عبد الله كمال 10
عبد الله كمال 10

13,701

لا توجد أمّ في الدنيا تستحقّ أن تعيش ما عاشته «أمُّ خولة»؛ حين استيقظت على الساعة الرابعة فجرًا لتتفقّد ضجيجًا غير مألوف قادمًا من غرفة ابنتها الصغرى، فما إن دخلت غرفة ابنتها حتّى وجدتها جثّة هامدة معلّقة بمشنقة مربوطة في السّطح، وعلى ذراعها رسم حوت، ليس بقلم سيّال، ولكن بالدّم. فوق الطاولة المجاورة كان جهاز الهاتف الذكيّ يصدر موسيقى غريبة، ويشغّل تطبيقًا سيكون مسؤولًا عن وفاة خولة، وعدّة أطفال مثل خولة في الجزائر وخارجها. ربّما بدأت الطفلة البريئة هذا التحدّي كـ«لعبة»، لكن المصير الذي انتهت إليه وحجم الفاجعة التي ألمّت بقلب أمّها كان بعيدًا عن اللعب والهزل، بُعد السماء والأرض.

ليست الأوبئة القاتلة، أو سوء التغذية، ما يودي بحياة الأطفال في الجزائر هذه الأيّام؛ بل مجرّد «لعبة» على الهواتف النقّالة، يتبادلها الأطفال والمراهقون فيما بينهم، وقد اشتهرت باسم «الحوت الأزرق». وبلغت خطورة هذه «اللعبة الشيطانيّة» حدّ التسبب في وفاة 10 أطفال في مختلف أنحاء البلاد. صنعت الطفلة «خولة» – التي توفيت قبل أيّام قليلة – موجة من الهلع في صفوف الآباء بعد تركها وصيّة مكتوبة لوالديها تطلب منهم فيها مُسامحتهم على ما سترتكبه؛ لتُقدم بعدها على إنهاء حياتها.

يرجّح أن تكون لعبة «الحوت الأزرق» السبب الرئيس في هذه الوفاة. وقد انتشرت موجة الانتحار كالنّار في الهشيم بين الأطفال الجزائريين، وفي مناطق جغرافيّة وأزمنة متقاربة، فقد شهدنا وفاة ثلاثة أطفال من منطقة سطيف، شرق البلاد، في أقل من أسبوعين، ثم ضحايا من منطقة بجاية وشلف والجلفة بعدها بأيّام معدودة؛ ممّا يعطي انطباعًا أن هذه اللّعبة تنتشر أكثر فأكثر كلّما حذّر منها الإعلام أو تناولها بأي شكل.

Embed from Getty Images

لعبة الحوت الأزرق تستهدف الأطفال والمراهقين

وقد ذكرت صحيفة الشروق الجزائريّة أن أحد الضحايا من مدينة باتنة (شرق البلاد) كاد يدركه الموت بسبب هذه اللّعبة، وقد رآه الجيران وهو يحمل حبل مشنقة ويجري هاربًا، وحين أمسكه الجيران؛ قال الطفل صارخًا، إنه يريد الانتحار «من أجل أن يفدي أرواح والديه»؛ ممّا يدلّ على حجم التهديد والوعيد الذي تلقّاه الطفل من طرف القائمين على اللعبة.

ويجد الأساتذة في المدارس انتشارًا رهيبًا لهذا «التحدّي» بين التلاميذ، فمع حملات مراقبة الأذرع من أجل إيجاد جروح أو رسوم للحوت الأزرق، يظهر أن هنالك مجموعة معتبرة من القصّر دخلت بالفعل في أجواء اللعبة، فقد اكتشف أحد أساتذة التربية الرياضيّة وجود رسم للحوت على ذراع الطلاب بعد أن طلب منهم القيام بحركات رياضية، كما أن إحدى الطالبات أصيبت بهيستيريا داخل مدرستها بعد وصولها إلى مراحل متقدّمة من اللعبة، في مدينة تيزي وزو (شرق العاصمة).

ما هي لعبة الحوت الأزرق؟ ولماذا لا تستطيع تحميلها على هاتفك؟

«الحوت الأزرق» هي لعبة تحدّيات انتشرت على مواقع الدردشة والتواصل الاجتماعي بين الأطفال والمراهقين في العالم، وتشير تقارير صحافيّة إلى أنّ منشأها روسيا، عن طريق أشهر مواقع التواصل الاجتماعي الروسيّة «VK» سنة 2013، ثم انتشرت إلى باقي المنصّات الاجتماعيّة كـ«فيسبوك» و«إنستجرام» وغيرهما، كما اتّسعت اللّعبة لتبلغ الكثير من البلدان الغربيّة والعربيّة، فقد نُسب إليها وفاة 130 ضحيّة في روسيا (بلد المنشأ)، بالإضافة لإنجلترا. حتى الكويت والسعوديّة شهدتا حالات وفاة يرجّح أن تكون اللّعبة سببها، ليأتي الدور في الأيّام الأخيرة على الجزائر التي كانت حصّتها من الضحايا أثقل.

عكس ما قد يظنّه الكثيرون، فإنّ لعبة الحوت الأزرق ليست تطبيقًا مستقلّا على الهاتف الذكيّ تستطيع تنزيله من متجر التطبيقات، أو تبادله مع هواتف أخرى، بل هي مجرّد «لعبة اجتماعيّة» بين مجرم وضحيّة.

