785

في أواخر التسعينيات، انتشرت مجموعة من الأفلام الوثائقية، تم عرضها على شاشة التليفزيون البريطاني بعنوان «الأعشاب المقدسة»، والتي وثقت بالفيديو أبحاثًا على مجموعة من الأعشاب والزهور تم تقديسها في بعض الحضارات القديمة، وكان لها تأثير مخدر ومهلوس.

كانت زهرة «اللوتس الأزرق»، هي واحدة من هذه الأعشاب والزهور التي تناولها البحث؛ إذ اعتبرها العلماء زهرة مثيرة للاهتمام، خاصةً وأنها كانت حاضرة تقريبًا في كل طقوس الحضارة المصرية القديمة، ورمزًا هامًا، ارتبط بالحياة الدينية والاجتماعية في مصر الفرعونية، حتى تم ذكره في أسطورة الخلق، فهل كان اللوتس مادة مخدرة عرفها المصري القديم، واستعان بها للتخلص من أعباء الحياة اليومية حينذاك؟

«أسطورة عن الخلق».. وتاريخ زهرة اللوتس المقدسة

في المساء، يغلق زنبق الماء أوراقه، ويرسل برعمه بعيدًا تحت سطح الماء، بعيدًا حتى لا تصل إليه الأيدي، وفي الصباح، ترفعه أشعة الشمس ثانيًا على السطح، حيث تتفتح وتزهر بالكامل *زهرة اللوتس، كتاب آلهة مصر القديمة

هكذا ورد ذكر زهرة اللوتس، باعتبارها أسطورة من أولى الأساطير عن الخلق؛ إذ ومن دون إله البحر المظلم بلا حدود، وقبل أن تبدأ الحياة على سطح الأرض، نبت برعم أول زهر اللوتس المضيء بحسب الأسطورة المصرية القديمة، والذي جلب معه النور والعطر إلى العالم، وبداخله يختبئ رع «إله الشمس» في المساء، ومن هنا أصبح اللوتس رمزًا لـرع، تشع أوراقه من مركزها في بداية كل شروق للصباح، تمامًا كالشمس.

(زهرة اللوتس)

يشترك اللوتس ورع في أسطورتهما؛ فكلاهما نبع من المياه الأزلية للحياة، وذلك لأن كليهما يخرجان من الماء في بداية كل يوم، دون أن ينطفئا، ثم يعاودا أدراجهما إلى الماء كل مساء، ليغرقا فيه.

آمن المصرى القديم حينذاك، بأن هناك تعويذة نُقشت في كتاب الموتى، إن قرأها المتوفى، سيتحول بدوره إلى زهرة لوتس، تلك الزهرة التي كان لها حضور طاغ في كل مظاهر الحياة بمصرِ القديمة؛ إذ تستطيع أن تجدها على جدران المعابد، والنصب التذكارية، والتيجان الملكية، ولفائف البردي، مما يشير إلى الأهمية التي اتخذتها تلك الزهرة في حياة المصريين حينذاك.

كان زنبق النيل الأزرق رمزًا للبعث وإعادة الميلاد، وذلك لأن توالي حضورها من الأعماق كان يحدث كل صباح؛ إذ خرجت تلك الزهرة من مياهها البدائية، لتزهر مرةً واحدة في السنة ولمدة ثلاثة أيامٍ فقط، تشرق خلالهم مع بداية أول شعاع شمس، وتغيب مختبئة تحت سطحها الأخضر في المساء، ومن هنا نبعت قدسيتها، بحسبهم، إذ كانت الزهرة الجميلة الوحيدة القادرة على أن تنبع من المستنقعات والوحل وبرك الطين، فأصبحت رمزًا للحكمة الكاملة ولحياة الإنسان المادية على سطح الأرض.

ولهذا أصبح اللوتس فيما بعد رمزًا في الحياة السياسية والدينية المصرية، فأصبح رمزًا لمصر العليا -مصر الجنوبية- مما أتاح له الحضور في الكثير من نقوش المعابد، كما استخدمه الكهنة مادة مقدسة، تمكنهم من التواصل مع العالم الآخر؛ إذ آمن القدماء بقدرة اللوتس على إطعام الروح، وإزالة الحجاب عنها، لتختبر كل ما هو خفي من العالم.

(المصريون القدماء وزهرة اللوتس الأزرق)

كان اللوتس في الجنائز والمقابر، يتم تقديمه للمتوفى، مع أنواعٍ مختلفة من الطعام والشراب، وذلك لإطعام الروح والجسد معًا، في فترة ما بعد الحياة، وبإمكاننا أن نرى زنبق الماء في أحد النقوش على حجر جيري قديم، يعود إلى عام 2600 قبل الميلاد، ويصور رحلة المتوفى على متن قارب في النيل مغطى بالكامل بزهور اللوتس الأزرق، لندرك أهميته في الحياة الدينية لمصر القديمة؛ ففي عام 1922 ميلاديًا، وعندما فتح عالم الآثار البريطاني الشهير هوارد كارتر مقبرة الملك الفرعوني «توت عنخ آمون» لأول مرة، كانت مومياء الملك توت داخل التابوت مغطاة بأعدادٍ هائلة من زهر اللوتس الأزرق، رمزًا للإنعاش وإعادة الحياة.

