«لقد كانوا مجرد أطفال»، هكذا كان عنوان جريدة «نيويورك تايمز» في النسخة الإلكترونية المنشورة في يوم 26 مايو (أيار) 2021 والنسخة المطبوعة المنشورة في يوم 28 مايو 2021 مع وضع صور الأطفال الذين استشهدوا في الحرب على غزة. عنوان بالنسبة للتيار الليبرالي الإسرائيلي لم ير فيه سوى أنه «فرية دم» جديدة، فبالنسبة لهم ما فعلته الجريدة الأمريكية تدليس وإخفاء للحقائق، وتجاهل للـ«أسباب الحقيقية» التي أدت لمقتل هؤلاء الأطفال.

وقد كان استخدام لفظ «فرية الدم» يعد اتهامًا لـ«نيويورك تايمز» بمعاداة السامية باعتبار أن هذا الفعل يعد من الأفعال التي ارتكبت في حق اليهود في الماضي ومن الأفعال المعادية للسامية، وهي وفقًا للموسوعة البريطانية الأفعال التي تحتوى على عداء أو تمييز ضد اليهود بوصفهم جماعة عرقية أو دينية، وعلى الرغم من أن العرب أنفسهم يعدون ساميين، فإن استخدام هذا المصطلح أصبح معروفًا أنه يخص اليهود، لكن هل فعلًا ما فعلته «نيويورك تايمز» يندرج حقًّا تحت مسمى «فرية الدم»؟

حسنًا، لمعرفة الإجابة علينا أن نعود إلى القرن الثاني عشر ميلاديًّا وإلى أوروبا، وتحديدًا إنجلترا لنعرف قصة أول «فرية دم» ضد اليهود وكيف عادت إلى الظهور في 2021.

فرية الدم..«حين تقتل الأطفال لتصنع الخبز»

في البداية كانت العلاقات بين المسيحيين واليهود في أوروبا في العصور الوسطى عادية، باعتبار أن اليهود كانوا منتشرين في معظم دول أوروبا، كان لا بد أن تنشأ بينهم وبين المسيحيين روابط سياسية واقتصادية وثقافية، لذلك وحتى القرن الحادي عشر، لم تحدث حالات «معادية للسامية» بشكل ملحوظ، ولكن باعتبار أن اليهود في أي دولة كانوا أقلية كانت تحدث لهم بعض حوادث الكراهية، على الرغم من قلتها.

لكن الوضع تغير حينما دق الناقوس من أجل الحملة الصليبية الأولى، وعلى الرغم من أن هذه الحملة انطلقت لاسترداد ما سمته الأراضي المقدسة وبيت المقدس من أيدي المسلمين، فإنها وضعت المسيحيين في حالة من الهياج، لذلك وهم في طريقهم لأراضي المسلمين هاجموا اليهود الأوروبيين.

بدأ الأمر حين هاجم المسيحيون في فرنسا الأحياء اليهودية، فكان الاختيار الذي وضعوه أمام اليهود، إما الدخول في المسيحية، وإما الموت. حاول يهود فرنسا تحذير يهود ألمانيا من الجيش المسيحي القادم باتجاههم، إلا أن اليهود الألمان لم يأخذوا هذه التحذيرات على محمل الجد، حتى وقع ما عرف تاريخيًّا باسم «مذابح الراين».

File:Saint William of Norwich. Engraving. Wellcome V0033148.jpg

لوحات لويليام من نورتش تحكي التعذيب الذي تعرض له وفق روايته -المصدر: wikimedia

ثم في عام 1144، في إنجلترا وتحديدًا في مدينة نوريتش، عُثر على جثة صبي لم يتخط عامه الثاني عشر يدعى ويليام. قُتل ويليام بطريقة وحشية، وعثر على جروح غريبة في رأسه ويديه وبطنه. اتهم عم ويليام – وكان قسًّا- اليهود باختطاف ويليام وقتله للتضحية به من أجل عيد الفصح واعتبار هذه الجريمة جريمة قتل شعائرية، ومن هنا انتشرت أول «فرية دم»، أو أول شائعة أن اليهود يقومون بجرائم قتل شعائرية، وبعد ذلك أصبح اليهود مدانين باختطاف طفل مسيحي قبل عيد الفصح كل عام لقتله وصلبه، واستخدام دمائه في صنع خبز الماتزوت.