يقتنص المجرم عادة الأطفال والمراهقين، ويضيفهم على موقع فيسبوك، أو إلى مجموعات سريّة من أجل الدردشة، ثم يبدأ في جمع معلومات شخصيّة عنهم، من خلال ما ينشرونه في فيسبوك، أو استدراجهم في الحديث، ثم يعرض المجرم تحدّيات خطيرة على الضحيّة، عادة ما تبدأ بطلب رسم حوت بآلة حادة على ذراع الضحيّة، وتتقدّم مراحل التحدّيات لتشمل الاستيقاظ باكرًا قبل الفجر دون شعور الأبوين، أو الوقوف على حافة سطح من ارتفاع عالٍ، ومشاهدة أفلام شديدة الرّعب بها الكثير من مظاهر الدماء والصّراخ، وكل ما يثير الهلع والاضطراب، والاستماع وحيدًا إلى موسيقى كئيبة في مكان مظلم؛ ممّا يهزّ شخصيّة الضحيّة ويربك نفسيّته، خصوصًا وأن أغلب الضحايا من الأطفال والمراهقين.

تمتدّ مراحل اللّعبة إلى 50 مرحلة، وفي آخر المراحل يخيّر المجرم الضحيّة التي تعرّضت لهزّات نفسيّة عنيفة طوال المراحل الماضية، بين أن يقتل المجرم والديه أو أن تنتحر الضحية. ويُوحي المجرم للضحيّة معرفته بعنوان منزله ومعلومات عنه – جمعها غالبًا من معلومات منشورة على حساب فيسبوك، أو من استدراجه في الحديث – فيرغمه على الانتحار من خلال التهديد واللعب على العواطف واستخدام قوّة الإيحاء.

إذًا فالأمر لا يتعلّق بتطبيق أو لعبة تستطيع الحكومات تعقّبها وحجبها، بل بمجموعة من المجرمين الذين يستخدمون الهندسة الاجتماعيّة والإيحاء النفسيّ للإيقاع بضحايا أغلبهم من القصّر وضعاف الشخصيّة، فيتحكمون في مصائرهم باستخدام التهديد والوعيد والتخويف. وينتشر التطبيق بين أطفال ومراهقين يغريهم هذا العالم المجهول الذي يتّسم بالخطورة والغرابة لاكتشاف أسراره؛ ليقعوا ضحيّة في شراك أشخاص ليس هدفهم المال أو الشهرة، إنّما الإيذاء فحسب.

الحكومة مستنفرة.. لكنها عاجزة

استنفار حكوميّ، وحملة إعلاميّة مكثّفة في الجزائر؛ لإيقاف نزيف الدّم الذي تسبّبت به هذه اللّعبة، فبعد أن تعالت أصوات شعبيّة تطالب الحكومة بحجب هذه اللعبة، واتّخاذ إجراءات حازمة لحماية الأطفال، صرّحت وزيرة البريد وتكنولوجيات الاتصال الجزائرية هدى فرعون: إن حجب هذه اللعبة «مستحيل»، لأن حجبها يستلزم حجب مواقع التواصل الاجتماعي نفسها، فاللّعبة ليست موقعًا مستقلّا بذاته، أو تطبيقًا يمكن تعقّبه على الهواتف المحمولة، وبالتّالي فإن التعامل مع هذه الظاهرة المرعبة التي تسبّبت لحدّ الآن في وفاة عشرة أطفال على الأقل، بالإضافة إلى عشرات الضحايا الآخرين الذين أُنقذوا بأعجوبة في آخر لحظة، ينبغي أن يكون أمنيًّا في الأساس، عن طريق تعقّب الحسابات التي تتّصل بالضحايا، وتطلب منهم الخضوع لسيطرتهم، ولألعاب العقل التي يمارسونها في حقّ ضحاياهم.

وقد أعلن وزير العدل الجزائري «الطيّب لوح» عن فتح تحقيق شامل في هذه اللّعبة بالتنسيق مع «الهيئة الوطنيّة للوقاية من جرائم تكنولوجيات الاتّصال» من أجل المتابعة القضائية للأشخاص الواقفين خلف هذا التحدّي والمتسبّبين في هذه الوفيات.

وزير التعليم والتربية الوطنيّة «نوريّة بن غبريط» – من جانبها – صرّحت بأنه على الأولياء مراقبة أبنائهم واستخدامهم للهواتف المحمولة، وأن المسؤوليّة الأولى تقع على عاتق الآباء، وليس المدارس أو الوزارة.

إشراف عائليّ مطلوب أكثر من أي وقتٍ مضى

انتشار الأجهزة الالكترونيّة في حياتنا اليوميّة، من هواتف، وحواسيب، ولوحات إلكترونيّة، صار في كثير من الأحيان ضروريّا. لكن مع هذا الانتشار، فإنّ مسؤوليّة الآباء على طريقة استخدام هذه التكنولوجيا، وسهولة الوصول إليها من طرف أبنائهم، صارت ملحّة أكثر من أيّ وقت آخر. ولعلّ الكثير من الآباء قد لا يجد في استخدام أبنائه لتطبيقات مشهورة تبدو «مسالمة» كـ«فيسبوك وتويتر وإنستغرام»، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعيّ، خطرًا في حدّ ذاته، لكن تواصل القصّر مع أشخاص مجهولين عبر هذه الوسائط قد يشكّل خطرًا يهدّد حياتهم حرفيًّا، كما رأينا مع لعبة الحوت الأزرق. ومن أجل ذلك ينبغي تفادي وقوع الأطفال في شراك هذه اللّعبة وغيرها؛ ينبغي على الآباء تفقّد المواقع التي يزورونها، والأشخاص الذين يدردشون معهم في الهاتف الذكي، كما يجب عليهم الحذر من بعض الأعراض الخطيرة بعينها: كالاستيقاظ في الصباح الباكر، أو الحديث عن أفكار انتحاريّة، أو العزلة والاكتئاب، أو مشاهدة أفلام رعب وموسيقى غريبة.