تجربة اللوتس الأزرق.. ماذا سيحدث لك إذا تناولته؟

في عام 1825، تم إهداء بعض المومياوات المصرية إلى متحف مانشستر البريطاني، وكان من بينهم مومياء «مداحة الإله آمون»، وتدعى آسرو، كان الجثمان محميًا جيدًا، وغير مغلف قبل وصوله المتحف، مصحوبًا بمجموعة من الأحشاء المحنطة، تم وضعهم على القدمين، أما النقوش على النعش، فكانت تحمل السيرة الذاتية لهذه المومياء، إذ كانت آسرو مغنية المعبد، تتضمن واجباتها الغناء لمرافقة الطقوس المقدسة للإله آمون، وفي متحف مانشستر، تم إجراء العديد من الأبحاث العلمية على جسد آسرو، وذلك بعد مرور ما يقرب من 2000 عام على وفاتها.

تم الكشف عن سن المومياء أولًا، والذي تعدى الخمسين عامًا تقريبًا، وكان جسدها يعاني الكثير من الأمراض المرافقة لهذا العصر، البلهارسيا والديدان الشريطية على سبيل المثال لا الحصر، لكن ما كان مثيرًا للاهتمامِ حقًا، هو وجود ثلاث موادٍ مخدرة، كان من ضمنهم المادة الفعالة في حبوب الفياجرا داخل جسد السيدة المتوفاة، وهو ما أشار إلى زهرة «اللوتس الأزرق»، والتي احتوت على مواد قلوية مشابهة.

كانت آسرو تذهب إلى المعبد ثلاث مرات يوميًا، محملة بالطعام وزهور اللوتس المنقوعة جيدًا في النبيذ، لترتل التراتيل الدينية، وهو ما يشير إلى اعتماد المجتمع الديني في مصر الفرعونية على اللوتس الأزرق، بوصفه أداة للنشوة وتخفيف الآلام، ومحفز جنسي؛ إذ كان المجتمع ومعتقداته حينذاك ذات توجهٍ جنسي، نظرًا لأن الفراعنة أولوا اهتمامًا كبيرًا للجنس، كما جاء في بردية تورين، بحسب المصدر.

كان الكشف عن المواد القلوية في اللوتس الأزرق، والتي من المحتمل أن تكون موادًا مخدرة، اعتمدت عليها ثقافة الحضارة المصرية القديمة، هو حدث جلل سعى كل من علماء المصريات والصيدلة للبحث في حقيقته، كمن على وشك أن يغير التاريخ، وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، اجتمع كل من: مايكل كارميشيل، وآلان لويد عالم المصريات، وسوزان ديوتي عالمة الصيدلة لعمل تجربة علمية على اثنين من المتطوعين، للكشف عن تأثير زنبق النيل الأزرق باعتباره مادة مخدرة.

(فيلم تسجيلي عن أول تجربة لتأثير اللوتس الأزرق باعتباره مخدرًا)

خضع المتطوعون لاثنين من طرق تناول اللوتس الأزرق، ولكن بكمياتٍ محدودة، خشية من وجود آثار جانبية خطيرة، وهي الطرق التي عُرفت عن قدماء المصريين في استخدامه، إذ تم غمس الزهور في النبيذ، لتناولها مشروبًا في الليلة الأولى من التجربة، وبعد حوالي 30 دقيقة، بدأ تأثير اللوتس الأزرق في الظهور على السطح، ليزيد من تأثير الخمور على الجسد البشري بمعدل الضعف تقريبًا؛ فكان روبرت وماري -فردا التجربة- أكثر ميلًا لتناول أطراف الحديث مع بعضهما البعض ومع الآخرين، فضلًا عن الضحك وتغير المزاج إلى الأفضل، كما أنهم كانوا أكثر هدوءًا، وتقبلًا للأنباء السيئة، وفي اليوم التالي، تناول روبرت وماري اللوتس طعامًا بعد تجفيفه، وكان له نفس تأثير الليلة الماضية.

شكلت تلك الحقيقة صورة أكثر وضوحًا عن المجتمع المصري القديم؛ إذ تم كشف النقاب عن السبب الكامن خلف الجداريات التي صورت زهرة اللوتس باعتباره عنصرًا حاضرًا في الطقوس الدينية، والحفلات الاجتماعية، وتجمعات العري، كما تم تصويرها في بردية تورين؛ إذ أصبح اللوتس معروفًا الآن كمهدئ طبيعي، يحتوي على كميات صغيرة من القلويات، أشبه بتلك المستخدمة في التخدير، فكانت الزهرة تُستخدم لآلاف السنين في الطقوس الدينية من قبل المصريين حينذاك، لاعتقادهم بقدرتها على أن تصل بهم لمستويات أعلى من الوعي الكوني، والارتباط بالآلهة، وهو ما حملهم على غمس تلك الزهرة في النبيذ لأسابيع، و تناولوها كسرٍ مقدس، ومع النشوة المهدئة غالبًا ما تأتي البصيرة، بحسبهم، فاللوتس يطلق سراح الخوف والقلق الكامن في الروح، وذلك من أجل تأهيلها للاتصال الكوني، والارتقاء الروحي في نهاية المطاف.

