كعادته، امتطى الشاب محمد البيض دراجته النارية، وبينما هو يقود دراجته اصطدم بقوة بسيارة مسرعة على الطريق، طرحته ممددًا على الأرض، ليتم نقله إلى مستشفى الرباط، حيث تعرض لإصابة تستدعي مده بالدم على وجه السرعة، إلا أن المستشفى كان يعاني من نقص في كميات الدماء المناسبة لفصيلة دم الشاب، مما جعله ينزف حتى الموت.

لكن ماذا لو كان هناك بالمستشفى كميات دم، في الغالب كان ليعيش وتحظى عائلته بعودته معافًا إلى المنزل، إلا أن الفقر في التبرع بالدم من قبل المواطنين حال دون توفر المستشفيات لمخازن دم كافية، ومن ثم يتحول الأمر في المغرب إلى مشكلة صحية تهدد حياة آلاف من المصابين سنويًا، في بلد تستفحل فيه الجريمة وحوادث السير فتزداد فيه الحاجة للدم.

شح التبرع بالدم

في مناسبة اليوم الوطني للتبرع بالدم، الرابع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كشف مركز تحاقن الدم بالمغرب عن أن هناك نقص كبير في احتياط الدم بسبب قلة تبرع المغاربة، حيث لم يتجاوز عدد المتبرعين بدمهم 297.073 متبرع في سنة 2016، أي ما يعادل نسبة %0.95 من مجموع السكان، وهي نسبة لا ترقى حتى لثلث المعدل الذي حددته منظمة الصحة العالمية لسد الحاجة للدم في مستشفيات العالمي النامي، التي تصل إلى 3% على الأقل.

وسبق لمحمد بن عجيبة، مدير المركز الوطني لتحاقن الدم بالرباط، أن دق ناقوس الخطر منتصف العام الماضي، من الخصاص الشديد الذي تعانيه مخازن الدم في مستشفيات المملكة، نتيجة الطلب المرتفع في ظل غياب أكياس الدم الكافية، وقال: «إن الطلب اليومي للدم في مراكز العلاج بالرباط يبلغ 300 كيس، ويصل في مدينة الدار البيضاء إلى 400 كيس، في الوقت الذي فيه لا تتجاوز التبرعات اليومية بالمدينة 120 كيس دم.

 

بالمقابل، يصل عدد المتبرعين بالدم على الصعيد العالمي إلى 108 ملايين، %50 منهم يوجدون فقط بالبلدان المتقدمة التي يشكل مجموع سكانها أقل من %20 بالعالم، وبالتالي تحقق فائضًا ذاتيًا في إمدادات الدم الوطنية التطوعية، مما يعفي مواطنيها من تكلفته المالية.

ويحتفل العالم في 14 يونيو (حزيران) من كل عام باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، فقد جعلت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة تحقيق الاكتفاء في الدم لمساعدة الجرحى هدفًا في أفق 2020 بالعالم، وذلك من خلال تأكيدها لدول العالم على برامج التوعية بأهمية التطوع بالدم كخدمة اجتماعية، وتوفير الأطر الطبية والمختبرات المفتوحة أمام المتبرعين من أجل عملية التبرع.

السمسرة في الدم

على الرغم من حملات التوعية والترغيب في أهمية التبرع بالدم، التي تطلقها السلطات المغربية وبعض الجمعيات، ويروج لها الإعلام الرسمي، إلا أنها لا تنجح في إقناع المغاربة بخوض عملية التبرع، كما تؤكد الأرقام.

يعلق كريم على إحدى هذه المنشورات التحسيسية، التي تدعو للتبرع بالدم، قائلًا بسخرية: «لماذا أتبرع بدمي مجانًا ليبيعه الأطباء للعيادات الخاصة، وعندما أدخل المستشفى العمومي وأكون بحاجة للدم أدفع ثمنه»، في إشارة إلى ظاهرة السمسرة في دم المتبرعين الرائجة في المستشفيات المغربية.