وفي عام 1255 حدثت قصة هيو من مدينة لينكولن، والذي أصبح يعرف في الفولكلور باسم القديس الصغير هيو. كان هيو في التاسعة من عمره حينما عُثر على جسده ملقى في بئر، حينها روى أصدقاء هيو كيف أن يهوديًّا يدعى كوبين قد اختطفه، وأن كوبين عذبه لشهور قبل أن يصلبه في النهاية ويستخدم دمه في صنع خبز الماتزوت، وأشاعوا أن الأرض رفضت جسده فرمي في البئر، وبناء على رواية أصدقاء هيو الصغار أُلقي القبض على أكثر من 90 يهوديًّا، واتُّهموا بممارسة القتل الشعائري، وقد أُعدم كوبين هو وثمانية عشر آخرين.

لكن ما جعل هيو قديسًا وخلده في الفلكلور هو أن الحكايات عن المعجزات بدأت ترتبط باسمه بمجرد أن عُثر على جسده، وبدأ هيو يكتسب الشعبية بل وعُدَّ شهيدًا من الشهداء، ومع أن رواية الأطفال لم تمتلك أدلة كافية لتدين اليهود بقتل هيو، فإن الوضع في ذلك الوقت لم يكن بحاجة إلى أدلة لكره اليهود أو الاعتقاد بأنهم أشرار، فبالفعل كان يُشار إليهم بأنهم «أعداء الرب».

لذلك كانت قصة هيو الصغير تعد الوقود الذي يشتاق له الحريق، وبمرور الوقت أضيفت تفاصيل كثيرة إلى قصة هيو، حتى تناولتها الأعمال الأدبية في ذلك الوقت، مثل «قصة رئيسة الدير» وهي قصة ضمن 24 قصة تحت مسمى قصص «كانتربيري» التي كتبها جيفري تشوسر، وهو من أبرز شعراء إنجلترا في القرون الوسطى.

وبناء على قصة ويليام وهيو والكثير غيرها، تعرض اليهود إلى الاضطهاد بشكل كبير، وفي كثير من الحالات كانوا يقعون أمام الاختيار بين الدخول في المسيحية، أو التعرض للتعذيب ومن ثم القتل، أو في أخف الظروف النفي، والمثال الأشهر على ذلك هو قصة اليهود في شبه الجزيرة الأيبيرية حيث حدثت مجزرة 1391 الشهيرة، والتي تعد من العلامات الفارقة في تاريخ اليهود في إسبانيا.

كذلك نذكر  مرسوم الحمراء 1492 والذي اقتضى بطرد كل اليهود من إسبانيا قبل 31 يوليو (تموز) 1492، وأدى ذلك المرسوم لهروب معظم اليهود بعد بيع ممتلكاتهم ومنازلهم وأراضيهم بأسعار بخسة، وبقاء عدد قليل تحول إلى الكاثوليكية، وهؤلاء إما تحولوا فعليًّا، وإما كانوا يمارسون شعائر دينهم في الخفاء. وينبغي التنويه بأنه مع أن عديدًا من الملوك وحتى باباوات الفاتيكان أصروا على أنه لا يوجد جرائم قتل شعائرية لدى اليهود، فإن ذلك الاعتقاد قد أصبح مترسخًا في الثقافة الشعبية المسيحية بالفعل، فازداد كره اليهود من قبل المسيحيين، واضطهدتهم الشعوب نفسها، حتى مع هدوء حالات العنف ضدهم مع الزمن.

وعلى الرغم من انخفاض أفعال الكراهية نحو اليهود مع مرور الوقت، فإن فرية الدم كانت تطل برأسها من فترة لأخرى، وفي ما يخص عالمنا العربي، فقد انتقلت تلك الثقافة إليه أيضًا، وقد أصدر السلطان العثماني عبد المجيد الأول فرمانًا يدين «فرية الدم»، وكان ذلك بعد حادثة دمشق التي تعد من أشهر «فريات الدم».

في 1840 حينما كانت دمشق تحت حكم محمد علي، ألقي القبض على عدد كبير من يهود دمشق بتهمة قتل راهب من الفرنسيسكان يدعى الأب توماس وخادمه المسلم من أجل استخدام دمائهما في صنع خبز الماتزوت، وقد جرى تعذيب المتهمين حتى اعترفوا، وهنا بدأت أعمال كراهية وعنف ضد اليهود، وقد وصلت أخبار الحادثة إلى أوروبا، وبعد أن تدخل أدولف كريمييه وزير العدل الفرنسي، والسير موسى مونتيفيوري الخبير المالي البريطاني – وكان كلاهما من اليهود – وقابلوا محمد علي جرى الإفراج عن المتهمين، وبعد تلك الحادثة أصدر السلطان العثماني فرمانه. ويجدر بنا الإشارة إلى أن الدعايا النازية كانت تستخدم «فرية الدم»، لدعم اتجاه كره اليهود وكسب التأييد الشعبي.