اللوتس الأزرق.. السر الذي طمسته المسيحية وكشفه القرن الحادي والعشرون

منذ آلاف السنين قبل الميلاد، تم زراعة اللوتس الأزرق على طول ضفاف النيل في مصر القديمة؛ إذ كان يتم إنتاجه على نطاقٍ واسع، وتصديره إلى كثير من الأنحاء عبر البحر المتوسط، فحظت تلك الزهرة بمكانة عظيمة في اليونان، وتم تقديسها في ملحمتي الإلياذة والأوديسا؛ إذ يذكر هوميروس في الأوديسة أن أوديسيوس ورجاله، بعد مغادرتهم أرض إيسماروس، فاجأتهم عاصفة بحرية، ولاحت لهم من بعيد أرض جزيرة غريبة، وعندما أرسل رجاله ليستكشفوا ما بداخلها، وجدوا «آكلي اللوتس»، وهم سكان الجزيرة الذين يتغذون على نوع من الفواكة الزهرية المُسكرة.

تناول رجال أوديسيوس بعض الزهور كواجب ضيافة، فنسوا أمر سفينتهم، وكانوا يبكون وهم يبتعدون عن الجزيرة، يجرجرهم أوديسيوس عنوة للعودة إلى أرض الوطن، في إشارة إلى التأثير الأسطوري لتلك الزهرة.

ومع دخول المسيحية إلى مصر، تم إخفاء هذا السر المقدس عن تأثير الزهرة حتى نسيها الزمن لأكثر من 1500 عام، وذلك حتى القرن التاسع عشر؛ إذ بدأ علماء الآثار يتساءلون عن سبب وجود اللوتس بكثرة على جدران المعابد، وهو ما أدى في النهاية إلى خضوع هذا النبات للاختبار.

(تقرير أحد مستخدمي اللوتس الأزرق عن تأثيره بوصفه مخدرًا)

بحلول القرن الحادي والعشرين، كُشف سر اللوتس المقدس؛ إذ أصبح أحد أنواع المخدرات غير المحرمة، فيمكنك الحصول عليه، أو زراعته في كثيرٍ من الدول، نظرًا لكونه مجرد زهرة عادية للزينة، فسعى كثيرون للوصول إلى التجربة الروحية ذاتها التي خاضها من قبلهم قدماء المصريين قبل ألفي عام، فانتشرت الفيديوهات الخاصة بمستخدميه على موقع التواصل الاجتماعي يوتيوب، شارحين تأثيره، مستعرضين آثاره المخدرة والمحفزة للمادة الفعالة داخل الكحول، وطرق تناوله والتي تتضمن المضغ، والنبيذ، والشاي المغلي للوتس الأزرق، كما قاموا بتدخينه من أجل الحصول على تأثير مهدئ.

وعلى الرغم من منع تداول اللوتس الأزرق في عددٍ قليل من الدول؛ إذ منع استخدامه البشري في الولايات المتحدة، كما تم حظره تمامًا من روسيا، إلا أنه ما زال يعتبر من المخدرات الشرعية في العديد من الدول التي لم تتنبه بعد لتأثير اللوتس باعتباره مخدرًا، فـبضغطة زرٍ صغيرة على محرك البحث جوجل، يمكن إيجاد بعض المتاجر الإلكترونية، والتي تقوم ببيع اللوتس الأزرق حول العالم، مع شرح لجرعات الاستخدام والتي تتراوح ما بين الخمسة والعشرة جرامات. أصبح اللوتس مادة أسطورية، تأثيرها كما أشار البعض ممن استخدموه في القرن الحادي والعشرين أقل بكثير من التوقعات، إلا في حالة النشوة الجنسية، إذ يعزز مراكز الإحساس باللمس، وذلك لأن تأثيره المهدئ والواعي في ذات الوقت، والذي يشبه حلم اليقظة، يتناسب كثيرًا مع التركيز والقدرة على تعزيز الممارسات التأملية، وهو ما كان مناسبًا لرجال الدين في مصر القديمة، أكثر من العالم المفتوح لمخدرات القرن العشرين.

المصادر

  • Sacred Weeds

  • آلهة مصر القديمة وأساطيرها

  • Symbolism of plants: examples from European-Mediterranean culture presented with biology and history of art: JULY: Lotus

  • Reconstructed head of Asru

  • Blue Lotus

  • secrets of the ancient egyptian sacred lotus

  • Sacred lotus

  • الأوديسة

  • Blue lotus drug

  • Blue lotus herb

تعليقات الفيسبوك