أمام ارتفاع الطلب، تستغل العديد من المستشفيات المغربية الحاجة الماسة إلى أكياس الدم لإنقاذ أفراد العائلات المستعدين لدفع أي ثمن، فيقومون بتهريبها إلى العيادات الطبية الخاصة التي غالبًا ما يعملون بها، أو يساومون عائلات المصابين في المستشفيات العمومية، فيما آخرون يتخذون التبرع بالدم مهنة لكسب المال، حيث يرابطون أمام المستشفيات والعيادات الخاصة لبيع إكسير الحياة بداخلهم.

وبذلك، غدت تجارة أكياس الدم في المغرب منتشرة بالمستشفيات العمومية والخاصة، لها لوبياتها وزبائنها، مستغلين غياب قوانين تؤطر تجارة الأعضاء البشرية بالبلد، ليصير الدم سلعة تباع وتشترى بمقابل كباقي السلع، وهي الثقافة التي تسعى منظمة الصحة العالمية إلى محاربتها، بحيث تشدد على الطابع الإنساني لخدمة التبرع بالدم، ومن ثم تدعو الدول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مخازن الدم، من خلال تحصيله بشكل تطوعي وتقديمه مجانًا للمواطنين المصابين عند الحاجة.

ومن شأن محاربة التجارة في أكياس الدم بالمستشفيات المغربية، ولاسيما داخل المستشفيات العمومية، أن يساهم في استرجاع ثقة المواطنين في مصير دمائهم التي تبرعوا بها، وبالتالي مبادرتهم بهذه الخدمة الإنسانية.

هل هناك عوامل ثقافية وراء شح التبرع بالدم؟

رغم ذلك، يبقى الخوف من السمسرة في الدم عاملًا غير كافٍ لتبرير النسبة الهزيلة للمتبرعين بالدم في المملكة، والتي لا تصل إلى ثلث المعدل الموصى به عالميًا، علمًا أن جزءًا كبيرًا من هؤلاء المتبرعين يكون غرضه الأول إجراء فحوصات طبية مجانية لدمه، أكثر مما يكون غرضًا إنسانيًا صرفًا، مما يحيل إلى وجود تصورات في الوعي الجمعي سائدة بين المجتمع المغربي، والتي تمنع التكافل الاجتماعي بشكل عام.

 

أحد هذه التصورات هو فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، التي فشلت في توفير التطبيب والعلاج للطبقات الشعبية، وغدت مستشفياتها مليئة بالرشوة والمحسوبية ورداءة التطبيب، فباتت هناك أزمة شعور المواطن بالانتماء للدولة أو المجتمع، ومن ثم تنخفض لديه عاطفة الإيثار، التي قد تجعله يقدم دمه لإنقاذ حياة شخص آخر يجهله لغرض إنساني صرف، الشيء الذي يفسر أن نسبة كبيرة من المتبرعين تكون فقط بين الأسر، بالإضافة إلى أن المواطن لا يثق في مسؤولية مراكز جمع الدم.

بجانب ذلك، يعتقد البعض أن سحب الدم من جسده يمكن أن  يشكل خطرًا على حياته أو يسبب له أضرارًا صحية، نتيجة ارتباط الدم بالموت في التصورات الذهنية عادة، في حين أن التبرع بالدم هو عملية تخضع لإجراءات طبية معينة تضمن سلامة المتبرع قبل سحب الدم من جسمه وبكمية محددة، بل إن التبرع بالدم يعمل على تحفيز وتنشيط خلايا النخاع العظمي، لإنتاج خلايا دم جديدة تكون قادرة على حمل كميات كبيرة جدًا من الأكسجين، ويساعد في تنشيط أعضاء معينة في الجسم مثل الدماغ.

لكن رفع الوعي بأهمية التبرع بالدم في إنقاذ حياة الناس، وقبل ذلك بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن من خلال تحسين الخدمات العمومية، من شأنه تشجيع المواطنين على المشاركة في حملات التبرع بالدم، بعد شعوره بالانتماء للمجتمع الذي يعيش فيه والإنساني عامة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!