فرية الدم: تذكرة الخروج من السجن

ومثلها مثل العديد من الأفعال التي تعد «معادية للسامية» أصبحت فرية الدم وسيلة سهلة تستخدمها قوات الاحتلال الإسرائيلية للتملص من التهم التي توجه إليها، ومن أشهر الوقائع التي جرى استخدامها فيها كانت في 6 سبتمبر 1984، حين اتهم أرئيل شارون جريدة «نيويورك تايمز» بـ«فرية الدم».

أرئيل شارون معروف في العالم العربي بوصفه مجرم حرب متهمًا بالعديد من المذابح أشهرها مذبحة قبية 1953، وصبرا وشاتيلا 1982، واقتحام الأقصى 2000، وجنين 2002 وغيرها من المجازر، كما يعد المسئول عن اغتيال العديد من القيادات الفلسطينية مثل الشيخ أحمد ياسين.

في ذلك الوقت كان قد جرى عزل شارون من منصب وزير الدفاع بعد أن قررت اللجنة الإسرائيلية القضائية الخاصة أنه لم يفعل ما يكفي للحيلولة دون وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا الأولى، وقد قدم إلى مانهاتن ليرفع دعوى قضائية ضد الجريدة الأمريكية بسبب مقال عده «من أسوأ الأمور التي حدثت للشعب اليهودي».

وفي الجلسة قال شارون إن المقال أشار «كذبًا» إلى أنه شجع مقتل مئات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا غرب بيروت. وعدَّ شارون المقال الذي كان قد نشر بتاريخ 21 فبراير (شباط) 1983 من أسوأ الأمور التي حدثت للشعب اليهودي ولإسرائيل وله هو شخصيًّا، وأنه «فرية دم». والجدير بالذكر أن «نيويورك تايمز» دافعت عن نفسها بالقول إنها استعانت بملحق سري خاص باللجنة الإسرائيلية القضائية الخاصة، يوضح فيه صحة ما ذكرته الصحيفة في المقال.

وعلى خطى شارون، فاليوم الجناح الليبرالي الإسرائيلي يهاجم كل من يدين قتل قوات الإحتلال للأطفال باستخدام «فرية الدم»، فنجد الرئيس السابق لرابطة مكافحة التشهير، أبراهام فوكسمان، قد علق على الصور التي نشرتها «نيويورك تايمز» وعنوانها «لقد كانوا مجرد أطفال» أن الجريدة قد طبعت مانشيت عبارة عن «فرية دم».

وقال في تغريدة له «سأقوم بإلغاء اشتراكي الخاص بنيويورك تايمز، لقد نشأت في أمريكا على النيويورك تايمز، وأوصلتها لزملائي، وتعلمت منها المدنية والديمقراطية وكل الأخبار التي تستحق النشر لخمسة وستين عامًا، لكن ليس بعد الآن، يكفي طباعة فرية الدم ضد إسرائيل والشعب اليهودي على الصفحة الرئيسية». 

وبعد هذا التعليق فقد تبعه العديد في مهاجمة الصحيفة الأمريكية واعتبار ما فعلته – وهو نشر صور الأطفال الضحايا – معاديًا للسامية. كذلك فقد اتجه البعض للقول إن حماس تستخدم الأطفال دروعًا بشرية حتى تدين إسرائيل بعد ذلك وتكسب التعاطف العالمي، وقد علق رئيس معهد واشنطن لسياسية الشرق الأدنى، روبرت ساتلوف، على مقال الجريدة قائلًا: «من خلال الإخفاق في توفير المعلومات الأساسية حول المصادر، وبيئة التقارير، وقرب الضحايا من الأهداف العسكرية المشروعة، وعلاقاتهم العائلية بالمقاتلين، وغير ذلك من الأمور ، تقدم المقالة صورة مشوهة ومثيرة لنزاع غزة».

لذلك وفقًا لساتلوف، فربما هناك مبررات عديدة أغفلتها الجريدة تسمح لقوات الاحتلال بقتل الأطفال، ولكن القول بأن قوات الاحتلال قتلتهم بدون وضع هذه المبررات في الصورة هو مجرد «فرية دم»، وهذه العقلية منتشرة فيما يخص الدفاع عن الاحتلال، فإذا هاجم أحد في الغرب ما يرتكبه من انتهاكات أو على الأقل أشار إليها فسيعدها العدد من المتحدثين الإسرائيليين «فرية دم» جديدة وفعلًا «معاديًا للسامية»، لكن بالطبع إذا قالوا إن حماس تستخدم الأطفال دروعًا بشرية فهذه ليست فرية دم، لأنهم ليسوا إسرائيليين.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
الملحمة الفلسطينية.. حوار مع جوزيف مسعد بعد معركة «سيف القدس»

المصادر

تحميل المزيد