت تنتشر بشكل أكبر»، يقول المدون الموريتاني الحائز على جائزة «البوبز» لعام 2013، أحمد ولد جدو، في حديث لـ«ساسة بوست».

يأسف ولد جدو لتقهقر التدوين التقليدي عبر المدونات، لأنه يرى أنّ هذا التدوين كان فرصة للأصوات المعارضة غير القادرة على ولوج الإعلام الرسمي، ولذا فإنه يصف التدوين في موريتانيا الآن بأنّ له «نَفَس مُعارض» كونه «ينشر خطاب التوعية بالفساد الواقع في الدولة وفضح الممارسات القمعية».

وجدير بالذكر أن السلطات الموريتانية أصدرت قوانين متعلقة بالنشر الإلكتروني تتضمن عقوبات قد تتوجه إلى المدونين لخنق حرية التعبير لديهم، فقد لجأت الحكومة الموريتانية إلى صياغة قانون جديد باسم «قانون مجتمع المعلومات الموريتاني»، ينص على السجن من ستة أشهر إلى سبع سنوات وغرامة مالية من 500 ألف إلى خمسة ملايين أوقية (ما يعادل 1,700 إلى 17 ألف دولارات) لمخالفي المواد المتعلقة بالمساس بـ«الأخلاق الحسنة».

«الرّدة» تلاحق مدوني موريتانيا

لم يكن آخر هؤلاء المدون محمد الشيخ ولد أمخيطير المدان بتهمة الرّدة والمحكوم عليه بالإعدام، ويُرجّح أن تلغي المحكمة العليا قريبًا حكم الإعدام ضده بسبب إعلانه «توبته» مرتين أثناء جلسات سابقة لمحاكمته، إذ يمنح القانون الجنائي الموريتاني المحكمة العليا «إمكانية إسقاط عقوبة الردة أو تخفيفها إن تاب المُدان عن فعله».

واعتقل أمخيطير (30 عامًا) في الثاني من يناير (كانون الثاني) 2014، فقد أوصله مقال نشره على موقع «أقلام» لمقصلة الإعدام، ناقش فيه استخدام بعض الناس الدين كمبرر للتمييز الطبقي والعنصري، عارضًا قصصًا في عصر النبي محمد ليدلل بها من وجهة نظره على عدم عدالة الإسلام، ليخرج آلاف الموريتانيون في تظاهرات احتجاجية على ما اعتبروه استخفافًا بالنبي محمد وبالإسلام.

المدون محمد الشيخ ولد أمخيطير (المصدر: القدس العربي)

أما الباحث في المركز الموريتاني للبحوث والدراسات عبد الله البو أحمد عبد، فيصف الحالات التي حوكمت بالردة أو تُحاكم الآن، بأنّها «معقّدة ولا يمكن البتّ فيها ببساطة»، مُضيفًا أن هناك «قضايا أخرى تدخل في إطار الجدل المستمر بين اليساريين والإسلاميين، بين دعاة التغيير الاجتماعي والسياسي، وبين المحافظين».

لماذا لم يهجُر المدونون الموريتانيون مدوناتهم؟

التدوين يكتسب قوة سياسية

لم يكتف المدونون في موريتانيا بالتدوين في العالم الافتراضي، فمُؤخرًا آثروا الانتقال إلى العالم الواقعي بعقد ندوات ثقافية لهم كمدونين، هذه الظاهرة وصل أمرها لإحداث جدل واسع ما بين تأييد ومعارضة ممن يرون أنه بذلك تحوّل التدوين إلى حالة «مناسباتية ورسمية أكثر من اللازم».

ومع الوقت تمر حركة التدوين في موريتانيا بالتوسع في دوائر التدوين ومجالاته، للدرجة التي يُمكن فيها القول إن النشاط التدويني الموريتاني نجح في فرض نفسه على المشهد السياسي والثقافي والإعلامي، وتفوق فيه التدوين المعارض من الحزبيين والمستقلين.

كما يزيد التدوين من بعض الموالين الذين فضّلوا ركوبَ موجة النقد إلى حد ما، وبذلك أصبح صوت المدون في موريتانيا أقوى من صوت معارض ثائر في قاعات البرلمان، وقد حظيت حركة التدوين في موريتانيا بمزيدٍ من القوة بعد بدء الثورات العربية، حين نشأت حركة «شباب 25 فبراير» التي كانت أُولى أصداء الثورات العربية في موريتانيا.

وهذا ما دفع المدون الموريتاني جمال لحبيب ليرى أن المستوى الممنوح للمدون من حرية التعبير، قد يكون أحد أسباب الحفاظ على مساحة واسعة في التدوين، مُضيفًا لـ«ساسة بوست»: «أعتقد أن ذالك يعود لطبيعة المجتمع الموريتاني والذي يتميز بأنه مجتمع مُسيّس، فالجميع يتحدث في السياسة ويكتب فيها و يتفاعل معها و لذا وجدوا ضالتهم في التدوين».

يتوافق هذا الرأي مع ما خرج به استطلاع أعده المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات أكد على أن «الموريتانيون هم أكثر الشعوب العربية التي أعطت أهمية للأحزاب السياسية حيث حصل هذا المؤشر على نسبة 18% وهي أعلى نسبة عربية».

«التدوين يكتسب قوة سياسية»، يقول الصحافي والباحث في المركز الموريتاني للبحوث والدراسات عبدالله البو أحمد عبد، قاصدًا التدوين في موريتانيا، واكتساب التدوين تلك القوة يعود في الأساس إلى الاهتمام الكبير في موريتانيا بالسياسة والشؤون العامة، وهو اهتمام يتميز بأنه لا يقتصر على الطبقة السياسيّة أو الإعلاميين أو المتخصصين فحسب، بل ينسحب أيضًا على عامّة الناس، وفقًا لعبدالله البو أحمد عبد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد