قليلة هي المسلسلات السينمائية المحلية التي تنال رضا المغاربة، ومسلسل «بنات العساس» للمخرج إدريس الروخ، والذي لاقى استحسانًا واسعًا وإقبالًا كبيرًا من قبل الجمهور المغربي، واحد منها.

تأتي السلسلة المغربية التي نوه منتجوها خلال الإعلان عنها قبل شهر رمضان، إلى أنها دراما «مغربية 100%» وتناسب «كل العائلة»؛ على شكل دراما إنسانية اجتماعية تفتح جراحًا موبوءة في المجتمع المغربي، مثل الإدمان، والتفاوتات الطبقية، والمشكلات الأسرية.

وعليه، جذبت «بنات العساس» عيون أكثر من 8 مليون مشاهد مغربي ليستحوذ على أكبر نسب المشاهدة على القناة الأولى المغربية، بنسبة تصل إلى 40%، كما تصدر «الترند» في مواقع التواصل الاجتماعي المغربية، بالإضافة إلى وصول مشاهداته على موقع «يوتيوب» إلى 38 مليون مشاهدة، تنتمي أغلبيتهم إلى فئة الشباب، طوال ليالي رمضان.

«بنات العساس».. قصة قديمة مستعادة ولكن

تحكي دراما «بنات العساس» قصة شابتين شقيقتين اضطرتا إلى الهرب من البادية إلى مدينة الدار البيضاء، بعد أن وجدتا نفسيهما عرضة للتشرد في الشارع، بسبب والدهما المدمن على شرب الخمر والقمار، فقررا مغادرة منزلهم البائس إلى الأبد نحو المدينة، وهناك يتعرضون إلى سلسلة من المشكلات والظروف الصعبة من أجل الاستقرار، حيث ستتشابك قصتهما مع قصص شخصيات أخرى تصادفت معهم في المدينة.

وعلى غير عادة الأعمال الفنية المغربية، بدت حبكة هذا المسلسل متماسكة إلى حد ما، على مستوى تتابع الأحداث وترابطها، مما جعل مجريات السلسلة تتدفق بسلاسة على طول الحلقات، متجنبة السقوط في فخ التفكك السردي وفجوات الحبكة، الأمر الذي يفسر التفاف المشاهدين المغاربة حوله.

كذلك عرف التصوير السينمائي في المسلسل مستوى من الجودة، ظهر في وضوح الصورة ونقائها، بالإضافة إلى زوايا التصوير القريبة من الوجه؛ ما ساعد في نقل أحاسيس ودواخل الشخصيات.

تميزت السلسلة أيضًا بموسيقى تصويرية خفيفة، تتناسب مع تصاعد الأحداث وانحدارها، فيما استعان الإنتاج بالمطربة المغربية أسماء لمنور لأداء أغنية المسلسل «وقتاش».

على جانب آخر، عاب الجمهور المغربي على المخرج إدريس الروخ اختيار الممثلتين، دنيا بوطازوت (39 عامًا) ومنى فتو (50 عامًا)، للعب دور شابتين مراهقتين في السلسلة متجاهلًا السن! وبرر المخرج ذلك بقدرات الممثلتين على تجسيد الدور، ومع ذلك فقد كان أداء الممثلين بشكل عام في مستوى الاحترافية نوعًا ما، خاصة في المشاهد العاطفية.

بالمقابل، كان موضوع السلسلة نمطيًّا للغاية، المُمَثل في الهجرة القروية؛ إذ كثيرًا ما تتناول السينما المغربية شخصية قروية، تارة تجسدها امرأة وتارة يمثلها رجل، تتسم بالبساطة والسذاجة فتقرر في لحظة ما الانتقال صوب إحدى المدن الكبرى، من أجل تحقيق حلم ما أو زيارة أقارب، فتصطدم هذه الشخصية بواقع المدينة الغريب تمامًا عنها، لتسقط في مواقف صعبة بعضها طريف، وتتعرض للنصب والسخرية من قبل قاطني المدينة.

ورغم محاولة كاتبة سيناريو «بنات العساس»، بشرى ملاك، إدخال تعديلات جديدة على تلك القصة النمطية المكررة، مثل إضافة تفاعلات ساكن القرية مع بورجوازية المدينة، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتجاوز القصص النمطية المعروفة في السينما الوطنية، من الهجرة القروية مرورًا بقصص خادمات البيوت إلى مغامرات شبان الأحياء الشعبية.

من ناحية أخرى، كانت حوارات السلسلة متصنعة في العديد من الأحيان، يغلب عليها المثالية الوردية، في حين يتوقع المشاهدون من حوارات أي عمل درامي مداراة الواقع بما فيه من عفوية وابتذال، دون التضحية بعمق القصة وحبكتها الذكية.

لماذا التف المغاربة حول «بنات العساس»؟

لكن وبرغم كل ما سبق، يمكن القول بأن مسلسل «بنات العساس» قطعة فنية مغربية رائقة، وذاك مقارنة بركام الإنتاجات السينمائية المحلية الأخرى، التي تعاني من غياب الرؤية الفنية الموجهة للعمل، وتفكك واضح في بناء السرد ونسج الأحداث معًا وتسلسلها، وكذا الاصطناعية المنفرة في تمثيل الشخصيات لأدوارها، فضلًا عن استخدام غير مدروس للكاميرا والإضاءة وديكورات المشهد، وتوظيف لغة عشوائية مرتجلة على لسان الممثلين، وفي بعض الأحيان غياب الموضوع.

ولا تزال تعاني السينما المغربية عامة من ضعف كمي ونوعي في الإنتاج، نظرًا إلى غياب البيئة المواتية لإبداع وتفريخ المواهب بالإضافة إلى نقص الاستثمار في هذا المجال، غير أن هناك مجهودات طموحة لعدد من الطاقات الفنية والمخرجين الجدد، مثل إدريس الروخ، لتقديم أعمال سينمائية محلية تشبع ذوق الإنسان المغربي، بدلًا من هروبه إلى سينما بلدان أخرى.

وكانت حصيلة السينما المغربية لسنة 2020 هي 13 فيلمًا طويلًا، و83 فيلمًا قصيرًا، و36 مسلسلًا تلفازيًّا، و28 فيلمًا تلفازيًّا، و86 إشهارًا، و16 فيلمًا وثائقيًّا روائيًّا. وبالرغم من أنها تبقى حصيلة متواضعة مقارنة بالجارة الإسبانية مثلًا، فإنها نتيجة واعدة، لا سيما أنها تمت في خضم جائحة كورونا.

تاريخ

منذ شهرين
جديرة بالمشاهدة.. 5 مسلسلات وثائقية تاريخية تعيدك إلى عصر الإمبراطوريات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد